ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 1/

الصحيح
من سيرة النبي الأعظم (ص)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 2/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 3/

الصحيح
من سيرة النبي الأعظم (ص)
(مدخل لدراسة السيرة والتاريخ)
العلامة المحقق
السيد جعفر مرتضى العاملي
الجزء الرابع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 4/

جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الرابعة
1995 م ـ 1415 ه‍
دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع
تلفون وفاكس: 834265 ـ 317425 ـ تلكس: 20777 ـ م MCS ـ 22597 بلاغ ـ
ص ب: 286/25 غبيري ـ بيروت ـ لبنان.
دار السيرة ـ بيروت لبنان ـ ص. ب: 49/25

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 5/

الفصل الخامس:
هجرة الرسول الأعظم (ص)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 6/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 7/

المؤامرة:

واجتمع أشراف قريش في دار الندوة، ولم يتخلف منهم أحد: من بني عبد شمس، ونوفل، وعبد الدار، وجمح، وسهم، وأسد، ومخزوم وغيرهم، وشرطوا: أن لا يدخل معهم تهامي، لأن هواهم كان مع محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " (1). كما أنهم قد حرصوا: على أن لا يكون عليهم من الهاشميين، أو من يتصل بهم عين أو رقيب (2). وتذكر الروايات: أن إبليس قد دخل معهم بصفة شيخ نجدي (3)، وتشاوروا فيما بينهم ما يصنعون بمحمد. فذكروا الحبس في الحديد، فرأوا أن من الممكن أن يتصل بأنصاره، ويطلقوا سراحه. وذكروا النفي إلى بعض البلاد فرأوا أن ذلك يمكن الرسول من نشر دينه، فاستقر رأيهم أخيراً على اقتراح أبي جهل، أو إبليس بأن يأخذوا من كل قبيلة شاباً جلداً

ـــــــــــــــ

(1) و (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 321 والسيرة الحلبية ج 2 ص 25، وراجع نور الأبصار ص 15.

(3) تاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 68 والبداية والنهاية ج 3 ص 175 وتاريخ الخميس ج 1 ص 321/322.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 8/

قوياً، حسيباً في قومه، نسيباً، وسطاً، ويعطى كل منهم سيفاً صارماً، ويدخلوا على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بأسيافهم؛ فيضربونه ضربة رجل واحد، فيقتلونه ويتفرق دمه في القبائل، لأن بني عبد مناف لا يقدرون على حرب قومهم جميعاً، فيضطرون إلى القبول بالدية، فيعطونهم إياها، وينتهي الأمر. وواضح: أن المواصفات المتقدمة التي اعتبروها في الرجال العشرة، إنما هي من أجل أن لا تفكر أية قبيلة في تسليم صاحبها؟ لأنها  لو سلمته فسوف يصبح الهاشميون أكثر قدرة على ضرب قريش، مهما كانت الضربة محدودة. كما أن هذه المواصفات تجعل الذين يقدمون على اقتراف تلك الجريمة أكثر ثقة وإقداماً على هذا الأمر الخطير، الذي لا يجوز التردد ولا الضعف والوهن فيه. وعلى كل حال، فقد أخبر الله تعالى نبيه بهذه المؤامرة عن طريق الوحي، ونزل قوله تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا؛ ليثبتوك، أو يقتلوك، أو يخرجوك. ويمكرون، ويمكر الله، والله خير الماكرين) (1). والمكر الإلهي هنا: هو التدبير السري لإفشال عمل يعزم عليه الغير.

مبيت علي " عليه السلام "، وهجرة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ":

ويقول المؤرخون: إن أولئك القوم الذين انتدبتهم قريش، اجتمعوا على باب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، ـ وهو باب عبد المطلب على

ـــــــــــــــ

(1) الأنفال/30.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 9/

ما في بعض الروايات (1) ـ يرصدونه، يريدون بياته. وفيهم: الحكم بن أبي العاص، وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، وأمية بن خلف وزمعة بن الأسود وأبو لهب وأبو جهل وأبو الغيطلة وطعمة بن عدي، وأبي بن خلف، وخالد بن الوليد، وعتبة، وشيبة، وحكيم بن حزام، ونبيه، ومنبه ابنا الحجاج (2). لقد اختارت قريش من قبائلها العشر، أو الخمس عشرة! عشرة أو خمسة عشر رجلاً؛ بل أكثر، على اختلاف النقل؟ ليقتلوا النبي الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " بضربة واحدة بسيوفهم. بل قيل: إنهم كانوا مئة رجل (3). ونحن نستبعد هذا العدد الأخير، وذلك لمخالفته لسائر الروايات الأخرى مع أن ما ذكرته الرواية من كون عدد القبائل كان مئة قبيلة لا نجد له ما يؤيده. واحتمال أن يكون قد خرج من كل قبيلة أكثر من واحد. ينافيه التصريح بأن الخارجين كانوا واحداً من كل قبيلة. ومهما يكن من أمر فإن المتآمرين تهيأوا واجتمعوا؛ فأخبر الله تعالى نبيه " صلى الله عليه وآله وسلم " بمكرهم. فأمر " صلى الله عليه وآله وسلم " أمير المؤمنين علياً " عليه السلام " بالمبيت على فراشه، بعد أن أخبره بمكر قريش، فقال علي " عليه السلام ": أوتسلم بمبيتي هناك يا نبي الله؟

ـــــــــــــــ

(1) البحار ج 19 ص 73 عن الخرائج والجرائح.

(2) لقد وردت أسماء هؤلاء كلا أو بعضاً في روايات مختلفة، في السيرة الحلبية ج 2 والبحار ج 19 ص 72 و 31 ومجمع البيان.

(3) السيرة الحلبية ج 2 ص 280 ونور الأبصار ص 15.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 10/

قال: نعم. فتبسم علي ضاحكاً وأهوى إلى الأرض ساجداً، شكراً لله، فنام على فراش النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، واشتمل ببرده " صلى الله عليه وآله وسلم " الحضرمي. ثم خرج النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في فحمة العشاء. والرصد من قريش قد أطافوا بداره ينتظرون. خرج " صلى الله عليه وآله وسلم "، وهو يقرأ هذه الآية: (وجعلنا من بين أيديهم سداً؛ ومن خلفهم سداً؛ فأغشيناهم؛ فهم لا يبصرون) (1). وكان بيده " صلى الله عليه وآله وسلم " قبضة من تراب، فرمى بها في رؤوسهم، ومر من بينهم، فما شعروا به، وأخذ طريقه إلى غار ثور. فجاء أبو بكر وأمير المؤمنين علي " عليه السلام " نائم، فقال: يا نبي الله، وأبو بكر يحسبه أنه نبي الله قال: فقال له علي: إن نبي الله. قد انطلق نحو بئر ميمونة، فأدركه، فانطلق أبو بكر، فدخل معه الغار (2).

ـــــــــــــــ

(1) سورة يس 9. وراجع أمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 80، 81.

(2) راجع في الفقرات الأخيرة: مناقب الخوارزمي الحنفي ص 73 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 133 وتلخيصه للذهبي بهامشه وصححاه، ومسند أحمد ج 1 ص 321، وتذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ص 34، وشواهد التنزيل ج 1 ص 99 و 100 و 101، وتاريخ الطبري ج 2 ص 100، وتفسير البرهان ج 1 ص 207، والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 30 وخصائص أمير المؤمنين للنسائي ط النجف ص 63، والسيرة الحلبية ج 2 ص 35، ومجمع الزوائد ج 9 ص 120 عن أحمد ورجاله رجال الصحيح غير واحد وهو ثقة، وعن الطبراني في الكبير والأوسط، والبحار ج 19 ص 78 و 93 عن الطبري وأحمد، والعياشي، وكفاية الطالب، وفضائل الخمسة ج 1 ص 231، وذخائر العقبى ص 87، وكفاية الطالب ص 242، وقال أن ابن عساكر ذكره في الأربعين الطوال، وترجمة الإمام علي بن أبي طالب " عليه السلام "، من تاريخ ابن عساكر تحقيق المحمودي ج 1 ص 186 و 190، ونقله المحمودي في هامشه عن: الفضائل لأحمد بن حنبل، حديث 291 =

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 11/

قالوا: وجعل المشركون يرمون علياً بالحجارة، كما كانوا يرمون رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وهو يتضور (أي يتلوى ويتقلب). وقد لف رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح؛ فهجموا عليه، فلما بصر بهم علي " عليه السلام " قد انتضوا السيوف، وأقبلوا عليه، يقدمهم خالد بن الوليد، وثب به علي " عليه السلام "، فختله، وهمز يده، فجعل خالد؛ يقمص قماص البكر، ويرغو رغاء الجمل. وأخذ من يده السيف. وشد عليهم بسيف خالد؟ فأجفلوا أمامه إجفال النعم إلى خارج الدار، وتبصروه، فإذا علي. قالوا: وإنك لعلي؟ قال: أنا علي. قالوا: فإنا لم نردك؛ فما فعل صاحبك؟ قال: لا علم لي به (1).

قريش في طلب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ":

فأذكت قريش العيون، وركبوا في طلب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " الصعب والذلول. واقتفوا أثره، حتى وصل القائف إلى نقطة لحوق

ـــــــــــــــ

= وعن غاية المرام ص 66، عن الطبراني ج 3 في الورق 168/ب وفي هامش كفاية الطالب عن: الرياض النضرة ج 2 ص 203. وأما الفقرات الأخرى فهي موجودة في مختلف كتب الحديث والتاريخ. وفي البحار ج 19 ص 61 وأمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 81 أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "  أمر أبا بكر وهند ابن أبي هالة: أن ينتظرا في طريقه إلى الغار بمكان عينه لهما. وفي البحار في ج 19 ص 73، عن الخرائج والجرائح، قال: " ومشى وهم لا يرونه، فرأى أبا بكر قد خرج في الليل يتجسس من خبره. وقد كان وقف على تدبير قريش من جهتهم، فأخرجه معه إلى الغار" وإذا صح هذا؛ فيرد سؤال: كيف لم يخبر أبو بكر النبي بأمرهم؟! إلا أن يقال: إنه إنما  جاء ليخبر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بذلك ـ ولكن الأهم من ذلك: كيف أطلعت قريش أبا بكر على تدبيرها مع حرصها الشديد على التكتم فيه، عن كل من له بالنبي أدنى صلة كما تقدم تصريح الدياربكرى وغيره بذلك.

(1) أمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 82/83.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 12/

أبي بكر به، فأخبرهم أن من يطلبونه صار معه هنا رجل آخر. واستمروا يقتفون الأثر حتى وصلوا إلى باب الغار، فصرفهم الله عنه؛ حيث كانت العنكبوت قد نسجت على باب الغار، وباضت في مدخله حمامة وحشية، كما يذكرون، وغير ذلك فاستدلوا من ذلك على أن الغار مهجور، لم يدخله أحد، وإلا لتخرق النسج، وتكسر البيض، ولم تستقر الحمامة الوحشية على بابه (1).

الراحلتان بالثمن:

وأمهل أمير المؤمنين " عليه السلام " إلى الليلة القادمة؛ فانطلق تحت جنح الظلام، هو وهند بن أبي هالة، حتى دخلا الغار على رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ". فأمر الرسول هندا أن يبتاع له ولصاحبه بعيرين. فقال أبو بكر: قد كنت أعددت لي ولك يا نبي الله راحلتين ترتحلهما إلى يثرب. فقال: إني لا آخذهما، ولا أحدهما إلا بالثمن. قال: فهي لك بذلك. فأمر علياً " عليه السلام " فأقبضه الثمن (2).

أداء الأمانات:

ثم أوصاه بحفظ ذمته، وأداء أماناته، وكانت قريش، ومن يقدم مكة

ـــــــــــــــ

(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 328 والسيرة الحلبية ج 2 ص 37 والبداية والنهاية ج 3 ص 181/182.

(2) البحار ج 19 ص 62 وأمالي الطوسي ج 2 ص 83 وعدم قبوله " صلى الله عليه وآله وسلم " الراحلتين من أبي بكر إلا بالثمن لا يكاد يخلو منه كتاب يؤرخ للسيرة النبوية الشريفة وراجع وفاء الوفاء ج 1 ص 237.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 13/

من العرب في الموسم يستودعون النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، ويستحفظونه أموالهم وأمتعتهم. وأمره أن ينادي صارخاً بالأبطح غدوة وعشياً: من كان له قبل محمد أمانة، فليأت، فلنؤد إليه أمانته. وقال " صلى الله عليه وآله وسلم " لعلي: حينئذٍ أي بعد أن ذهب الطلب عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إنهم لن يصلوا من الآن إليك يا علي بأمر تكرهه، حتى تقدم علي؛ فأد أمانتي على أعين الناس ظاهراً. ثم إني مستخلفك على فاطمة ابنتي، ومستخلف ربي عليكما، ومستحفظه فيكما.

نفقات الهجرة:

فأمر " صلى الله عليه وآله وسلم " علياً أن يبتاع رواحل له وللفواطم، ومن أزمع الهجرة معه من بني هاشم. قال أبو عبيدة: فقلت لعبيدالله (يعني ابن أبي رافع): أو كان رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " يجد ما ينفقه هكذا؟. فقال: إني سألت أبي عما سألتني عنه ـ وكان يحدث لي هذا الحديث ـ فقال: وأين يذهب بك عن مال خديجة " عليها السلام "؟. قال: إن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما نفعني مال قط مثل ما نفعني مال خديجة. وكان رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " يفك من مالها الغارم والعاني، ويحمل الكل، ويعطي في النائبة، ويرفد فقراء أصحابه إذ كان بمكة، ويحمل من أراد منهم الهجرة (1). وبعد أن أقام رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " في الغار ثلاثاً

ـــــــــــــــ

(1) ولكن نفس هذا النص يرويه أصحاب الأهواء والتعصبات، ويبدلرن فيه كلمة (خديجة) بكلمة (أبي بكر) ليثبتوا له فضيلة لا تؤيدها أي من النصوص والوقائع بل هي على خلافها أدل كما أثبتناه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 14/

إنطلق يؤم المدينة (1).

شعر علي " عليه السلام " بمناسبة المبيت:

وقال أمير المؤمنين " عليه السلام " يذكر مبيته على الفراش، ومقام رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ":

وقيت بنفسي خير من وطأ الحصا                       ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر

محمد لما خاف أن يمكروا به                            فوقاه ربي ذو الجلال من المكر

وبت أراعيهم متى ينشرونني                            وقد وطنت نفسي على القتل والأسر

وبات رسول الله في الغار آمناً                           هناك وفي حفظ الإله وفي ستر

أقام ثلاثاً، ثم زمت قلائص                              قلائص يفرين الحصا أيما يفرى

كل ما تقدم يذكره المؤرخون وأهل الحديث في كتبهم ومؤلفاتهم فليراجعها من أراد. ولسوف يأتي إن شاء الله بعض الكلام حول سفره، ووروده قباء، وغير ذلك بعد الكلام على بعض الأمور التي ترتبط بما تقدم؛ فنحن نسجل هنا الأمور التالية:

المثل الأعلى للتضحية

يقول العلامة السيد هاشم معروف الحسني: " وهنا تبدأ قصة من أروع ما عرفه تاريخ الفداء والتضحية، فالشجعان والأبطال يثبتون في المعارك في وجه أعدائهم، يدافعون بما لديهم من سلاح وعتاد مع أنصارهم وأعوانهم، وقد تضطرهم المعارك إلى أن يثبتوا في مقابل العدو، لا منفردين. أما أن يخرج الإنسان إلى الموت طائعاً مطمئناً بدون سلاح ولا عتاد، وكأنه يخرج ليعانق غادة حسناء، فينام على فراش تحف به

ـــــــــــــــ

(1) أمالي الطوسي ج 2 ص 81/82 والبحار ج 19 ص 61/62.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 15/

المخاطر والأهوال، أعزل من كل شيء إلا من إيمانه، وثقته بربه، وحرصه على سلامة القائد، كما حدث لعلي " عليه السلام "، حينما عرض عليه ابن عمه محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " أمر المبيت على فراشه؛ ليتمكن هو من الفرار، والتخلص من مؤامرة قريش؛ فهذا ما لم يحدث في تاريخ البطولات، وما لم يعرف من أحد في تاريخ المغامرات، في سبيل المبدأ والعقيدة ". ويقول: " ولم يكن مبيت علي ليلة الهجرة هي المرة الأولى؛ فلقد كان أبو طالب في أيام الحصار في الشعب ينيم علياً على فراش النبي، حتى إذا حصلت حادثة اغتيال، كان في علي دون النبي، ولم يكن ليمانع في ذلك أبداً بل كان يقدم عليه برضا نفس، وطيبة خاطر (1) ".

المبيت، والخلافة:

والغريب هنا: أن نجد أحد من عرف بنصبه، وبالعداء لشيعة علي " عليه السلام " أو محبيه، يضطر لأن يعترف بأن قضية مبيته " عليه السلام " على فراش النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ليلة الهجرة، من الإشارات الواضحة إلى خلافته، فيقول: " هذا الذي كان من علي في ليلة الهجرة، إذا نظر إليه في مجرى الأحداث التي عرضت للإمام علي في حياته بعد تلك الليلة؛ فإنه يرفع لعيني الناظر إمارات واضحة، وإشارات دالة على أن هذا التدبير الذي كان في تلك الليلة لم يكن عارضاً بالإضافة إلى علي، بل هو عن حكمة لها آثارها ومعقباتها، فلنا أن نسأل: أكان لإلباس الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم "، شخصيته لعلي تلك الليلة ما يوحي بأن هناك جامعة تجمع بين الرسول وبين علي أكثر من

ـــــــــــــــ

(1) راجع: سيرة المصطفى ص 250 و 252.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 16/

جامعة القرابة القريبة التي بينهما؟. وهل لنا أن نستشف من ذلك أنه إذا غاب شخص الرسول كان علياً (كذا) هو الشخصية المهيأة لأن تخلف، وتمثل شخصه، وتقوم مقامه؟. وأحسب أن أحداً  قبلنا لم ينظر إلى هذا الحدث نظرتنا هذه إليه، ولم يقف عنده وقفتنا تلك حتى شيعة علي ". (1)

قريش، وعلي " عليه السلام ":

1 ـ ونشير هنا: إلى أن الملاحظ: أن قريشاً لم تصر على أمير المؤمنين في استنطاقها له عن مكان ابن عمه. وما ذلك إلا لأنهم قد علموا: أنهم إنما  يحاولون عبثاً، ويطلبون مستحيلاً، فإن من كان يحمل مثل هذا الإخلاص، ومثل هذه التضحية النادرة في التاريخ لن يفشي لهم سراً قد ضحى نفسه في سبيل كتمانه، لذلك نراهم قد أطلقوه وانصرفوا عنه يائسين (2). 2 ـ لقد كان علي في موقفه تجاه النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " مثلاً أعلى للإنسانية الكاملة، فقد عرف الناس معنى الإخلاص، وماهية التضحية، وحقيقة الإيمان. حيث إنه يرى نفسه مقتولاً على كل حال، إما لظن المشركين أنه رسول الله، فيخبطوه بأسيافهم ضربة رجل واحد، وإما انتقاماً منه، حيث كان سبباً لخلاص من سفه أحلامهم، وعاب آلهتهم، وفرق جماعتهم، وهم يعرفون أيضاً حب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " له ومنزلته منه، فإذا قتلوه فإنما يقتلون أخاه وابن عمه، والرجل المخلص الذي يفديه بنفسه (3).

ـــــــــــــــ

(1) علي بن أبي طالب، لعبد الكريم الخطيب 105/106.

(2) راجع حياة أمير إلمومنين ص 105/106

(3) المصدر السابق ص 107 و 108.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 17/

وأما انصرافهم عنه، بعد ظهور الأمر، فهو إما خوفاً منه، بعد أن رأوا ما فعله بخالد، وإما من أجل توفير الفرصة للبحث عن غريمهم الأصلي والأهم بالنسبة إليهم.

بقي هنا سؤال:

وهو أنه إذا كان علي " عليه السلام " يعلم بأن حديث الدار يدل على أنه " عليه السلام " لن يقتل في هذه الحادثة، بل هو سوف يعيش إلى ما بعد الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " ليكون وصيه وخليفته من بعده، فلا تبقى له فضيلة في مبيته على فراش النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ليلة الهجرة. والجواب: أولاً: إن ذلك لا يمنع من حصول البداء في هذا الأمر حسبما أشرنا إليه في أوائل هذا الكتاب. ثانياً: إن ذلك لا يمنع من تعرضه " عليه السلام " للجراح وقطع الأعضاء والأسر والتعذيب البالغ. وهو أمر يتجنبه ويخشاه الناس وسيأتي بعد صفحات ما يؤيد الجواب الأول وأنه " عليه السلام " قد كان موطناً نفسه على القتل والأسر ومعنى ذلك هو أنه كان لا يقطع بالبقاء إلى ما بعد وفاة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، لأجل إمكانية حصول البداء في هذا الأمر لما قلنا.

قريش والمبيت:

ويقول البعض أيضاً: " إن هذا الذي كان من علي ليلة الهجرة في تحديه لقريش هذا التحدي السافر، وفي استخفافه بها، وقيامه بينها ثلاثة أيام يغدو ويروح إن ذلك لا تنساه قريش لعلي أبداً. ولولا أنها وجدت في قتله يومئذ إثارة فتنة تمزق وحدتها، وتشتت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 18/

شملها، دون أن يكون في ذلك ما يبلغ بها غايتها في محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " ـ لولا ذلك ـ لقتلته، وشفت ما بصدرها منه، ولكنها تركته، وانتظرت الأيام لتسوي حسابها معه (1) ". ولقد كان حساباً عسيراً حقاً، ولا سيما بعد أن أضاف إلى ذلك: أنه قتل رجالها، وجندل صناديدها، وبقي اليد الطولى لابن عمه يضرب بها هنا وهناك كل متكبر جبار، أين وأنى شاء. وقد بدأ هذا الحساب العسير فور وفاته " صلى الله عليه وآله وسلم "، وحتى قبل أن يغسل ويكفن ويدفن.

مقايسة:

قلنا: إن مبيت أمير المؤمنين هذا، قد ضيع الفرصة على قريش، وأفشل ما كانت دبرته في النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وكان أيضاً سبباً لتمكين الدين، وإعلاء كلمة الحق. وأما أن يقاس ذلك بقضية ذبح إسماعيل. فلا يصح ذلك، لان إسماعيل قد استسلم لوالد شفيق رحيم، يجد في عطفه وحنانه ما يسليه عما ينزل به، ولا يجد منه أياً من أنحاء التنكيل، والقسوة والخشونة. أما علي " عليه السلام "، فإنما استسلم لعدوه الذي لا يرحمه. ومن لا يشفي غليله إلا سفك دمه، وصعب أقسى أنواع العذاب والتنكيل عليه، مع شماتة قاتلة، وحقد هائل. وقد تكلم الإسكافي في نقضه لعثمانية الجاحظ، حول هذه القضية فراجعه (2). ولو أردنا استقصاء الكلام حول هذه النقطة لطال بنا المقام.

ـــــــــــــــ

(1) علي بن أبي طالب لعبد الكريم الخطيب ص 106.

(2) راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 13 والعثمانية للجاحظ في أواخرها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 19/

إرادة الله:

لقد كان من الممكن أن ينصر الله رسوله من دون أن يضطر إلى اللجوء إلى الغار، وإلى مبيت علي " عليه السلام " على فراشه، وذلك عن طريق آيات باهرة، وعنايات ومعجزات قاهرة. ولكن لا، فقد شاءت العناية الإلهية أن تسير الأمور على سجيتها، وعلى وفق أسبابها الطبيعية، مع تسديدات وعنايات تشمل الأمور الخارجة عن حدود الطاقة، وليكون ذلك مثلاً لنا جميعاً ودرساً مؤثراً، في الجد والعمل في سبيل الدين والعقيدة، فليس لنا أن ننتظر المعجزة من السماء، فالله لم يخطط لنبيه على أساس المعجزة والكرامة وحسب، ولا تكرم عليه بها إلا بعد أن رأى منه الاستعداد والتضحية والمبادرة إليها، فاستحق اللطف الإلهي، وتحقق مصداق قوله تعالى: (لينصرن الله من ينصره). و (إن تنصروا الله ينصركم).

بين النظرة المصلحية، والواقع:

ولقد وقع المشركون في تناقض عجيب، فهم في نفس الوقت الذي يصرون فيه على تكذيب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، والافتراء عليه، حتى إنهم كانوا يقولون عنه: إنه مجنون. ساحر. شاعر. كاهن، الخ. نراهم يأتمنونه على أموالهم وودائعهم إلى الحد الذي يحتاج معه إلى أن يترك ابن عمه ينادي في الناس ثلاثة أيام؛ ليأتوا إليه ويأخذوا ودائعهم، وهل يؤمن المجنون، والكذاب، والكاهن، والعدو؟!. فإن ذلك إن دل على شيء فإنما يدل على أن عدم إيمان المشركين بما يدعوهم إليه ليس إلا استكباراً وعناداً، لا عن قناعة بعدم صحة ما جاءهم به، وقد قال تعالى: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) (1).

ـــــــــــــــ

(1) النمل/14.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 20/

أي أنهم كانوا يجحدون بما جاءهم به، إما زعماً منهم: أن في ذلك حفاظاً على مصالحهم الشخصية ومستقبلهم، وإما تقليداً أعمى للضالين من آبائهم واجدادهم، وإما حفاظاً على امتيازاتهم، أو حسداً، أو غير ذلك. وإن إبقاء علي " عليه السلام " في مكة ليؤدي للناس أماناتهم وودائعهم، في ظروف حساسة، وخطيرة جداً كهذه الظروف، لهو من أروع الأمثلة للإنسان الكامل، الذي يلتزم بمبادئه، ويحترم قناعاته، ولا يحيد عما رسمه الله له قيد شعرة، ولا يبحث عن المعذرات والفرص، وإنما هو يعيش من أجل مبادئه العليا، وتحقيق أهدافها. ولا يعتبر المبدأ وسيلة لتحقيق مآربه وأهدافه. نعم لقد كان " صلى الله عليه وآله وسلم " أميناً عندهم، وسموه ب‍ " الأمين ". وكان ذلك من أبرز صفاته الشخصية حتى قبل نبوته. وها هو يؤدي إليهم أماناتهم، مع أنهم يريدون نفسه ودمه، ومحو كل آثاره من الوجود، وتشويه كل ما يرتبط به. ولكن ذلك لا يحول بينه وبين أن يهتم بأمانات الناس، برهم وفاجرهم. وقد كان له كل العذر لو أنه لم يردها عليهم. وبالمناسبة فإننا نعطي بعض المحققين الحق في أن يتعجب أو يستغرب، كيف لا يرى أحاديث عامة أهل السنة تهتم بهذه الصفة العظيمة، صفة الأمانة التي هي أساس إنسانية الإنسان. ولكن لا عجب من ذلك ولا غرابة فيه؛ فإن أحاديث " الحكمة " قد محيت أيضاً وذهبت منذ توفي " صلى الله عليه وآله وسلم " بعناية وتعمد تام من قبل الخلفاء الحكام، وإلا فأين هذا الأمر الذي يخبر الله في أكثر من سبع آيات: أنه كان من جملة مهمات ووظائف النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في أيام رسالته: (يعلمهم الكتاب والحكمة). فقد عرفنا: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد علم الناس الكتاب، وقد بقي هذا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 21/

الكتاب بحفظ من الله: (إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون) (1). ولكن أين هي تلك الحكمة التي علمها النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لأمته، ونحن نرى: أنه لم يبق منها عند علماء الإسلام ومن يهتم بالأحاديث سوى نحواً من خمس مئة حديث في أصول الأحكام ومثلها في أصول السنن (2) وهل كان من بينها شيء في الحكمة يا ترى؟. نعم نحن نجد في أحاديث الأئمة الأطهار عليهم الصلاة والسلام الكثير من الحكمة، ومن بينها الكثير من الأحاديث في الأمانة والصدق الذي هو شعبة منها، وقد جعلوها محورا للأخلاق العملية. واهتموا بها بصورة عجيبة وظاهرة.

الأرض والمبدأ:

لقد رأينا: أن الأرض ليست هدفاً في نظر الإسلام، وإنما الهدف هو الإسلام نفسه، فإن المقام في الأرض والاحتفاظ بها، إذا كان معناه الذل والقهر، والحرمان، وعدم تحقيق الأهداف الدينية السامية الكبرى، التي تكون بها سعادة الإنسان، فيجب ترك هذه الأرض والتخلي عنها إلى غيرها، من أجل الصلاح والإصلاح، وبناء المستقبل، والحصول على السعادة والكرامة الحقيقية. فالإنسان أولاً، وكل ما عداه فإنما هو من أجله، وفي خدمته.

ومن معطيات الهجرة أيضاً:

وبعد هذا، فإن قضية الهجرة تعطينا: وجوب نصر المسلمين بعضهم بعضاً حيث رأينا: أن المهاجرين قد استعانوا بإخوانهم الأنصار

ـــــــــــــــ

(1) الحجر/9.

(2) مناقب الشافعي ج 1 ص 419 وعن الوحي المحمدي ص 243.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 22/

فأعانوهم ونصروهم على أعدائهم. كما أنها تعطينا وجوب أن يكون المسلمون يداً واحدة على من سواهم، من دون أن يكون للروابط القبلية أي تأثير في ذلك. ووجوب أن يكون المنطلق لهم في تعاونهم وتوادهم، وتراحمهم، والتأسي في المعاش فيما بينهم، هو الدين والعقيدة. لا الروابط القبلية، أو المصلحية، أو غير ذلك. ثم هي تعطينا حسن التدبير، ودقة التخطيط الذي اتبعه " صلى الله عليه وآله وسلم " في تلك الظروف الحرجة والعصيبة، فإن مبيت أمير المؤمنين " عليه السلام " هو الذي جعل قريشاً تطمئن إلى وجوده " صلى الله عليه وآله وسلم " على فراشه، حينما جاء من أخبر المحيطين بالبيت بأنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد خرج وانطلق لحاجته (1).

أبو طالب في حديث الغار:

وقد جاء في بعض الروايات: أن أبا طالب " عليه السلام "، قال للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " حينما ائتمروا به: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: يريدون أن يسجنوني، أو يقتلوني، أو يخرجوني. قال: من حدثك بهذا؟ قال: ربي. قال: نعم الرب ربك الخ (2). ونقول: إن هذه الرواية لا يمكن أن تصح، لأن ائتمارهم به " صلى الله عليه وآله وسلم " قد كان بعد بيعة العقبة الثانية، وقبل الهجرة بقليل. أي في السنة الثالثة عشرة بعد البعثة، وأبو طالب قد توفي في السنة العاشرة من البعثة، أي بعد خروج المسلمين من الشعب.

ـــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري ج 2 ص 100.

(2) الدر المنثور ج 3 ص 279 عن سنيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 23/

إلا أن يقال: إن من الممكن أن يكونوا قد ائتمروا أن يفعلوا به ذلك أكثر من مرة، فأخبر الله تعالى نبيه بذلك، ثم عزموا على تنفيذ مؤامرتهم في وقت متأخر. ولعل الرواية المذكورة آنفاً تؤيد ذلك.

مع آية الغار:

قال تعالى: (إلا تنصروه؛ فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا، ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه لا تحزن، إن الله معنا؛ فأنزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا، والله عزيز حكيم) (1). ربما يقال: إن هذه الآية تدل على فضل أبي بكر، لأمور: منها: أنه عبر عن أبي بكر بأنه ثاني اثنين. بدعوى أنه أحد اثنين في الفضل، ولا فضل أعظم من كون أبي بكر قريناً للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". ومنها: أنه جعل صاحباً للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، والصحبة في هذا المقام العظيم منزلة عظمى. ومنها: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال له: " إن الله معنا " أي أنه معهما بلحاظ نصرته ورعايته، ومن كان شريكاً للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في نصرة الله له، كان من أعظم الناس. ومنها: قوله تعالى: (فأنزل الله سكينته عليه) فإن السكينة قد أنزلت على أبي بكر؛ لأنه هو المحتاج إليها، لما تداخله من الحزن، دون النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": لأنه عالم بأنه محروس من الله سبحانه

ـــــــــــــــ

(1) التوبة/40.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 24/

وتعالى (1).

ولكن ذلك كله لا يصح:

وذلك لما يلي: 1 ـ إن عائشة تقول: ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن، غير أن الله أنزل عذري (2) وحتى عذرها هذا قد ثبت أنه لا يمكن أن يكون قد نزل فيها، كما أثبتناه في كتابنا حديث الإفك. 2 ـ أما كونه ثاني اثنين، فليس فيه إلا الإخبار عن العدد، وهو لا يدل على الفضل، إذ قد يكون الثاني صبياً، أو جاهلاً، أو مؤمناً، أو فاسقاً الخ. والفضيلة في القرآن منحصرة بالتقوى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، لا بالثانوية. ويزيد العلامة المظفر: أنه لو كان المراد الإثنينية في الفضل والشرف، لكان أبو بكر أفضل لأنه هو الأول، والنبي هو الثاني بمقتضى الآية (3)!! 3 ـ من الواضح: أن الهدف في الآية هو الإشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان في موقف حرج، ولا من يرد عنه أو يدفع، أما رفيقه فليس فقط لا يرد عنه، وإنما هو يمثل عبئاً ثقيلاً عليه،

ـــــــــــــــ

(1) راجع: دلائل الصدق ج 2 ص 404 و 405.

(2) صحيح البخاري ط سنة 1309 ج 3 ص 121، وتفسير ابن كثير ج 4 ص 159، وفتح القدير ج 4 ص 21، والدر المنثور ج 6 ص 41 وراجع الغدير ج 8 ص 247.

(3) دلائل الصدق ج 2 ص 404.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 25/

بحزنه وخوفه ورعبه، فبدل أن يخفف عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، ويشد من أزره، يحتاج إلى أن يخفف نفس النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عنه، ويسيله!! أو على الأقل لم يكن له أي أثر في الدفاع عن الرسول، والتخفيف من المشقات التي يتحملها، إلا أنه قد زاد العدد، وصار العدد بوجوده اثنين. 4 ـ أما جعله صاحباً للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، فهو أيضاً لا فضيلة فيه؛ لأن الصحبة لا تدل على أكثر من المرافقة والاجتماع في مكان واحد، وهو قد يكون بين العالم وغيره، والكبير والصغير، وبين المؤمن وغيره، قال تعالى: (وما صاحبكم بمجنون) (1)، وقال: (قال له صاحبه، وهو يحاوره: أكفرت بالذي خلقك؟) (2). فالصحبة من حيث هي لا فضل فيها. 5 ـ أما قوله تعالى: (إن الله معنا)؛ فقد جاء على سبيل التسلية لأبي بكر؛ ليذهب حزنه، ويذكره بأن الله تعالى سوف يحفظهم عن أعين المشركين، وليس في ذلك فضيلة له، بل فيه إخبار بأن الله ينجيهم من أيدي أعدائهم، ولسوف ينجي الله أبا بكر مقدمة لنجاة نبيه. وهذا نظير ما أشارت إليه الآية الكريمة التي تقول (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) إذن، فنجاة المشركين من العذاب لأجل النبي، أو لأجل وجود مؤمن مقيم فيما بينهم لا يوجب فضلاً للمشركين. 6 ـ إن هذا الحزن قد صدر منه؛ كما يقول المؤرخون ـ بعد ما رأى من الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة، التي توجب اليقين بأن الله يرد عن نبيه، ويحفظه من أعدائه. فهو قد عرف بخروجه من بين القوم، وهم لا يرونه، ورأى نسج العنكبوت على باب الغار، ورأى الحمامة تبيض

ـــــــــــــــ

(1) التكوير الآية/22.

(2) الكهف الآية/34.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 26/

وتقف على باب الغار، وغير ذلك، كما أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " كان يخبر: المسلمين بأنه ستفتح على يديه كنوز كسرى وقيصر، وأن الله سيظهر دينه، وينصر نبيه، فحزن أبي بكر في مقام كهذا، وعدم ثقته بنصر الله مع رؤيته لكل هذه الآيات لمما يجب أن يردع عنه ويمنع منه، والنهي عنه مولوي، وهو يكشف عن عدم رسوخ قدم له في معرفة جلال وعظمة الله. وقد قيل: إن أبا بكر قال: يا رسول الله، إن حزني على أخيك علي بن أبي طالب ما كان منه. فقال له النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": إن الله معنا (1). 7 ـ أما قولهم إن النصر كان من الله لهما معاً، فهو شريك للنبي في نصرة الله لهما، وهذا فضل عظيم. فهو أيضاً باطل؟ ويدفعه صريح الآية، فإنها قد خصت نصر الله تعالى ـ ولعله بمعنى أنه تعالى نجى نبيه من الكفار ـ بالرسول، قال تعالى: (إلا تنصروه (الضمير يرجع إلى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ") فقد نصره الله إذ أخرجه الخ). فالنصر إذن ثابت لخصوص النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وأبو بكر تابع محض، والتبعية في النصرة إنما  هي لأجل اجتماعهما في مكان واحد، وذلك لا يدل على فضل لأبي بكر (2). أو فقل: إن حفظه لأبي بكر إنما  هو مقدمة لحفظ شخص النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كما قلنا. 8 ـ وأما قضية السكينة، فلا يصح قولهم: إنها نزلت على أبي بكر، بل هي نازلة على خصوص النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، لأن الضمائر المتأخرة والمتقدمة في الآية كلها ترجع إليه " صلى الله عليه وآله

ـــــــــــــــ

(1) راجع ما تقدم في كنز الفوائد للكراجكي ص 204 و 205.

(2) دلائل الصدق ج 2 ص 405.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 27/

وسلم " بلا خلاف، وذلك في قوله: تنصروه. نصره. يقول. أخرجه. لصاحبه. أيده. فرجوع ضمير في وسطها إلى غير النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " يكون خلاف الظاهر، ويحتاج إلى قرينة قاطعة.

كلام الجاحظ، وما فيه:

وناقش الجاحظ (1) وغيره فقالوا: إن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يكن بحاجة إلى السكينة لتنزل عليه. وكأنه يريد أن يجعل من ذلك قرينة لصرف اللفظ عن ظاهره. ولكنه كلام باطل. أولاً: قال تعالى في سورة التوبة في الآية 26 عن قضية حنين: (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين). وقال في سورة الفتح في الآية 26: (فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين). فهاتان الآيتان تدلان على نزول السكينة عليه " صلى الله عليه وآله وسلم "، فلا يصح ما ذكره الجاحظ. ومن جهة ثانية نرى، أنه تعالى قد ذكر نزول السكينة على المؤمنين فقال: (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين؛ ليزدادوا إيماناً) (2). وقال: (فعلم ما في قلوبهم؟ فانزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً) (3). وهنا قد يتساءل البعض عن سر إخراج أبي بكر من السكينة، ولم حرم منها هنا، مع أن الله قد أنزلها على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "

ـــــــــــــــ

(1) العثمانية ص 107.

(2) الفتح/4.

(3) الفتح/18.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 28/

هنا وعليه وعلى المؤمنين في غير هذا الموضع؟!! وأقول: لربما يمكن الجواب: بأن إنزالها على الرسول هنا، يكفي؛ لأن في نجاته نجاة لصاحبه، وفي خلاصه خلاصه. ولكنه جواب متهالك، لأن السكينة إنما  توجب اطمينان القلب، وذهاب القلق، وهو أمر آخر غير النجاة والخلاص. فيبقى السؤال الآنف بانتظار الجواب. ثانياً: إن السكينة هي: نعمة من الله تعالى: ولا يجب في نزول النعمة الاتصاف بما يضادها، ولذلك تنزل الرحمة بعد الرحمة. وقد يكون نزول السكينة يهدف إلى زيادة الإيمان قال تعالى؛ مشيراً إلى ذلك: (هو الذي أنزل سكينته في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً). وثالثاً: من أين علموا: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يكن بحاجة إلى السكينة مع عدم وجود ما يدل عليه في الآية، فلتكن كآية حنين بمعنى أن هذه السكينة بمثابة الإعلام بأن مرحلة الخطر القصوى قد انتهت؟! ولماذا لا يظن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": أن حزن أبي بكر، ورعبه وخوفه، وبكاءه. قد كان لمشاكل أخرى وهو " صلى الله عليه وآله وسلم " وإن كان يعلم: أنه سوف ينجو منها في النهاية، إلا أنها تشكل على الأقل عراقيل وموانع، تؤخر وصوله إلى هدفه الأقصى والبعيد. رابعاً: يرى العلامة الطباطبائي: أن الآية مسوقه لبيان نصر الله تعالى نبيه، حيث لم يكن معه أحد يتمكن من نصرته، ومن هذا النصر إنزال السكينة عليه، وتقويته بالجنود، ويدل على ذلك تكرار كلمة (إذ) ثلاث مرات، كل منها بيان لما قبله بوجه، فتارة لبيان وقت النصر، وأخرى لبيان حالته " صلى الله عليه وآله وسلم "، وثالثة لبيان وقت هذه الحالة؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 29/

فالتأييد بالجنود كان لمن نزلت السكينة عليه (1). ويقول بعض الأعلام (2): إن أبا بكر لما لم يستجب لطلب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في أن لا يحزن ولا يخاف، فإن السكينة نزلت على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وبقي أبو بكر على عدم سكينته، الأمر الذي يدل على أن أبا بكر لم يكن مؤهلاً لهذا التفضل والتكرم من الله تعالى.

ماذا يقول المفيد هنا، وبماذا يجيبون:

ويقول المفيد، وغيره: إن حزن أبي بكر إن كان طاعة لله؛ فالنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لا ينهى عن الطاعة؛ فلم يبق إلا أنه معصية (3). وأجاب الحلبي وغيره: بأن الله خاطب نبيه بقوله: (ولا يحزنك قولهم) فنهي الله لنبيه لم يكن إلا تأنيساً وتبشيراً له، وكذلك نهي النبي لأبي بكر (4). ونحن نرى أن جواب الحلبي هذا في غير محله، وذلك: لأن حزن أبي بكر، وشكه في نصر الله، الذي يشير إليه قوله " صلى الله عليه وآله وسلم " له: (إن الله معنا) كان مما لا يجمل ولا يحسن؟ إذ كان عليه أن يثق بنصر الله سبحانه وتعالى لنبيه " صلى الله عليه وآله وسلم "، بعد ما رأى المعجزات الظاهرة، والآيات الباهرة، الدالة على أن

ـــــــــــــــ

(1) راجع: تفسير الميزان ج 9 ص 280 ط بيروت.

(2) هو العلامة المحقق السيد مهدي الروحاني.

(3) الإفصاح في إمامة أمير المؤمنين علي " عليه السلام " ص 119 وكنز الفوائد للكراجكي ص 203.

(4) السيرة لحلبية ج 2 ص 38.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 30/

الله تعالى سوف ينجي نبيه من كيد المشركين. وعليه فلا يمكن أن تكون الآية واردة في مقام مدحه وتقريظه، ولا بد من حمل النهي على ما هو ظاهر فيه، ولا يصرف عن ظاهره إلا بقرينة. بل ما ذكرناه يكون قرينة على تعين هذا الظاهر. ولا يقاس حزن أبي بكر بحزن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، والمشار إليه بقوله تعالى: (ولا يحزنك قولهم) وغيرها، لأن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إنما  كان يحزن من أجل ما يراه من العوائق أمام دعوته، والموانع التي تعترض طريق انتشار وانتصار دينه، لما يراه من استكبار قومه، ومقامهم على الكفر والطغيان. فالنهي له " صلى الله عليه وآله وسلم " في الآية المتقدمة، ولموسى " عليه السلام " في آية أخرى، ليس نهي تحريم، وإنما هو تأنيس وتبشير بالنصر السريع لدينه، وللتنبيه على عدم الاعتناء بقولهم، وعدم استحقاقهم للحزن والأسف. فحزن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " هنا يدل على عمق إيمانه، وفنائه في ذات الله تعالى، وهو لا يقاس بحزن من يحزن من أجل نفسه، ومن أجل نفسه فقط. والآيات صريحة فيما نقول: فنجد آية تقول: إنه " صلى الله عليه وآله وسلم " كان يحزن لمسارعة قومه في الكفر: (لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) (1) و(من كفر فلا يحزنك كفره) (2) وأخرى تقول إنه يحزن لما بدا له من تكذيبهم إياه: (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون؛ فإنهم لا يكذبونك) (3) وثالثة تقول: إنه كان يحزن لاتخاذهم آلهة من دون الله (فلا يحزنك قولهم، إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون) (4).

ـــــــــــــــ

(1) آل عمران/176، والمائدة 41.

(2) لقمان/23.

(3) الأنعام 33.

(4) سورة يس/76.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 31/

وهكذا سائر الآيات، كما لا يخفى على من لاحظها. فالآيات على حد قوله تعالى: (ولا تذهب نفسك عليهم حسرات) (1) فهو حزن حسن منه " صلى الله عليه وآله وسلم "، وهو يدل على كمال صفاته، وسجاحة أخلاقه. صلوات الله عليه وآله الطاهرين. أضف إلى كل ما تقدم: أننا لو لم نعرف واقع حزن أبي بكر، فإننا لا يمكن أن نقيسه على حزن النبي المعصوم، بل علينا أن نأخذ بظاهر النهي، وهو التحريم، ولا يعدل عن ظاهره إلا بدليل.

سؤال يحتاج إلى جواب:

وإذا كان أبو بكر يحزن مع ما يرى من الآيات والمعجزات، ولا يصبر لينال أجر الصابرين الموقنين، فكيف تكون حالته لو أراد أن ينام في مكان أمير المؤمنين علي " عليه السلام " في تلك الليلة المهولة؟! وهل من الممكن أن لا يضعف وينهار أمام كيد قريش، ويستسلم لجبروتها في اللحظات العسيرة. ولتنقلب من ثم مجريات الأمور رأساً على عقب؟. هذا السؤال يطرح نفسه، وربما لا، ولن يجد الجواب الكافي والشافي في المستقبل القريب على الأقل. سؤال آخر: وهو أنه هل يمكن أن نصدق بعد هذا ما يدعى من أشجعية أبي بكر بالنسبة لسائر الصحابة؟! وسيأتي إن شاء الله تعالى حين الكلام على غزوة بدر، بعض ما يرتبط بهذا السؤال الثاني، فإلى هناك.

تحير أبي بكر في حراسته للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم ":

ويقولون: إن أبا بكر كان في الطريق إلى الغار ـ تارة يمشي أمام

ـــــــــــــــ

(1) فاطر/8.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 32/

النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وأخرى خلفه، وثالثة عن يمينه، ورابعة عن يساره؛ فسأله رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " عن ذلك، فقال: يا رسول الله، أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك، ومرة عن يسارك، لا آمن عليك (1). وهذا كلام لا يصح؛ أولاً: لأن حزنه في الغار، وخوفه وهو يرى الآيات والمعجزات التي يذكرها نفس هؤلاء الراوين لهذه الرواية قد زاد في كدر النبي الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم "، حتى لقد احتاج النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى أن ينزل الله سكينته عليه. ثانياً: عدا عن ذلك فإنه لا معنى لتخوف الرصد، فقد كانت قريش مطمئنة إلى أنها تحاصر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وتحيط به. وأنه لن يكون له نجاة من مكرها وكيدها. ثم هل كان لديه سلاح يدفع به عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، أو عن نفسه؟!. ثالثاً: أضف إلى ذلك كله: فراره في أحد، وحنين، وخيبر، كما سنرى إن شاء الله تعالى. ولم يؤثر عنه فيما سوى ذلك أي موقف شجاع يذكر. وقد يكون للقصة أصل إذا كان يفعل ذلك من جهة خوفه على نفسه، فكان يبحث عن موقع يشعر فيه بالأمن فلا يجده!! ثم حرفت وحورت حتى صارت كما ترى، فتبارك الله أحسن الخالقين!!

التأكيد على موقف أبي بكر.

وإننا نكاد نطمئن إلى أن الهدف من هذا وسواه هو تعويض أبي بكر عما فقده، في مقابل مبيت علي " عليه السلام " على فراش النبي

ـــــــــــــــ

(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 326، والسيرة الحلبية ج 2 ص 34.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 33/

الأكرم " صلى الله عليه وآله وسلم "، حيث باهى الله به ملائكته، وهو مقام ناله علي " عليه السلام " بجهاده وبصبره، وإخلاصه.

من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله:

قد ورد: أن الله تعالى أوحى إلى جبرائيل وميكائيل: إني آخيت بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فاختار كلاهما الحياة. فأوحى الله إليهما: ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب، آخيت بينه وبين محمد " صلى الله عليه وآله وسلم "؛ فبات على فراشه يفديه بنفسه، ويؤثره بالحياة، اهبطا إلى الأرض، فاحفظاه من عدوه. فنزلا، فكان جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل ينادي: بخ بخ، من مثلك يا ابن أبي طالب، يباهي الله به الملائكة. فأنزل الله عزوجل: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، والله رؤوف  بالعباد) (1).

ـــــــــــــــ

(1) الآية في سورة البقرة/207 والرواية في: أسد الغابة ج 4 ص 25، والمستجاد للتنوخي ص 10، وثمرات الأوراق ص 303، وتفسير البرهان ج 1 ص 207. وإحياء العلوم ج 3 ص 258، وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 39، وكفاية الطالب ص 239، وشواهد التنزيل ج 1 ص 97، ونور الأبصار ص 86، والفصول المهمة لابن الصباغ ص 31، وتذكرة الخواص ص 35 عن الثعلبي، وتاريخ الخميس ج 1 ص 325 و 326، والبحار ج 19 ص 39 و 64 و 80 عن الثعلبي في كنز الفوائد وعن الفضائل لأحمد ص 124 و 125، وعن الروضة ص 119، وهي أيضاً في: المناقب للخوارزمي ص 74 وينابيع المودة ص 92 عن ابن عقبة في ملحمته وقال في حبيب السير ج 2 ص 11: إن ذلك مذكور في كثير من كتب السير والتاريخ. والرواية في تاريخ الخميس ج 1 ص 325 و 458 والتفسير الكبير ج 5 ص 204 والجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 21 والسيرة الحلبية ج 3 ص 168 =

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 34/

= وراجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 159 وفرائد السمطين ج 1 ص 330 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 4 وتلخيص المستدرك للذهبي بهامش نفس الصفحة، ومسند أحمد ج 1 ص 331 وترجمة الإمام علي " عليه السلام، من تاريخ دمشق تحقيق المحمودي ج 1 ص 137 و 138. والمناقب للخوارزمي ص 74 ودلائل الصدق ج 2 ص 81 و 82 والأمالي للطوسي ج 2 ص 84 وكشف الغمة للأربلي ج 1 ص 310 وراجع ص 178 و 82. وراجع، الإرشاد للمفيد ص 31 وروضة الواعظين ص 107 وخصائص الوحي المبين ص 94 و 93 وراجع ص 91 والعمدة لابن البطريق ص 240 وراجع ص 238 ورواه في: غرائب القرآن للنيشابوري بهامش جامع البيان ج 2 ص 291 وراجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 60 ونقله المحمودي في هوامش شواهد التنزيل ج 1 ص 97 عن غاية المرام ص 346 باب 45 وعن تفسير أبي الفتوح الرازي ج 2 ص 152 ونقله المرعشي في ملحقات إحقاق الحق والتعليقات عليه ج 3 ص 24 ـ 34 وج 8 ص 339 وج 6 ص 479 و 481 وج 20 ص 109 ـ 114 وج 14 ص 116 عن عدد ممن قدمنا، وعن المصادر التالية: اللوامع ج 2 ص 376 و 375 و 377 عن المجمع والمباني، وعن أبي نعيم والثعلبي وغيرهم وعن البحر المحيط ج 2 ص 118 وعن معارج النبوة ج 1 ص 4 وعن مدارج النبوة ص 79 وعن مناقب المرتضوي ص 33، وعن روح المعاني ج 2 ص 73 عن الإمامية وبعض من غيرهم وعن مرآة المؤمنين ص 45 وعن تلخيص المتشابه في الرسم، للخطيب البغدادي ج 1 ص 414 وعن إمتاع الأسماع ص 38، وعن مقاصد الطالب ص 7 وعن وسيلة النجاة ص 78 وعن المنتقى للكازروني ص 79 مخطوط. وعن روض الأزهر ص 371 وعن أرجح المطالب ص 70 و 507 و 407 وعن إتحاف السادة المتقين ج 8 ص 202 وعن مفتاح النجا في مناقب آل العبا: ص 23 مخطوط وعن روض الأحباب للهروي ص 185 وعن تفسير الثعلبي وعن السيرة المحمدية للكازروني مخطوط وعن مكاشفة القلوب ص 42 وعن توضيح الدلائل ص 154 مخطوط وعن الكوكب المضي ص 45 مخطوط وعن غاية المرام في رجال البخاري سيد الأنام ص 71 مخطوط وعن الكشف والبيان وعن المختار في مناقب الأخيار ص 4 مخطوط وعن مناهج الفاضلين للحمويني مخطوط. وقال ابن شهر آشوب: إن هذا الحديث قد رواه الثعلبي، وابن عاقب في ملحمته وأبو =

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 35/

قال الإسكافي: " وقد روى المفسرون كلهم: أن قوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله)، نزلت في علي " عليه السلام " ليلة المبيت على الفراش (1) ".

كذبة مفضوحة:

وبما ذكرناه من المصادر لنزول آية الشراء في علي " عليه السلام "، وبما ذكره الإسكافي أيضاً يظهر كذب ما ذكره فضل بن روزبهان، من أن أكثر المفسرين يقولون: إن الآية قد نزلت في الزبير والمقداد، حيث أرسلهما النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى مكة لينزلا خبيب بن عدي عن الخشبة التي صلب عليها، وكان حول خشبته أربعون من المشركين، فخاطرا بأنفسهما حتى أنزلاه، فأنزل الله الآية (2). ويذكر المظفر أن المفسرين لم يذكروا ذلك، حتى السيوطي، والرازي، والكشاف. مع أن الرازي قد جمع في تفسيره كل أقوالهم،

ـــــــــــــــ

= السعادات في فضائل العشرة، والغزالي في الإحياء، وفي كيمياء السعادة عن عمار، وابن بابويه، وابن شاذان والكليني، والطوسي، وابن عقدة، والبرقي، وابن فياض، والعبدلي، والصفواني والثقفي بأسانيدهم عن ابن عباس، وأبي رافع وهند بن أبي هالة. والغدير ج 2 ص 48 عن بعض من تقدم، وعن: نزهة المجالس ج 2 ص 209 عن السلفي. ونقله المحمودي في هوامش شواهد التنزيل عن بعض من تقدم، وعن: أبي الفتوح الرازي ج 2 ص 152 وغاية المرام باب 45 ص 346. وأشار إليه مغلطاي في سيرته 31، والمستطرف، وكنوز الحقائق ص 31. وراجع دلائل الصدق ج 2 ص 81/82.

(1) راجع: شرح النهج ج 13 ص 262.

(2) سيأتي ذلك مع مصادره ومع ما فيه من وجوه ضعف في هذا الكتاب في فصل: جثة خبيب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 36/

والسيوطي جمع عامة رواياتهم. وذكر في الإستيعاب في ترجمة خبيب: أن الذي أرسله النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لإنزاله هو عمرو بن أمية الضمري (1) وسيأتي: عدم صحة ذلك في الجزء السادس من هذا الكتاب.

وابن تيمية ماذا يقول؟!

وقد أنكر (ابن تيمية) على عادته في إنكار فضائل أمير المؤمنين علي " عليه السلام " وقال: كذب باتفاق أهل العلم بالحديث والسير. وأيضاً قد حصلت له الطمأنينة بقول الصادق له: لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم؛ فلم يكن فيه فداء بالنفس، ولا إيثار بالحياة. والآية المذكورة في سورة البقرة، وهي مدنية باتفاق. وقد قيل: إنها نزلت في صهيب (رضي الله عنه) لما هاجر (2). ونقول: 1 ـ إن كانت الآية مدنية بالنسبة إلى علي " عليه السلام "، فهي أيضاً مدنية بالنسبة إلى صهيب. فما يقال هناك يقال هنا. 2 ـ لقد أجاب الإسكافي المعتزلي على دعوى الجاحظ: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قال لعلي: لن يصل إليك شيء تكرهه! فقال: " هذا هو الكذب الصراح، والإدخال في الرواية ما ليس منها. والمعروف المنقول، أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قال له: فاضطجع في مضجعي، وتغش ببردي الحضرمي، فإن القوم سيفقدونني، ولا يشهدون مضجعي؛ فلعلهم إذا رأوك يسكنهم ذلك، حتى يصبحوا؛ فإذا أصبحت

ـــــــــــــــ

(1) راجع: دلائل الصدق ج 2 ص 82.

(2) السيرة الحلبية ج 2 ص 27.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 37/

فاغد في أمانتي ". ولم ينقل ما ذكره الجاحظ، وإنما ولده أبو بكر الأصم، وأخذه الجاحظ. ولا أصل له. ولو كان هذا صحيحاً لم يصل إليه منهم مكروه، وقد وقع الاتفاق على أنه ضرب، ورمي بالحجارة قبل أن يعلموا من هو، حتى تضور، وأنهم قالوا له: رأينا تضورك الخ... (1) ". هذا وقد تقدم في أوائل هذا الفصل: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إنما  قال لعلي " عليه السلام ": إنه لا يصل إليه شيء يكرهه. بعد مبيته على الفراش، وذلك حينما التقى معه في الغار، وأمره برد ودائعه، وأن ينادي في مكة بذلك. وطمأنه إلى أن نداءه هذا لن يتسبب له بمتاعب وصعوبات وليس المقصود: أنه لن يناله مكروه من أي مشرك في جميع الأحوال والأزمان. 3 ـ ويدل على أنه كان موطناً نفسه على القتل ما يلي: ألف: إنه لو صح ما ذكره ابن تيمية لم يكن معنى للافتخار بموقفه ذاك؛ فقد روي أن عائشة فخرت بأبيها، ومكانه في الغار مع الرسول، " صلى الله عليه وآله وسلم "، فقال عبد الله بن شداد بن الهاد: وأين أنت من علي بن أبي طالب، حيث نام في مكانه، وهو يرى أنه يقتل؛ فسكتت، ولم تحر جواباً (2). ب ـ وعن أنس: إنه " عليه السلام " كان موطناً نفسه على القتل (3). ج ـ إن علياً نفسه قد أكد على هذا، ودفع كل شبهة فيه، حينما قال

ـــــــــــــــ

(1) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 263.

(2) أمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 62، والبحار ج 19 ص 56 عنه.

(3) المصدران السابقان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 38/

شعره المتقدم. وقيت نفسي خيرمن وطأ الثرى. إلى أن قال:

وبت أراعيهم متى يثبتونني                           وقد وطنت نفسي على القتل والأسر

وبات رسول الله في الغار آمناً                        هناك وفى حفظ الإله وفي ستر (1)

د: وعنه " عليه السلام ": " وأمرني أن أضطجع في مضجعه، وأقيه بنفسي، فأسرعت إلى ذلك مطيعاً له، مسروراً لنفسي بأن أقتل دونه، فمضى " صلى الله عليه وآله وسلم " لوجهه، واضطجعت في مضجعه، وأقبلت رجالات قريش موقنة في أنفسها أن تقتل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، فلما استوى بي وبهم البيت الذي أنا فيه ناهضتهم بسيفي؛ فدفعتهم عن نفسي بما قد علمه الله والناس. ثم أقبل على أصحابه، فقال: أليس كذلك، قالوا: بلى يا أمير المؤمنين (2) ". وقيل إنهم ضربوا علياً، وحبسوه ساعة، ثم تركوه (3). ملاحظة: يمكن أن يفهم مما تقدم: أن الحديث الذي يقول: إنه " عليه

ـــــــــــــــ

(1) نور الأبصار ص 86، وشواهد التنزيل ج 1 ص 102، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 4 وتلخيصه للذهبي هامش نفس الصفحة، وأمالي الشيخ ج 2 ص 83، وتذكرة الخواص ص 35، وفرائد السمطين ج 1 ص 330، ومناقب الخوارزمي ص 74/75، والفصول المهمة لابن الصباغ ص 31، والبحار ج 19 ص 63، وتاريخ الخميس ج 1 ص 325. والسيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش الحلبية) والمصادر لهذا الشعر كثيرة جداً لا مجال لتتبعها.

(2) البحار ج 19 ص 45 عن: الخصال ج 2 ص 14 ـ 15.

(3) تاريخ الخميس ج 1 ص 325.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 39/

السلام " قد حاربهم بسيف خالد موضع شك وريب، لأنه إنما  حاربهم بسيفه هو لا بسيف خالد. إلا أن يقال: أن نسبته إليه لا تدل على ملكيته له. وقد يكون حاربهم بسيفه أولاً، ثم سيف خالد ثانياً بعد أن أخذه منه وإن كان هذا الاحتمال ضعيفاً. 4 ـ وأما دعوى ابن تيمية: أن حديث حراسة جبرائيل وميكائيل له " عليه السلام "، ونزول الآية فيه، كذب باتفاق أهل العلم بالحديث والسير. فلا تصح أصلاً؛ فإننا لم نجد أحداً  منهم صرح بكذب هذه الرواية سواه، فهو يدعي عليهم ما لا يعرفون، وينسب إليهم ما هم منه بريئون؟. بل عرفت تصحيح الحاكم والذهبي لهذا الحديث، وتقدم أيضاً طائفة كبيرة من الذين رووه من كبار العلماء والحفاظ، من دون غمز فيه أو لمز. إلا أن يكون شيطان ابن تيمية قد أوحى إليه، بأن ينسب إليهم ما هم منه براء. 5 ـ وأجاب الحلبي عن كلام ابن تيمية بقوله: "... لكنه في الإمتاع لم يذكر أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قال لعلي ما ذكر؛ أي لن يصل إليك شيء تكرهه وعليه فيكون فداؤه للنبي بنفسه واضحاً. ولا مانع من تكرار نزول الآية في حق علي، وفي حق صهيب. وحينئذٍ يكون " شرى " في حق علي (رضي الله عنه) بمعنى باع، أي باع. نفسه بحياة المصطفى. وفي حق صهيب بمعنى اشترى، أي اشترى نفسه بماله. ونزول هذه الآية بمكة، لا يخرج سورة البقرة عن كونها مدنية؛ لأن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 40/

الحكم يكون للغالب (1) ". انتهى. ولكن بعض ما أجاب به الحلبي محل نظر؛ فإن استعمال شرى بمعنى باع تارة وبمعنى اشترى أخرى، محل نظر؛ لأنه يلزم منه استعمال المشترك في أكثر من معنى، وقد منعه طائفة من العلماء. وإن كنا نحن نرى: أنه لا مانع من ذلك؛ إلا ما كان من قبيل الاستعمال في المعنى الحقيقي والمجازي معاً وشاهدنا على ذلك صحة التورية وشيوعها في كلام العرب. فإذا لم نجز استعمال المشترك في معنيين لم يصح كلام الحلبي حتى وإن كانت الآية قد نزلت مرتين لأن محل الكلام إنما  هو في قراءتنا نحن للآية، وكيفية فهمنا لها. هذا عدا عن أن صهيباً لا خصوصية له في بذله ماله. فإن كثيراً من المهاجرين قد تخلوا عن أموالهم للمشركين وهاجروا فرارا بدينهم. وعن قضية صهيب نقول: لقد رووا: أنه لما أراد رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " الخروج إلى الغار أرسل أبا بكر مرتين أو ثلاثاً إلى صهيب فوجده يصلي، فكره أن يقطع صلاته، وبعد أن جرى ما جرى عاد صهيب إلى بيت أبي بكر، فسأل عن أخويه: النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وأبي بكر، فأخبروه بما جرى. فأراد الهجرة وحده. ولكن المشركين لم يمكنوه من ذلك حتى بذل لهم ماله؛ فلما اجتمع مع النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في قباء قال " صلى الله عليه وآله وسلم ": ربح صهيب ربح صهيب، أو ربح البيع، فأنزل الله: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله..الخ) (2).

ـــــــــــــــ

(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 27.

(2) الإصابة: ج 2 في ترجمة صهيب، والسيرة الحلبية ج 2 ص 23 و 24 والدر المنثور ج 1 ص 204 عن ابن سعد، وابن أبي أسامة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبي نعيم في الحلية، وابن عساكر وابن جرير والطبراني والحاكم والبيهقي في الدلائل وابن أبي خيثمة وفي النصوص اختلاف.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 41/

وألفاظ الرواية مختلفة كما يعلم بمراجعة الدر المنثور للسيوطي وغيره.. ويكفي أن نذكر أن بعضها يذكر: أن الآية نزلت لما أخذ المشركون صهيباً ليعذبوه، فقال لهم: إني شيخ كبير لا يضر أمنكم كنت، أم من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتدعوني وديني؟ ففعلوا (1). ورواية أخرى تذكر القضية بنحو يشبه ما جرى لأمير المؤمنين حين هجرته، وتهديده إياهم ورجوعهم عنه؛ فراجع (2). ولكنها قصة لا تصح: أولاً: لأن إرسال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أبا بكر إلى صهيب ثلاث مرات في ظرف كهذا غير معقول، لا سيما وهم يدعون: أن قريشاً كانت تطلب أبا بكر كما تطلب النبي، وجعلت مئة ناقة لمن يأتي به (3)، وإن كنا نعتقد بعدم صحة ذلك كما سنرى. ولكن قريشاً ولا شك إنما كانت تهتم في أن تستدل على النبي من خلال أبي بكر. أضف إلى ما تقدم: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يخبر أحداً بهجرته تلك الليلة، بل يروون: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " إنما  صادف أبا بكر، وهو في طريقه إلى الغار. ثانياً: إن كلامه معه وهو في الصلاة، وإخباره بالأمر، لا يوجب قطع صلاة صهيب، إذ باستطاعته أن يلقي إليه الكلام ويرجع دون أن يقطع عليه صلاته كما أنه يمكن أن ينتظره دقيقة أو دقيقتين حتى يفرغ من صلاته، فيخبره بما يريد. ويمكن أيضاً أن يوصي أهل بيته أن يبلغوه الرسالة التي يريد إبلاغها إلا إذا كان لم يثق بهم. إلا أن يدعى: أن أبا بكر كان بحيث لا يدري كيف يتصرف، أو أنه

ـــــــــــــــ

(1) و (2) السيرة الحلبية ج 3 ص 168.

(3) تاريخ الخميس ج 1 ص 330 والسيرة الحلبية ج 2 ص 39 والبداية والنهاية ج 3 ص 182 وإرشاد الساري ج 6 ص 218.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 42/

كان يرى حرمة إلقاء الكلام ليسمعه المصلي، وكلاهما غير محتمل في حقه، أو لا يرضى محبوه بنسبته إليه على الأقل، وباقي الفروض الآنفة تبقى على حالها. هذا بالإضافة إلى هذه الصدفة النادرة فإنه يأتيه مرتين أو ثلاثاً، وهو لا يزال يصلي!!. ثالثاً: لماذا يهتم النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بصهيب خاصة، ويترك من سواه من ضعفاء المؤمنين، الذين كانت قريش تمارس ضدهم أقسى أنواع التعذيب والأذى؛ فلا يرسل إليهم، ولو مرة واحدة، ولا نقول ثلاث مرات؟ وهل هذا ينسجم مع ما نعرفه من عدل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وعطفه الشديد على أمته؟. إلا أن يقال: لعل غير صهيب كان مراقباً من قبل المشركين، أو أن صهيباً كان أشد بلاء من غيره، إلى غير ذلك من الاحتمالات التي لا دليل عليها، ولا شاهد لها. رابعاً: إننا نجد بعض الروايات تقول: إن أبا بكر ـ وليس النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ـ هو الذي قال لصهيب: ربح البيع يا صهيب وذلك في قضية أخرى لا ربط لها بحديث الغار (1) والبعض يذكر القضية، ولكنه لا يذكر نزول الآية فيه (2). خامساً: إن الآية إنما  تتمدح من يبذل نفسه في مرضاة الله، لا أنه يبذل المال في مرضاته، ورواية صهيب ناظرة إلى الثاني لا الأول. سادساً: قد قلنا آنفاً: إن صهيباً لم يكن الوحيد الذي بذل ماله في

ـــــــــــــــ

(1) راجع: صفين للمنقري ص325. ومجمع البيان ج 6 ص 361، والبحار ج 19 ص 35 عنه، والسيرة الحلبية ج 2 ص 24.

(2) سيرة ابن هشام ج 2 ص 121.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 43/

سبيل دينه، فلماذا اختص هذا الوسام به دونهم. سابعاً: إنهم يذكرون: أنه لم يتخلف مع النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أحد من المهاجرين إلا من حبس أو فتن، إلا علياً وأبا بكر (1). ثامناً: إن الرواية القائلة بأن صهيباً كان شيخاً كبيراً لا يضر المشركين، أكان معهم أم مع غيرهم. لا تصح؛ لأن صهيباً قد توفي سنة ثمان أو تسع وثلاثين وعمره سبعون سنة (2)؛ فعمره يكون حين الهجرة واحداً أو اثنين وثلاثين سنة، فهو قد كان في عنفوان شبابه، لا كما تريد أن تدعيه هذه الرواية المفتعلة. هذا كله، عدا عن تناقضات روايات صهيب. وعدا عن أن عدداً منها لا يذكر نزول الآية في حقه. كما أنها عموماً إما مروية عن صهيب نفسه، أو عن تابعي لم يدرك عهد النبي، كعكرمة، وابن المسيب، وابن جريح، وليس هناك سوى رواية واحدة وردت عن ابن عباس الذي ولد قبل الهجرة بثلاث سنين فقط. ويجب أن يعلم: أن صهيباً كان من أعوان الهيئة الحاكمة بعد النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وممن تخلف عن بيعة أمير المؤمنين، وكان يعادي أهل البيت " عليهم السلام (3). فلعل المقصود هو مكافأته على مواقفه تلك، بمنحه هذه الفضيلة الثابتة لأمير المؤمنين " عليه السلام "، فيكون هؤلاء قد أصابوا عصفورين بحجر واحد حينما يزين لهم شيطانهم أن علياً يخسر وخصومه يربحون.

ـــــــــــــــ

(1) سيرة ابن هشام ج 2 ص 123، وسيرة مغلطاي ص 31.

(2) الإصابة ج 2 ص 196.

(3) راجع ذلك وغيره في ترجمة صهيب في قاموس الرجال ج 5 ص 135/137.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 44/

6 ـ بقي في كلام ابن تيمية المتقدم قوله: إن سورة البقرة مدنية، ولو صح نزولها في علي " عليه السلام " لكانت مكية. وجوابه واضح، فإن نزول الآية لو سلم أنه كان في نفس ليلة المبيت، فمن الواضح أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كان حينئذٍ في الغار، وليس معه سوى أبي بكر؛ فلم يكن ثمة مجال للإعلان بنزول الآية إلا بعد وصوله " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى المدينة، واستقراره فيها، ثم إتاحة الفرصة له في الظرف المناسب لإظهار هذه الفضيلة العظيمة لابن عمه ووصيه. فلا بأس أن تعد بهذا الاعتبار مدنية، وتجعل في سورة البقرة، التي كان نزولها في مطلع الهجرة، كما هو معلوم. هذا بالإضافة إلى أن وجود آية مكية في سورة مدنية ليس بعزيز. وأما ما ذكره الحلبي من تكرر نزول الآية فلا دليل عليه. بل الأدلة الآنفة تدفعه وتنافيه.

تسمية أبي بكر بالصديق:

يرى البعض: أن الله تعالى قد سمى أبا بكر بالصديق في قضية الغار، كما في شواهد النبوة، حيث قد روي: أنه حين أذن الله تعالى لنبيه بالهجرة، قال لجبرئيل: من يهاجر معي؟ قال جبرئيل: أبو بكر الصديق (1). ولكننا نشك في صحة ذلك: أولاً: لتناقض الروايات في تسمية أبي بكر بالصديق، وسبب ذلك، وزمانه؛ فمن قائل: إن ذلك كان في قضية الغار كما هنا. ومن قائل: إنه كان حينما رجع النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " من رحلة

ـــــــــــــــ

(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 323 عن شواهد النبوة، والسيرة الحلبية ج 2 ص 29.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 45/

الإسراء، وتصديق أبي بكر له في ذلك، وحين وصف النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لقومه بيت المقدس (1). وقول ثالث: إن ذلك كان حين بعثة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، حيث صدقه أبو بكر، فسمي الصديق (2). وقول رابع: إن ذلك كان حين رحلة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى السماء، حيث روي عنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قوله: لما عرج بي إلى السماء، ما مررت بسماء إلا وجدت اسمي فيها مكتوباً محمد رسول الله أبو بكر الصديق (3) فأي ذلك هو الصحيح؟! ثانياً: لدينا العديد من الروايات الصحيحة والحسنة سنداً، والمروية في عشرات المصادر، تنص على أن " الصديق " هو أمير المؤمنين " عليه السلام "، دون أبي بكر؛ ونذكر منها: 1 ـ عن علي "عليه السلام "، بسند صحيح على شرط الشيخين، أنه قال: أنا عبد الله، وأخو رسوله، وأنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كذاب مفتري. لقد صليت قبل الناس بسبع سنين (4). وقال غير مرة: " أنا الصديق الأكبر، والفاروق الأول، أسلمت قبل

ـــــــــــــــ

(1) و (2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 29 وج 1 ص 273، وغير ذلك. وقد أشرنا إلى ذلك حين الكلام على الإسراء والمعراج، وذكرنا بعض مصادره هناك، فراجع.

(3) كشف الأستار ج 3 ص 163 ومسند أحمد ج 4 ص 343 ومجمع الزوائد ج 9 ص 41 وتهذيب التهذيب ج 5 ص 38 والغدير ج 5 ص 326 و 303 عن تاريخ الخطيب.

(4) مستدرك الحاكم ج 3 ص 112 وتلخيصه للذهبي هامش نفسه الصفحة، والأوائل ج 1 ص 195، وفرائد السمطين ج 1 ص 248، وشرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 228، وراجع ج 1 ص 30 والبداية والنهاية ج 3 ص 26، والخصائص للنسائي ص 46 بسند رجاله ثقات، وسنن ابن ماجة ج 1 ص 44، بسند صحيح، وتاريخ الطبري ج 2 ص 56، والكامل لابن الأثير ج 2 ص 57، وذخائر العقبي ص 60 عن الخلفي والآحاد والمثاني مخطوط في كوپرلي رقم 235، ومعرفة =

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 46/

إسلام أبي بكر وصليت قبل صلاته (1). والظاهر أن المراد: أنه " عليه السلام " كان يتعبد مع النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " على دين الحنيفية ـ حتى قبل بعثته ـ من حين تمييزه، إلى أن عنم الدين، ونزل قوله تعالى (فاصدع بما تؤمر). بل وقبل ذلك أيضاً. وبذلك يبطل قول ابن كثير: " كيف يتمكن أن يصلي قبل الناس بسبع سنين؟ هذا لا يتصور أصلاً ". (2) 2 ـ وأخرج القرشي في شمس الأخبار رواية طويلة عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم  أن الله قد سمى علياً ب‍ " الصديق الأكبر " في ليلة الإسراء (3). 3 ـ عن ابن عباس، عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": الصديقون ثلاثة: حزقيل، مؤمن آل فرعون، وحبيب النجار، صاحب آل ياسين، وعلي بن أبي طالب. الثالث أفضلهم. وقريب منه ما روي عن أبي ليلى الغفاري، بسند حسن، كما نص

ـــــــــــــــ

= الصحابة لأبي نعيم مخطوط في مكتبة: طوپ قپوسراي رقم 497 ج 1 وتذكرة الخواص ص 108 عن أحمد في المسند وفي الفضائل وفي هوامش ترجمة الإمام علي " عليه السلام " من تاريخ ابن عساكر بتحقيق المحمودي، ج 1 ص 44/45 عن: مصنف ابن أبي شيبة، ج/6 الورق 155/أ وكنز العمال ج 15 ص 107 ط 2 عن ابن أبي شيبة، والنسائي، وابن أبي عاصم في السنة، والعقيلي والحاكم وأبي نعيم وعن العقيلي في ضعفائه ج/6 الورق 139، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم ج 1/الورق 22/أ، وتهذيب الكمال للمزي ج 14 ـ الورق 193/ب وعن تفسير الطبري، وعن أحمد في الفضائل الحديث 117 ورواه في ذيل إحقاق الحق ج 4 ص 369 عن ميزان الإعتدال ج 1 ص 417 وج 2 ص 11 و 212. والغدير ج 2 ص 314 عن كثير ممن تقدم وعن الرياض النضرة ج  ص 155 و 158 و 127 وراجع: اللآلي المصنوعة ج 1 ص 321.

(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 22 وعن المعارف لابن قتيبة ص 167 وكلام الإسكافي في العثمانية ص 300.

(2) البداية والنهاية ج 3 ص 26

(3) الغدير ج 2 ص 313/314.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 47/

عليه السيوطي (1). وكذا عن الحسن بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (2). فحصر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " للصديقين بالثلاثة، ينافي تسمية أبي بكر ب‍ " الصديق " على النحو المتقدم، وإلا كانوا أربعة، ولم يصح الحصر. 4 ـ عن معاذة قالت: سمعت علياً، وهو يخطب على منبر البصرة، يقول: أنا الصديق الأكبر، آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر، وأسلمت قبل أن يسلم أبو بكر (3). وظاهره: أنه في صدد نفي صديقية أبي بكر، التي شاعت بين الناس.

ـــــــــــــــ

(1) الجامع الصغير ج 2 ص 50، عن أبي نعيم في معرفة الصحابة، وابن النجار، وابن عساكر، والصواعق المحرقة ط المحمدية ص 123، وتاريخ بغداد ج 14 ص 155. وشواهد التنزيل ج 2 ص 224، وذخائر العقبى ص 56، وفيض القدير ج 4 ص 137، وتاريخ ابن عساكر ـ ترجمة الإمام علي " عليه السلام " بتحقيق المحمودي ج 2 ص 282 وج 1 ص 80 وكفاية الطالب ص 123 و 187 و 124، والدر المنثور ج 5 ص 262 عن تاريخ البخاري، وعن أبي داود، وأبي نعيم والديلمي وابن عساكر، والرازي في تفسير سورة المؤمن، ومناقب الخوارزمي ص 219، ومناقب الإمام علي لابن المغازلي ص 246 و 247، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم مخطوط في مكتبة طوپ قپوسراي رقم 497 ونقله في هامش كفاية الطالب عن كنز العمال أيضاً ج 6 ص 152 عن الطبراني وابن مردويه والرياض النضرة ج 2 ص 152 وبعض من تقدم، ونقله المحمودي في هامش ترجمة الإمام علي من تاريخ ابن عساكر ج 1 ص 79/80 عن بعض من تقدم وعن: السيف اليماني المسلول ص 49 والفتح الكبير ج ص 202 وغاية المرام ص 417 و 647 ومناقب علي من كتاب الفضائل لأحمد الحديث 194 و 239 والسلفي في مشيخة البغدادية، الورق 9/ب و 10/ب. والغدير ج 2 ص 312، عن بعض من تقدم، وهوامش شواهد التنزيل عن الروض النضير ج 5 ص 368.

(2) مناقب الخوارزمي الحنفي ص 219.

(3) ذخائر العقبى ص 56 عن ابن قتيبة، وشرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 228، وأنساب الأشراف، بتحقيق المحمودي ج 2 ص 146، والآحاد والمثاني مخطوط في =

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 48/

5 ـ عن أبي ذر، وابن عباس، قالا: سمعنا النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " يقول لعلي: أنت الصديق الأكبر، وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل (1). وقريب منه عن أبي ليلى الغفاري. 6 ـ عن أبي ذر، وسلمان: إن الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " أخذ بيد علي، فقال: إن هذا أول من آمن بي، وهذا أول من يصافحني يوم القيامة، وهذا الصديق الأكبر، وهذا فاروق هذه الأمة، يفرق بين الحق والباطل الخ (2).

ـــــــــــــــ

= كوپرلي رقم 235، والبداية والنهاية ج 7 ص 334، والمعارف لابن قتيبة ص 73/74، والغدير ج 2 ص 314 عن بعض من تقدم وعن ابن أيوب والعقيلي، عن كنز العمال ج 6 ص 405 طبعة أولى. وليراجع الغدير ج 3 ص 122 عن الإستيعاب ج 2 ص 460 وعن مطالب السؤل ص 19 وقال: كان يقولها في كثير الأوقات والطبري ج 2 ص 312 وعن الرياض النضرة ج 2 ص 155 و 157 وعن العقد الفريد ج 2 ص 275. وراجع في حديث ابن عباس وأبي ليلى الغفاري: الإصابة ج 4 ص 171 وهامشها في الإستيعاب ج 4 ص 170 وميزان الإعتدال ج 2 ص 3 و 417.

(1) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 228، وفرائد السمطين ج 1/ص 140 وترجمة الإمام علي عليه السلام من تاريخ ابن عساكر تحقيق المحمودي ج 1 ص 76 و 77 و 78 بعدة أسانيد وفي هامشه عن الإسكافي في نقضه لعثمانية الجاحظ المطبوع معها في مصر ص 290 واللآلي المصنوعة ج 1 ص 324 و 325 وملحقات إحقاق الحق ج 4 ص 29 ـ 31 و 34 والغدير ج 2 ص 313 عن الرياض النضرة ج 2 ص 155 عن الحاكمي، وعن شمس الأخبار للقرشي ص 30، وعن المواقف ج 3 ص 276، وعن نزهة المجالس ج 2 ص 205 وعن الحمويني.

(2) مجمع الزوائد ج 9 ص 102 عن الطبراني والبزار، والغديرج 2 ص 313 وج 10 ص 49 عنه وعن: كفاية الطالب ص 187 من طريق ابن عساكر وشرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 228 وعن إكمال كنز العمال ج 6 ص 156 عن البيهقي وابن عدي عن حذيفة، وعن أبي ذر وسلمان وعن الإستيعاب ج 2 ص 657 وعن الإصابة ج 4 ص 171.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 49/

7 ـ وفي خطبة طويلة لأم الخير بنت الحريش، أوردتها في صفين، وصفت فيها أمير المؤمنين " عليه السلام " بـ " الصديق الأكبر " (1). 8 ـ وقال محب الدين الطبري: " إن رسول الله سماه صديقا " (2). 9 ـ وقال الخجندي: " وكان يلقب بيعسوب الأمة، وبالصديق الأكبر " (3). 10 ـ وجاء في رواية أخرى: " فيجيبهم ملك من بطنان العرش: يا معشر الآدميين، ليس هذا ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً، ولا حامل عرش. هذا الصديق الأكبر علي بن أبي طالب الخ ". (4) 11 ـ إن آية: (أولئك هم الصديقون)، نزلت في علي " عليه السلام " وكذا آية: (الذي جاء بالصدق وصدق به)، وآية: (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين) (5). 12 ـ وفي رواية عن أنس: " وأما علي فهو الصديق الأكبر الخ (6)". وثمة روايات أخرى؛ فلتراجع في مصادرها (7).

ـــــــــــــــ

(1) العقد الفريد ط دار الكتاب ج 2 ص 117، وبلاغات النساء ص 38، والغدير ج 2 ص 313 عنهما وعن صبح الأعشى ج 1 ص 250 ونهاية الأرب ج 7 ص 241.

(2) و (3) الغدير ج 2 ص 312 عن الرياض النضرة ج 2 ص 155 وغيرها.

(4) كنز العمال ط 2 ج 15  ص 134.

(5) راجع على سبيل المثال: شواهد التنزيل ج 1 ص 153/154/155 وج 2 ص 120 وفي هوامشه مصادر كثيرة، وترجمة الإمام علي " عليه السلام " من تاريخ دمشق بتحقيق المحمودي ج 2 ص 418، وهوامشه، ومناقب ابن المغازلي ص 269، وغاية المرام ص 414، وكفاية الطالب ص 333، ومنهاج الكرامة للحلي، ودلائل الصدق للشيخ المظفرج 2 ص 117 والدر المنثورج 5 ص 328، وعشرات المصادر الأخرى.

(6) مناقب الخوارزمي الحنفي ص 32.

(7) راجع على سبيل المثال: اللآلي المصنوعة ج 1 ص 322.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 50/

وبعد ما تقدم نعرف: أن لقب " الصديق " خاص بالإمام علي " عليه السلام "، ولا يمكن إثباته لغيره. هذا وقد ذكر العلامة الأميني روايات تدل على أن الصديق هو أبو بكر، ثم فندها بما لا يدع مجالاً للشك في كذبها وافتعالها؛ حيث حكم كبار النقاد والحفاظ عليها بالوضع والكذب من أمثال: الذهبي، والخطيب، وابن حبان، والسيوطي، والفيروزآبادي، والعجلوني، ومن أراد أن يقف على ذلك، فعليه بالرجوع إلى كتاب الغدير؛ فإن فيه ما ينقع الغلة، ويزيح الشبهة.

متى كان وضع هذه الألقاب:

والظاهر أن سرقة هذا اللقب، وغيره من الألقاب، قد حصلت في وقت متقدم، حتى اضطر الإمام أمير المؤمنين " عليه السلام " إلى الإعلان على منبر البصرة: (1) أنه " عليه السلام " هو الصديق الأكبر، وليس أبا بكر، وأن كل من يدعي هذا اللقب لنفسه فهو كذاب مفتر. وقد كرر " عليه السلام " ذلك كثيراً. ولكن السياسة التي حكمت الأمة، وهيمنت على فكرها واتجاهاتها استطاعت أن تحتفظ بهذه الألقاب لمن تريد الاحتفاظ لهم بها، ولم يكن ثمة أية قوة تستطيع أن ترد أو أن تمنع، أو حتى أن تعترض ولو بشكل سلمي بحت. لا سيما وأن وضع مثل هذه الأمور قد تم وحصل على أيدي علماء من وعاظ السلاطين.

الراحلتان:

ويقولون: إنه بعد أن بدأ المسلمون بالهجرة إلى المدينة، وأخبر

ـــــــــــــــ

(1) راجع: الغدير ج 5 ص 327/328 و 321 و 334 و 35 وج 7 ص 244 و 245.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 51/

النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أبا بكر: أنه يرجو أن يؤذن له، حبس نفسه على رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، واشترى راحلتين بثمانمائة درهم ـ وكان أبو بكر رجلاً ذا مال ـ وعلفهما ورق السمر، أو الخبط أربعة أشهر (1)، أو ستة أشهر (2)، على اختلاف النقل. ولما أراد " صلى الله عليه وآله وسلم " الهجرة عرض أبو بكر الراحلتين على الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم "؛ فأبى أن يقبلهما إلا بثمن. وإذا أغمضنا النظر عما يظهر من النص السابق من أن الهدف هو إظهار أبي بكر على أنه متفضل على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، فإننا نقول: إن ذلك لا يصح، وذلك لما يلي: 1 ـ إن علفه للراحلتين أربعة أشهر أو ستة غير معقول؛ لأن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد أمر أصحابه بالهجرة قبل هجرته هو " صلى الله عليه وآله وسلم " بثلاثة أشهر فقط. بل يقول البعض: إن ذلك كان قبل هجرته بشهرين ونصفاً على التحرير (3). بل يقول البعض إن بيعة العقبة قد كانت قبل الهجرة بشهرين وليال (4). وقد أمر " صلى الله عليه وآله وسلم " أصحابه بالهجرة بعد بيعة العقبة، كما هو معلوم؛ فكيف يكون أبو بكر قد علفهما أربعة، أو ستة أشهر، بعد أمره " صلى الله عليه وآله وسلم " لأصحابه بالهجرة؟!.

ـــــــــــــــ

(1) راجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 237، والثقات لابن حبان ج 1 ص 117 والمصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 387 وغير ذلك كثير، وعن كون أبي بكر رجلاً ذا مال راجع: سيرة ابن هشام ج 1 ص 128.

(2) نور الأبصار ص 16 عن: الجمل على الهمزية، وعن كنز العمال ج 8 ص 334 عن البغوي بسند حسن عن عائشة.

(3) فتح الباري ج 7 ص 183 و 177 والسيرة الحلبية ج 2 ص 25 و 55 عنه.

(4) سيرة مغلطاي ص 32 وفتح الباري ج 7 ص 177 وراجع الثقات لابن حبان ج 1 ص 113 وغير ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 52/

وأما تخيل أن يكون أبو بكر قد عرف بنية النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في هذا المجال، قبل أن يصدر منه " صلى الله عليه وآله وسلم " الأمر بالهجرة فليس له ما يؤيده لا من عقل ولا من نقل، سوى هذا النص الذي هو موضع البحث. بالإضافة إلى أن الأذن بالهجرة إنما  كان بعد بيعة العقبة كما تقدم. 2 ـ إن ثمة نصاً يقول: إن أمير المؤمنين " عليه السلام " قد اشترى للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ثلاثاً من الإبل، واستأجر الأريقط بن عبد الله، وأرسل الإبل معه إلى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ليلة الخروج من الغار (1). فلعله اشترى الإبل من أبي بكر، واستلمها وأرسلها إلى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " مع الأريقط.

ما هي الحقيقة:

والحقيقة هي: أنهم لما رأوا: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يقبل الراحلتين من أبي بكر إلا بالثمن، ورأوا في ذلك تضعيفاً للخليفة الأول، وفي مقابل ذلك هم يرون: أن علياً يبذل نفسه في سبيل الله. وتنزل في حقه الآيات، عوضوا أبا بكر عن ذلك بأنه قد علف الراحلتين هذه المدة الطويلة. وبعدما تقدم نقول: إن شراء الرسول للراحلتين، أو شراء أمير المؤمنين للرواحل يبين: أن أبا بكر قد هاجر على نفقة الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم "، وليس على نفقة نفسه.

ـــــــــــــــ

(1) ترجمة الإمام علي " عليه السلام " من تاريخ ابن عساكر بتحقيق المحمودي ج 1 ص 138 والدر المنثور. وتيسير المطالب ص 75 لكن فيه: أنه " عليه السلام " قد استأجر الرواحل الثلاث.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 53/

الخروج من خوخة أبي بكر للهجرة:

ويقولون: إن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " قد خرج إلى الغارمن خوخة لبيت أبي بكر (1). وعند البخاري: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " ذهب إلى أبي بكر ظهراً، ومن ثم ذهبا إلى الغار (2). ونقول: 1 ـ لقد كذب الحلبي ذلك، وقال: " والأصح: إنما  كان خروجه من بيت نفسه " (3) ". 2 ـ تقدم في أوائل هذا الفصل: أن أبا بكر جاء إلى بيت النبي فوجد علياً نائماً مكانه؛ فاخبره علي " عليه السلام " بذهاب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " نحو بئر ميمون؛ فلحقه في الطريق: وكيف يكون قد خرج إلى الغار من خوخة أبي بكر؟! وكيف يكون قد خرج إلى الغار  ظهراً؟. 3 ـ إن سائر الروايات نص على أن المشركين قد جلسوا على باب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى الصباح. فخرج من بينهم في فحمة العشاء. وبقي علي " عليه السلام " نائما مكانه. وهذا يكذب أنه قد خرج ظهراً.

ـــــــــــــــ

(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 324 وتاربخ الأمم والملوك ج 2 ص 103 والسيرة الحلبية ج 2 ص 34 والبداية والنهاية ج 3 ص 178.

(2) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 153 والبداية والنهاية ج 3 ص 178 وتاريخ الخميس ج 1 ص 323 والسيرة الحلبية ج 2 ص 30 والبخاري كما في إرشاد الساري ج 6 ص 17.

(3) السيرة الحلبية ج 2 ص 34 عن سبط ابن الجوزي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 54/

4 ـ كيف يكون قد خرج من بيت أبي بكر، مع أنهم يقولون: إن القائف كان يقص أثر رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، حتى بلغ مكاناً؛ فقال: هنا صار مع محمد آخر. بل البعض يصرح: أنهم قد عرفوا أنها قدم ابن أبي قحافة (1). واستمروا على ذلك حتى بلغوا إلى فم الغار. وبذلك كله يعلم أيضاً عدم صحة ما روي من أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " مشى ليلته على أطراف أصابعه؛ لئلا يظهر أثر رجليه حتى حفيت رجلاه، (كأن المسافة بعيدة إلى هذا الحد!!)، فحمله أبو بكر على كاهله، حتى أتى على فم الغار، فأنزله. وفي رواية: أنه ذهب إلى الغار راكباً ناقته الجدعاء ابتداء من منزل أبي بكر (2). ولا ندري من الذي أرجع الناقة إلى موضعها الأول، فإن وجودها على مدخل الغار لن يكون في صالحهم، إلا أن يكون قد خبأها في مكان ما، ولكن أين يمكن أن تخبأ الناقة يا ترى؟!

قريش في طلب أبي بكر:

يقولون: إن قريشاً قد بذلت في النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " مئة بعير، وفي أبي بكر مثلها (3) ذكر ذلك الجاحظ وغيره. وأجاب الإسكافي المعتزلي فقال "... فما بالها بذلت في أبي بكر مئة بعير أخرى؟ وقد كان رد الجوار. وبقي بينهم فرداً لا ناصر له، ولا

ـــــــــــــــ

(1) البحار ج 19 ص 74 وعن الخرايج والجرائح وليراجع ص 77 و 51 وليراجع أيضاً. إعلام الورى ص 63، ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 128، وتفسير القمي ج 1 ص 276.

(2) السيرة الحلبية ج 2 ص 34 ـ 38 وراجع، تاريخ الخميس ج 1 ص 328. والدر المنثور.

(3) تاريخ الخميس ج 1 ص 330 والبداية والنهاية ج 3 ص 182 والسيرة الحلبية ج 2 ص 39.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 55/

دافع عنده، يصنعون به ما يريدون، إما أن يكونوا أجهل البرية كلها، أو يكون العثمانية أكذب جيل في الأرض، وأوقحه وجهاً. وهذا مما لم يذكر في سيرة، ولا روي في أثر، ولا سمع به بشر، ولا سبق الجاحظ به أحد (1)".

ونزيد نحن هنا: إنه إذا كانت قبيلته قد منعته أولاً كما يقولون، فلماذا تخلت عنه الآن؟ وإذا كان أبو بكر من أذل بيت في قريش، كما سبق بيانه حين الكلام على هجرته إلى الحبشة؛ تحت عنوان: هل كان أبو بكر رئيساً، فلماذا تبذل فيه قريش مئة بعير، كما تبذل في النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " نفسه؟. ولماذا لم تضع عليه الأرصاد والعيون، ولم ترسل إليه فتبيته، كما أرادت أن تبيت النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "؟ ولماذا تبذل في أبي بكر هذا المقدار، مع أن الذي فوت عليها ظفرها بالنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ـ وهو علي ـ آمن فيما بينهم يغدو ويروح، ولا من يعترض ولا من يتكلم. ولكن الحقيقة هي: أن الهدف من ذلك هو الارتفاع بأبي بكر ليساوي الرسول الأعظم منزلة وخطراً، فضلاً عن أن يذهب بكل آثار مبيت أمير المؤمنين على الفراش، حتى لا يلتفت إليه، ولا يهتم به أحد في قبال  عظمة وخطر أبي بكر؟!.

الانتظار إلى الصباح:

وأما لماذا انتظر المشركون إلى الصباح في ليلة الغار؛ فقيل إنهم أرادوا أن يقتحموا عليه الجدار، فصاحت امرأة من الدار؛ فقال بعضهم لبعض: إنها لسبة في العرب: أن يتحدث عنا: أنا تسورنا الحيطان على بنات العم (2).

ـــــــــــــــ

(1) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 269.

(2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 28. والروض الأنف ج 2 ص 229 والسيرة =

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 56/

وقيل: إن أبا لهب لم يرض بقتله " صلى الله عليه وآله وسلم " ليلاً؛ لما فيه من الخطر على النساء والأطفال (1).. ولعله للأمرين معاً. ولعله ليشاهد الناس قتله من قبل جميع القبائل، ليكون ذلك حجة على بني هاشم، فلا يتم لهم الطلب بثأره؟! (2).

شراء أبي بكر للموالي!! ونفقاته!!

ويقولون: إنه لما خرج أبو بكر احتمل معه ماله كله، وهو خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم، فدخل أبو قحافة على أهل بيت ولده، وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قالت أسماء: كلا يا أبت، إنه قد ترك لنا خيراً كثيراً. فأخذت أحجاراً فوضعتها في كوة في البيت، الذي كان أبي يضع ماله فيه، ثم وضعت عليها ثوباً، ثم أخذت بيده، فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه. فقال: لا بأس، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن. وفي هذا بلاغ لكم. ولا والله ما ترك لنا شيئاً، ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك (3).

ـــــــــــــــ

= النبوية لابن هشام ج 2 ص 127، أنظر الهامش، وتاريخ الهجرة النبوية للببلاوي ص 116.

(1) البحار ج 19 ص 50.

(2) السيرة الحلبية ج 2 ص 28 و 26.

(3) سيرة ابن هشام ج 2 ص 133 وكنز العمال ج 22 ص 209، والبداية والنهاية ج 3 ص 179، والأذكياء لابن الجوزي ص 219، وحياة الصحابة ج 2 ص 173/174، ومجمع الزوائد ج 6 ص 59 عن الطبري، وأحمد ورجاله رجال الصحيح، غير ابن إسحاق، وقد صرح بالسماع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 57/

ويذكرون أيضاً: أن عامر بن فهيرة، كان يعذب في الله، فاشتراه أبو بكر فأعتقه، فكان يروح عليهما ـ وهما في الغار ـ بمنحة غنم من غنم أبي بكر، فكان يرعاها؛ فيمر عليهما في المساء ليحلب لهما. وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما إذا أمست بما يصلحهما من الطعام (1). وعن عائشة: أنفق أبو بكر على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أربعين ألف درهم. وفي لفظ: دينار. (2) ويروون أنه " صلى الله عليه وآله وسلم "، قال: ما من أحد أمنّ علي في صحبته، وذات يده من أبي بكر. وما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر، فبكى أبو بكر، وقال: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله؟ (3). أو قال: ليس أحد أمنّ علي في أهل ومال من أبي بكر. وفي رواية أخرى: إن أمنّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن خلة الإسلام ومودته، لا يبقى في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر (4). وعن عائشة في حديث الغار: فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب ـ يقول الواقدي: كان في السفرة شاة مطبوخة ـ فقطعت أسماء بنت أبي بكر نطاقها قطعتين، فشدت فم الجراب بواحدة،

ـــــــــــــــ

(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 330 والسيرة الحلبية ج 2 ص 32 و 40 والتراتيب الإدارية ج 2 ص 87 وستأتي مصادر أخرى لذلك.

(2) تاريخ الخميس ج 1 ص 326 والسيرة الحلبية ج 2 ص 32 و 40 والتراتيب الإدارية ج 2 ص 87 وستأتي مصادر أخرى لذلك إن شاء الله.

(3) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 32 وراجع لسان الميزان ج 2 ص 23 وستأتي مصادر أخرى.

(4) راجع صحيح البخاري كما في إرشاد الساري ج 6 ص 214 ـ 215 مع اختلاف يسير والجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 608 و 609 والمصادر الآتية قبل الحديث عن عامر بن فهيرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 58/

وفم قربة الماء في الأخرى، فسميت: ذات النطاقين (1). وفي الترمذي: عنه " صلى الله عليه وآله وسلم "، أنه قال: إن أبا بكر زوجه ابنته، وحمله إلى دار الهجرة، وصحبه في الغار، وفي رواية: ما لأحد عندنا يد إلا كافأناه عليها ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يد الله يكافئه بها يوم القيامة (2). ونحن نقول: إن كل ذلك محل شك وريب، بل هولا يصح إطلاقاً، وذلك لما يلي:

1 ـ عامر بن فهيرة:

أما كون عامر بن فهيرة مولى لأبي بكر، فقد تقدم كلام ابن إسحاق، والواقدي، والإسكافي وغيرهم فيه، حيث قالوا: إن النبي هو الذي اشتراه وأعتقه، وليس أبا بكر.

2 ـ أبو قحافة الأعمى:

وأما رواية أن أسماء قد وضعت الأحجار في المكان الذي كان أبوها

ـــــــــــــــ

(1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 33 وتاريخ الخميس ج 1 ص 323 و 330 وستأتي مصادر أخرى إن شاء الله تعالى.

(2) راجع: في كل ما تقدم من أول العنوان إلى هنا: تاريخ الخميس ج 1 ص 330 ـ 323، والسيرة الحلبية ج 2 ص 32 و 33 و 0 4 و 39 والجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 609 والسيرة النبوية لابن هشام ج 2، وصحيح البخاري باب الهجرة، وفتح الباري ج 7 وصحيح مسلم، وصحيح الترمذي، والدر المنثور، والفصول المهمة لابن الصباغ. والسيرة النبوية لابن كثير ولسان الميزان ج 2 ص 23 والبداية والنهاية ج 5 ص 229 ومجمع الزوائد ج 9 ص 42 عن الطبراني والغدير، وغير ذلك كثير لا مجال لتتبعه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 59/

يضع فيه ماله، ليتلمسها أبو قحافة الأعمى ليطمئن ويسكن. فيكذبها. ألف: " قال الفاكهي: ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن أبي حمزة الثمالي، قال: قال عبد الله: لما خرج النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى الغار، ذهبت أستخرج وأنظر هل أحد يخبرني عنه، فأتيت دار أبي بكر، فوجدت أبا قحافة، فخرج علي ومعه هراوة، فلما رآني اشتد نحوي، وهو يقول: هذا من الصباة الذين أفسدوا علي ابني (1). فهذه الرواية توضح أن أبا قحافة لم يكن حينئذٍ قد عمي بعد. وسندها معتبر عندهم. ب ـ لم نفهم لماذا لم يترك أبو بكر لأهل بيته شيئاً؟ وما هذا الجفاء منه لهم؟! ومن أين علم أبو قحافة الضرير بأنه قد حمل ماله معه حتى قال لهم: إنه قد فجعهم بنفسه وماله؟! ج ـ ولماذا هذا الدور لأسماء؟ ألم تكن زوجة للزبير حينئذٍ، وألم تهاجر معه إلى المدينة قبل ذلك، حيث لم يبق من أصحاب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، في مكة سوى علي وأبي بكر، ومن يفتن ويعذب؟! وأين كانت زوجات أبي بكر عن ذلك كله؟!

3 ـ مع أدوار لأسماء أيضاً وغيرها

وأما أن أسماء كانت إذا أمست تذهب بالطعام إليهما إلى الغار، وأنها هي التي هيأت الزاد لهما حين سفرهما إلى المدينة. وأنها هي التى أرسلت إليه الراحلتين. وأيضاً تسميتها بذات النطاقين في هذه المناسبة فيرد عليه:

ـــــــــــــــ

(1) الإصابة ج 2 ص 460/461 وهذه الرواية تدل على أن أبا قحافة يرى أن ابنه أبا بكر قد صار من الصباة وأنه قد أسلم بعد جماعة عبد الله منهم. وهذا ينافي ما تقدم من أنه كان أول من أسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 60/

أولاً: إنهم يقولون في مقابل ذلك: إنه بعد غياب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وأبي بكر مضت ثلاث ليال ولا يدرون أين توجه الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم "، حتى علموا ذلك من هاتف الجن في أبيات أنشدها. والقول: إن المراد: بعد ثلاثة أيام من خروجه من الغار. لا يصح، إذ قد صرحوا بأنهم علموا بخروجه إلى المدينة في اليوم الثاني من خروجه من الغار (1) هكذا ذكر الحلبي الشافعي والعهدة في ذلك عليه. ويقول مغلطاي: " ولم يعلم بخروجه عليه الصلاة والسلام إلا علي وأبي (كذا) بكر رضي الله عنه؛ فدخلا غاراً بثور الخ (2) ". وثانياً: لقد ورد: أن أمير المؤمنين " عليه السلام " هو الذي كان يأتي النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، بالطعام، والشراب إلى الغار (3). بل لقد ورد: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، قد أرسل إلى علي ليرسل إليه بزاد وراحلة ففعل، وأرسل ذلك إليه. وأرسل أبو بكر لابنته، فأرسلت إليه بزاد وراحلتين، أي له ولعامر بن فهيرة كما في الرواية. ولعلها هي التي اشتراها منه علي أيضاً (4). وقد احتج " عليه السلام "، بذلك يوم الشورى، فقال: نشدتكم بالله،

ـــــــــــــــ

(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 51.

(2) سيرة مغلطاي ص 32.

(3) تاريخ دمشق، ترجمة الإمام علي بتحقيق المحمودي ج 1 ص 138، وإعلام الورى ص 190، والبحار ج 19 ص 84 عنه وتيسير المطالب في أمالي الإمام علي بن أبي طالب ص 75.

(4) إعلام الورى ص 63، والبحار ج 19 ص 70 و 75 عنه وعن الخرائج وعن قصص الأنبياء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 61/

هل فيكم أحد كان يبعث إلى رسول الله الطعام وهو في الغار، ويخبره الأخبار غيري؟ قالوا: لا (1). وبهذا يعلم أيضاً عدم صحة ما قيل من أن عبد الله بن أبي بكر، كان هو الذي يأتيهما بالأخبار من مكة إلى الغار (2). وعدم صحة ما قيل عن وجود غنم لأبي بكر، كان يأتي بها عامر بن فهيرة إلى الغار؛ فيشرب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وأبو بكر من لبنها. وثالثاً: وأما حديث النطاق والنطاقين، فبالإضافة إلى تناقض رواياته (3) نجد: أن المقدسي بعد أن ذكر القول الأول قال: " ويقال: لما نزلت آية الخمار ضربت يدها إلى نطاقها، فشقته نصفين، واختمرت بنصفه (4) ". ويقولون أيضاً: إنها قالت للحجاج: " كان لي نطاق أغطي به طعام رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، من النحل، ونطاق لا بد للنساء منه (5) ".

4 ـ حديث سد الأبواب، وخلة أبي بكر:

وأما حديث باب وخلة أبي بكر وهو قوله " صلى الله عليه وآله وسلم ": لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، فلا نريد التوسع

ـــــــــــــــ

(1) الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 204.

(2) السيرة الحلبية ج 2 ص 39، وسيرة ابن هشام، وكنز العمال ج 22 ص 210 عن البغوي وابن كثير.

(3) راجع لبعض موارد التناقض لا كلها: الإصابة ج 4 ص 230، والإستيعاب بهامشها ج 4 ص 233.

(4) البدء والتاربخ ج 5 ص 78.

(5) الإصابة ج 4 ص 230، والإستيعاب هامش الإصابة ج 4 ص 233.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 62/

في الكلام عليه بل نكتفي بما ذكره المعتزلي هنا، فإنه قال: إن البكرية قد: (وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث، نحو: لو كنت متخذاً خليلاً؛ فإنهم وضعوه في مقابلة حديث الإخاء، ونحو سد الأبواب، فإنه لعلي " عليه السلام "؛ فقلبته البكرية إلى أبي بكر الخ (1) ". ومع ذلك فيعارض هذا الحديث ما رووه من أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد اتخذ أبا بكر خليلاً بالفعل (2). فأيهما نصدق يا ترى؟!. هذا، وسوف نتكلم عن حديث سد الأبواب في هذا الكتاب في فصل قضايا وأحداث في المجال العام، وعن حديث الخلة حين الكلام على حديث المؤاخاة الآتي إن شاء الله تعالى فإلى هناك.

5 ـ ثروة أبي بكر:

وأما عن ثروة أبي بكر، وأنه قد أنفق أربعين ألف درهم أو دينار على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وغير ذلك مما يذكرونه، فنقول: إننا بالإضافة إلى ما قدمناه من عدم صحة ما جرى بين أسماء وأبي قحافة، حين الهجرة وغير ذلك من أمور أشرنا إليها آنفاً نسجل هنا ما يلي: أولاً: إن حديث: إن أمنّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، وأنه لم يكافئه على اليد التي له عليه، والله هو الذي يكافئه عليها. لا

ـــــــــــــــ

(1) شرح النهج للمعتزلي ج 11 ص 49، وراجع الغدير ج 5 ص 311.

(2) الرياض النضرة ج 1 ص 126، وإرشاد الساري ج 6 ص 86 عن الحافظ السكري والغديرج 8 ص 34 عنهما وعن كنز العمال ج 6 ص 138 و 140 عن الطبراني وأبي نعيم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 63/

يصح، وذلك بملاحظة ما يلي: 1 ـ بماذا كافأ النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أبا طالب وخديجة على تضحياتهما، ونفقاتهما، وما قدماه في سبيل الدين والإسلام، وعلى مواساتهما بالنفس والمال والولد؟! ألم يكن ما أنفقاه وقدماه للإسلام أعظم مما قدمه وأنفقه أي إنسان آخر في سبيل الإسلام؟.. ثم كانت خدمات علي " عليه السلام " الجلى لهذا الدين، والتي لا يمكن أن ينكرها إلا جاحد معاند. 2 ـ وحديث المنة على الرسول عجيب، فإنه لم يكن في مكة بحاجة إلى أحد؛ إذ قد كانت عنده أموال خديجة، وحتى أموال أبي طالب (1) وكان ينفق منها على المسلمين إلى حين الهجرة، وكان ينفق على علي " عليه السلام " في بدء أمره، تخفيفاً على أبي طالب كما يدعون. وقد عير عمر أسماء بنت عميس: بأن له هجرة ولا هجرة لها، فقالت له: " كنتم مع رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم ". ثم اشتكته إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فأخبرها: أن للمهاجرين إلى الحبشة هجرتين ولأولئك هجرة واحدة " (2).

ـــــــــــــــ

(1) قد تقدم في أول البحث: أن أبا طالب كان ينفق في الشعب على الهاشميين من أمواله. وأما أموال خديجة، فأمرها أشهر من أن يحتاج إلى بيان. وقد تقدم كلام ابن أبي رافع حول أموال خديجة.

(2) راجع: الأوائل ج 1 ص 314، والبداية والنهاية ج 4 ص 205 عن البخاري، وصحيح البخاري ج 3 ص 35 ط سنة 1309 ه‍. وصحيح مسلم ج 7 ص 172، وكنز العمال ج 22 ص 206، عن أبي نعيم والطيالسي، وليراجع فتح الباري ج 7 ص 372، ومسند أحمد ج 4 ص 395 و 412. وحياة الصحابة ج 1 ص 361.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 64/

3 ـ ويكفي أن نذكر هنا أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يقبل منه البعير أو البعيرين حين هجرته إلا بالثمن، الذي نقده إياه فوراً وهو " صلى الله عليه وآله وسلم " في أحرج الأوقات. وإذا صح حديث رد رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " هبة أبي بكر هذه وهو مما استفاض نقله، فإنه يأتي على كل ما يروونه في إنفاق المال من قبل أبي بكر على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". 4 ـ هذا كله عدا عن أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يجهز في مكة جيشاً، ولا أسعر حرباً؛ ليحتاج إلى النفقة الواسعة في تجهيز الجيوش، وإعداد الكراع والسلاح. كما أنه لم يكن يتفكه، ويتنعم بإنفاق الأموال. وأما بعد الهجرة إلى المدينة. فإن أبا بكر قد ضن بماله، الذي كان خمسة أو ستة آلاف درهم ـ كما يقولون ـ عن كل أحد، حتى عن ابنته أسماء التي كانت في أقسى حالات الفقر والجهد، حينما قدمت المدينة، حتى لقد كانت تخدم البيت، وتسوس الفرس وتدق النوى لناضحه، وتعلفه، وتستقي الماء، وتنقل النوى على رأسها من بعد ثلثي فرسخ، حتى أرسل إليها أبوها خادماً كفتها سياسة الفرس، كما ادعت (1). كما أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد مر في سنوات ضيق شديدة وصعبة، ولا سيما قبل خيبر، حتى لقد كان ربما يبقى اليومين أو الثلاثة بلا طعام، حتى يشد على بطنه الحجر (2) وكان الأنصار يتعاهدونه بجفان الطعام، فأين كانت عنه أموال أبي بكر وآلاف دراهمه، التي بقيت إلى تبوك، حيث يدعون: أنه جاء بجميع ماله، وهو أربعة آلاف درهم

ـــــــــــــــ

(1) راجع: حديث الإفك ص 152.

(2) وقد وصفت عائشة حالته هو وأهل بيته بما يقرح القلوب، فراجع: طبقات ابن سعدج 1 قسم 2 ص 120 وليراجع من ص 112 حتى ص 120.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 65/

حينئذٍ (1)؟!. هذا كله لو كان مرادهم المنة على رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " بالإنفاق عليه. ثانياً: إن كان المراد المن على الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " بالإنفاق في سبيل الله سبحانه، فهو أيضاً لا يصح، إذ لم نجد في التاريخ ما يدل على ذلك. بل لقد وجدنا ما يدل على خلافه، فإن أبا بكر قد ضن بماله إلى حد أنه لم يتصدق ولو بدرهمين في قصة النجوى، ولم يفعل ذلك سوى أمير المؤمنين " عليه السلام "، حتى أنزل الله تعالى قرآناً يؤنب فيه الصحابة ويلومهم على ذلك ثم تاب عليهم، قال تعالى: (أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات؛ فإذ لم تفعلوا، وتاب الله عليكم) الآية (2) ". ولو أن أبا بكر تصدق بدرهمين لم يكن ممن توجه إليهم هذا العتاب منه تعالى. وثالثاً: والأهم من ذلك: أنه لا معنى لأن يكون الإنفاق لوجه الله، ثم يمن المنفق على الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم "، كما أخبر " صلى الله عليه وآله وسلم " عنه. كما تزعم الرواية. بل المنة لله ولرسوله عليه في ذلك. وقد نهى الله عن المن. فقال: (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) (3)، وقال: (ولا تمنن تستكثر) (4). ولذلك فإننا لا يمكننا أن نقبل: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " يمدح هذا المنان عليه (أي

ـــــــــــــــ

(1) حياة الصحابة ج 1 ص 429 عن ابن عساكر ج 1 ص 110.

(2) المجادلة 13، وراجع دلائل الصدق ج 2 ص 120، والأوائل ج 1 ص 297، وهامش تلخيص الشافي ج 3 ص 235/37، عن العديد من المصادر.

(3) سورة البقرة/264.

(4) المدثر/1.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 66/

على المن) ويقرضه لأجله ولا سيما وهو أمنّ الناس عليه في صحبته وماله.

إشارة عامة:

ولذلك فإن بالإمكان الاستنتاج من ذلك: أن الظاهر هو أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بعد أن لم يستطع إقناع أبي بكر بالكف عن المن عليه بأنه قد ترك أمواله وداره في مكة، وأنه رافقه إلى الغار، وتحمل الأخطار، وحزن وجزع خوفاً من الأعداء، بعد أن لم يستطع إقناعه بذلك اضطر " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى أن يخبر الناس بحالة أبي بكر هذه، عته يكف عن بعض ما كان يفعل، وذلك كأسلوب اضطراري أخير من أساليب التربية والتوجيه. لا سيما وأن ما يمن به عليه لم يكن أبو بكر متفرداً به؛ فإن الكل كان قد هاجر وترك ماله، وأرضه ووطنه، والكل قد تحمل الأخطار والمتاعب، وكثير منهم تعرض إلى أقسى أنواع التعذيب والتنكيل. وعن مقامه معه في الغار، فإن الخطر على أمير المؤمنين كان أعظم من الخطر على أبي بكر؛ فلماذا إذن هذا المن منه، حتى عده النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أمنّ الناس عليه؟!. رابعاً: وإذا كان أبو بكر ـ كما يقول الطوسي والمفيد ـ في أول أمره معلماً للأولاد، ثم صار خياطاً، ولم يكن قسمه إلا كواحد من المسلمين، ولذا احتاج إلى مواساة الأنصار له. وكان أبوه صياداً، ثم صار ينش الذباب، وينادي على مائدة ابن جدعان بشبع بطنه، وستر عورته (1).

ـــــــــــــــ

(1) تلخيص الشافي ج 3 ص 238، ودلائل الصدق ج 2 ص 130، والإفصاح ص 135 وراجع الغدير ج 8 ص 51. ويشك المحقق السيد مهدي الروحاني في كون أبي بكر كان معلما، على اعتبار أن جمع الأطفال في المكتب وتعليمهم أمر مستحدث، ولم يكن معهوداً في مكة في الجاهلية ويتساءل عن تلامذة أبي بكر من =

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 67/

فإن من الطبيعي أن لا تكون لأبي بكر ثروة من هذا القبيل لا خمسة آلاف، ولا ستة آلاف، فضلاً عن أربعين ألف درهم أو دينار؛ لأن مثل هذه الثروات إنما  تجتمع لدى الإنسان من التجارة، أو الزراعة، لا من قبيل صناعات أبي بكر؛ فكيف يقولون إذن: إنه كان سيداً من سادات قريش، ومن ذوي المال والثروة والجاه فيها؟! ولماذا يترك أباه عند ابن جدعان، وهو بهذه الحالة فضلاً عن ابنته أسماء؟!. وإذا كانت ثروة أبي بكر في تلك الفترة في أربعة آلاف بل أكثر، كما تقدم حين الكلام حول عتق بلال؛ فإنه لا بد أن يكون أثرى رجل في مكة في تلك الفترة، إذ قد ورد أنه بعد أن انتشر الإسلام، وفتحت البلاد جاء أنس بن مالك بمال إلى عمر بعد موت أبي بكر، فبايع عمر، ثم أخبره  بأنه قد جاء بأربعة آلاف وأعطاه إياها، قال أنس: " فكنت أكثر أهل المدينة مالاً " (1). خامساً: إن أمير المؤمنين " عليه السلام " حينما تصدق بمال قليل جداً ـ كما في إطعامه المسكين، واليتيم، والأسير ـ قد نزلت فيه آية قرآنية وهي قوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً. إنما نطعمكم) الآية (2). وحينما تصدق بخاتمه نزل فيه قوله تعالى: (إنما وليكم الله

ـــــــــــــــ

= هم، ولماذا لم يوجد في مكة سوى عدد ضئيل ممن كان يعرف القراءة والكتابة كما مر في أول الكتاب. بل لقد ذكر جرجي زيدان في كتابه تاريخ التمدن: أنه لم يكن في مكة حين بعث النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " سوى سبعة أشخاص يعرفون الكتابة.

(1) كنز العمال ج 5 ص 405 عن ابن سعد. وحياة الصحابة ج 2 ص 235.

(2) سورة الإنسان/8. والحديث موجود في المصادر التالية: المناقب للخوارزمي ص 189 ـ 195، والرياض النضرة ج 3 ص 208/209 والتفسير الكبير ج 30 ص 234/244 عن الواحدي، =

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 68/

ورسوله، والذين أمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (1).

ـــــــــــــــ

= والزمخشري. وغرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج 29 ص 112/113 والكشاف ج 4 ص 670 ونوادر الأصول ص 64/65 والجامع لأحكام القرآن ج 19 ص 131 عن النقاش، والثعلبي، والقشيري، وغير واحد من المفسرين. واللآلي المصنوعة ج 1 ص 372 ـ 374 ومدارك التنزيل للنسفي (مطبوع بهامش تفسير الخازن) ج 4 ص 339 وكشف الغمة ج 1 ص 169 وتفسير نور الثقلين ج 5 ص 469 ـ 477 عن أمالي الصدوق، والقمي، والطبرسي، وابن شهر آشوب وتأويل الآيات الظاهرة ج 2 ص 749 ـ 752 وتفسير فرات ص 521 ـ 528 وذخائر العقبى ص 89 وتفسير القمي ج 2 ص 398/399 والبرهان (تفسير) ج 4 ص 412 ووسائل الشيعة ج 16 ص 190، وفرائد السمطين ج 2 ص 54 ـ 56 ومجمع البيان ج 10 ص 404 و 405 والمناقب لابن المغازلي ص 273 والإصابة ج 4 ص 378 وينابيع المودة ص 93 و 94 وروضة الواعظين ص 160 ـ 163 ونزهة المجالس ج 1 ص 213 وربيع الأبرار ج 2 ص 147/248 وشرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 21. وأسد الغابة ج 5 ص 530/531 والبحار ج 35 ص 237 حتى 254 وإحقاق الحق ج 9 ص 110 ـ 123 وج 3 ص 157 ـ 170 عن مصادر كثيرة.

(1) المائدة/55. والحديث موجود في المصادر التالية: الكشاف ج 1 ص 649 ولباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 93 عن الطبراني، وابن جرير، وأسباب النزول ص 113 ونفسير المنار ج 6 ص 442، وقال: رووا من عدة طرق وتفسير نور الثقلين ج 1 ص 533 ـ 337 عن الكافي، والإحتجاج، والخصال، والقمي، وأمالي الصدوق، وجامع البيان ج 6 ص 186، وغرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج 6 ص 167 والتفسير الكبير ج 12 ص 26 وتفسير القرآن العظيم ج 2 ص 71 والدر المنثور ج 2 ص 293 و 294 عن أبي الشيخ وابن مردويه، والطبراني، وابن أبي حاتم، وابن عساكر، وابن جرير، وأبي نعيم، وغيرهم، وفتح القدير ج 2 ص 53 عن الخطيب في المتفق والمفترق. وراجع ما عن: عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وغيرهم ممن تقدم ذكره. ولباب التأويل للخازن ج 1 ص 475 والجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 221 والكافي ج 1 ص 228 وشواهد التنزيل ج 1 ص 173 ـ 184 والخصال ج 2 =

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 69/

وحينما تصدق بدرهم سراً وآخر جهراً، وثالث ليلاً، ورابع نهاراً، نزل فيه قوله تعالى: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار، سراً وعلانية، فلهم أجرهم عند ربهم) (1).

ـــــــــــــــ

= ص 580 وكفاية الطالب ص 229 وكنز العمال ج 15 ص 146 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 108 ومجمع الزوائد ج 7 ص 17 ومعرفة علوم الحديث ص 102 وتذكرة الخواص ص 15 والمناقب للخوارزمي ص 186 و 187 ونظم درر السمطين ص 86 و 87 والرياض النضرة ج 3 ص 208 وذخائر العقبى ص 102 عن الواقدي، وأبي الفرج ابن الجوزي، والبداية والنهاية ج 7 ص 358 ونور الأبصار ص 77 وفرائد السمطين ج 1 ص 188 وتأويل الآيات الظاهرة ج 1 ص 151 ـ 154 والبحار ج 35 ص 183 ـ 203 عن مصادر كثيرة وربيع الأبرار ج 2 ص 148 والمناقب لابن المغازلي ص 312 ـ 313 وروضة الواعظين ص 92 والعمدة لابن بطريق ص 119 ـ 125 وإثبات الهداة ج 2 ص 47 والمنافب لابن شهر آشوب ج 3 ص 2 ـ 10 وكشف الغمة ج 1 ص 166 و 167 والأمالي للصدوق ص 109/110، ووسائل الشيعة ج 6 ص 334 ـ 335 وسعد السعود ص 96 والبرهان (تفسير) ج 1 ص 480 ـ 485 ومجمع البيان ج 3 ص 310 ـ 312 وإحقاق الحق ج 20 ص 3 ـ 22 وراجع ج 3 ص 502 ـ 511 وج 2 ص 399 ـ 408 عن مصادر كثيرة.

(1) سورة البقرة/274. والحديث موجود في المصادر التالية: الكشاف ج 1 ص 319 وتفسير المنار ج 3 ص 92 عن عبد الرزاق، وابن جرير، وغيرهما والتفسير الكبير ج 7 ص 83 والجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 347 وتفسير القرآن العظيم ج 1 ص 326 عن ابن جرير، وابن مردويه وابن أبي حاتم وفتح القدير ج 1 ص 294 عن عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والطبراني، وابن عساكر وغيرهم والدر المنثور ج 1 ص 363 ولباب النقول ص 50 ط دار إحياء العلوم وأسباب النزول ص 50 وتفسير نور الثقلين ج 1 ص 341 عن العياشي والفصول المهمة لابن الصباغ ص 107 ونظم درر السمطين ص 90 وذخائر العقبى ص 88 والبرهان (تفسير) ج 4 ص 412 والمناقب لابن المغازلي ص 280 وينابيع المودة ص 92، وروضة الواعظين ص 383 و 105 وشرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 21.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 70/

كما أنه لم يعمل بآية النجوى سوى علي " عليه السلام " (1). وأبو بكر ينفق ماله كله، أربعين ألف درهم أو دينار وتكون له يد عند النبي، الله يكافؤه عليها. وما نفع النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " مال كما نفعه مال أبي بكر. ثم لا يذكر الله من ذلك شيئاً، ولا يحدثنا التاريخ ولا الحديث عن مورد واحد من ذلك بالتحديد؛ بحيث يمكن إثباته؟ أم أن المحدثين والمؤرخين وهم في الأكثر شيعة لأبي بكر، قد تجاهلوا عمدا فضائل أبي بكر، التي تصب في هذا الاتجاه؟ ولماذا إذن لم يتجاهلوا ما لعلي في ذلك أيضاً؟!. أم أن أبا بكر قد ظلم وتجنى عليه الحكام والملوك، وأتباعهم،

ـــــــــــــــ

(1) راجع المصادر التالية: المناقب للخوارزمي ص 196 والرياض النضرة ج 3 ص 180 والصواعق المحرقة ص 129 عن الواقدي، ونظم درر السمطين ص 90 و 91 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 327 و 326 وجامع البيان ج 28 ص 14 و 15 وغرائب القرآن مطبوع بهامش جامع البيان ج 28 ص 24 و 25 وكفاية الطالب ص 136 و 137 وأحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 428 ومستدرك الحاكم ج 2 ص 482 وتلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع بهامش المستدرك) ج 2 ص 482 وتفسير نور الثقلين ج 5 ص 264 و 265 وتأويل الآيات الظاهرة ج 2 ص 673 ـ 675 ولباب التأويل ج 4 ص 224 ومدارك التنزيل (مطبوع بهامش لباب التأويل) ج 4 ص 224 وأسباب النزول ص 235 وشواهد التنزيل ج 2 ص 231 ـ 240 والدر المنثور ج 6 ص 185 عن ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، وابن أبي حاتم، و عبد الرزاق، والحاكم وصححه، وسعيد بن منصور، وابن راهويه. وفتح القدير ج 5 ص 191 والتفسير الكبير ج 29 ص 271 والجامع لأحكام القرآن ج 17 ص 302 والكشاف ج 4 ص 494 وكشف الغمة ج 1 ص 168 وإحقاق الحق (قسم الملحقات) ج 3 ص 129 ـ 140 وج 14 ص 200 ـ 217 وج 20 ص 181 ـ 192 عن بعض من تقدم، وعن معهادركثيرة أخرى. وإعلام الورى ص 188.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 71/

والمزيفون من العلماء، كما تجنوا على أمير المؤمنين علي " عليه السلام "؟! فمنعوا الناس من ذكر فضائله وروايتها. وغاية ما ذكروه لأبي بكر هنا عتقه الرقاب من الضعفاء والمعذبين في مكة، ولكن قد تقدم أن إثبات ذلك غير ممكن. وقد أنكره الإسكافي المعتزلي عليه، وقال: إن ثمنها في ذلك العصر لا يبلغ مئة درهم، لو فرض صحة الرواية. أم أن عدالة الله تعالى قد اقتضت ذكر نفقات أمير المؤمنين علي " عليه السلام " ـ على قلتها ـ في القرآن، وعلى لسان النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وإهمال نفقات أبي بكر، التي تبلغ الآلاف الكثيرة؟! وهل هذا عدل؟! تعالى الله الملك الحق العدل المبين، الذي لا تظلم عنده نفس بمثقال ذرة فما فوقها. أم يصح أن يقال: إن نفقات أبي بكر لم تكن خالصة لوجه الله تعالى، وإنما جرت على وفق سجيته وطبعه في الكرم والجود؟! وكان ذلك هو سر إهمال الله لها؟ فلماذا لا يمدح الله هذه السجية؟ وإذا كان لا فضل فيها؛ فلماذا يقول الرسول: إن الله سوف يكافئه عليها؟! ولماذا؟ ولماذا؟! إلى آخر ما هنالك من الأسئلة التي لن تجد لها جواباً مقنعاً ومفيداً ومقبولا. وبعد ما تقدم، فإن الحديث عن ثروة أبي بكر، منقول ـ كما يقول الشيخ المفيد ـ عن خصوص ابنة أبي بكر عائشة، وفي طريقه من هم من أمثال الشعبي المعروفين بالعصبية، والتقرب إلى بني أمية بالكذب، والتخرص، والبهتان (1).

اللصوص المهرة

وبعد، فإن مما يضحك الثكلى ما ذكره البعض، من أن اللصوص أخذوا لأبي بكر أربع مئة بعير، وأربعين عبداً، فدخل عليه النبي فرآه

ـــــــــــــــ

(1) الإفصاح في إمامة أمير المؤمنين علي " عليه السلام " ص 131 ـ 133.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 72/

حزينا، فسأله فأخبره، فقال ظننت أنه فاتتك تكبيرة الإحرام الخ (1). ولست أدري كيف استطاع اللصوص إخفاء هذه الكمية الهائلة من العبيد والجمال؟! وأين ذهبوا بها؟ وكيف لم يهرب واحد من العبيد ليخبر أبا بكر بالأمر. وكيف لم يستيقظ أحد من أهل مكة والمدينة على أصوات حركة أكبر قافلة عرفها تاريخ ذلك الزمان؟! ولا أدري أيضاً. من أين حصل أبو بكر على هذه الثروة الهائلة؟ وكيف لم يشتهر في جميع الأقطار والآفاق على أنه أكبر متمول في الجزيرة العربية؟ ولا ندري أخيراً هل استطاع أبو بكر استرداد ما سرق منه أم لا؟!.

كلمة أخيرة حول ما يقال عن ثروة أبي بكر:

ونعتقد: أن ما يقال عن ثروة لأبي بكر، أنه أنفقها على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد كان نتيجة ردة الفعل العنيفة من قبل أنصار الخليفة الأول، حينما رأوا أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " يأبي أخذ الراحلة منه إلا بالثمن (2) ويرون في مقابل ذلك الآيات النازلة في علي " عليه السلام "، ونفقاته وتضحياته ليلة المبيت وغيرها. فكان لا بد أن يتحركوا لإثبات فضائل لأبي بكر، وتضحيات له جسام. ثم يوجهون قضية الراحلة بانه " صلى الله عليه وآله وسلم " أراد أن

ـــــــــــــــ

(1) نزهة المجالس ج 1 ص 116.

(2) صحيح البخاري ط مشكول ج 5 ص 75 وتاريخ الطبري ج 2 ص 104، وسيرة ابن هشام ج 2 ص 131 وطبقات ابن سعدج 1 قسم 1 ص 153 والبداية والنهاية ج 3 ص 184 ـ 188، ومسند أحمد ج 5 ص 245، والكامل لابن الأثير، وغير ذلك كثير. والسيرة الحلبية ج 2 ص 32.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 73/

تكون هجرته لله تعالى: بنفسه وماله (1). ولكنهم يعودون فينسون هذا التوجيه حينما يذكرون الأمور التي تقدمت الإشارة إليها مثل جراب الزاد والشاة المطبوخة، ومنحة الغنم، حين الهجرة وغير ذلك، ويغفلون عن التناقض الظاهر بين كونه أراد الهجرة بنفسه وماله وبين إنفاقاته الكبيرة من مال أبي بكر وزاده ومنحته ووالخ. ولا بأس بالتناقض في أقوال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وأفعاله، ما دام أنه لم تنقض فضيلة لأبي بكر، ولم يحرم منها!!.

التزوير، والتحوير:

ولكن الصحيح هوأن ما قاله " صلى الله عليه وآله وسلم " إنما  كان بالنسبة لأموال خديجة: " ما نفعني مال قط مثلما نفعني مال خديجة " ـ كما تقدم ـ وقد حور لصالح أبي بكر، وصيغ بصيغ مختلفة. والعبارات التي تصب في مجرى واحد، وتشير إلى هدف فارد، وهو إثبات فضيلة لأبي بكر، وأبي بكر فقط كثيرة شأنها شأن كثير من الأحاديث التي أشار إليها المعتزلي في شرحه للنهج، وذكر أنها من وضع البكرية في مقابل فضائل أمير المؤمنين " عليه السلام ". وكما يظهر لكل أحد بالتتبع والمقارنة.

تجلي الله لأبي بكر:

عن أنس: لما خرج " صلى الله عليه وآله وسلم " من الغار أخذ أبو بكر بغرزه؛ فنظر " صلى الله عليه وآله وسلم، إلى وجهه، فقال: يا أبا بكر ألا أبشرك؟ قال: بلى فداك أبي وأمي. قال: إن الله

ـــــــــــــــ

(1) فتح الباري ج 7 باب الهجرة، ص 183 والسيرة الحلبية ج 2 ص 32.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 74/

يتجلى يوم القيامة للخلائق عامة، ويتجلى لك خاصة (1). ومع أننا لم ندر ما معنى هذا التجلي، إلا أن يكون على مذهب المجسمة الضالة؛ فإننا نجد: أن الفيروز آبادي قد عد هذا الحديث من أشهر الموضوعات في باب فضائل أبي بكر، ومن المفتريات المعلوم بطلانها ببديهة العقل، وحكم الخطيب بوضعه عند ذوي المعرفة بالنقل. وحكم أيضاً بوضعه وبطلانه كل من: الذهبي، والعجلوني، وابن عدي، والسيوطي، وا لعسقلاني، والقاري وغيرهم (2).

كلام هام حول الفضائل:

يقول المدائني: " كتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق: أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي شهادة، وكتب إليهم: أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان، ومحبيه، وأهل ولايته، الذين يروون فضائله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم، وقربوهم، وأكرموهم، واكتبوا إلي بكل ما يروي كل رجل منهم، واسمه واسم أبيه، وعشيرته ففعلوا ذلك، حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات، والكساء، والحباء، والقطائع. ويفيضه في العرب منهم والموالي. فكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجد امرؤ من الناس عاملا من عمال معاوية، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه، وقربه، وشفعه، فلبثوا بذلك حينا.

ـــــــــــــــ

(1) الغدير ج 5 ص 301 ـ 302 والمصادر الآتية في الهامش التالي والسيرة الحلبية ج 2 ص 41.

(2) راجع: تاريخ بغداد للخطيب ج 2 ص 288 وج 12 ص 19، وكشف الخفاء ج 2 ص 419، واللآلي المصنوعة ج 1 ص 148، ولسان الميزان ج 2 ص 64 وميزان الإعتدال ج 2 ص 21 و 232 و 269 وج 3 ص 336 والغدير ج 5 ص 302 عمن تقدم، وعن أسنى المطالب ص 63.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 75/

ثم كتب إلى عماله: إن الحديث في عثمان قد جهر وفشا في كل مصر، وكل وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا، فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة، والخلفاء الأولين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وأتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحب إلي، وأقر لعيني، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله. فقرئت كتبه على الناس؛ فرويت أحاديث كثيرة في مناقب الصحابة، مفتعلة لا حقيقة لها، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى، حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر وألقي إلى معلمي الكتاب، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع، حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علموه بناتهم، ونسائهم، وخدمهم، وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله. ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البينة: أنه يحب علياً، وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه. وشفع ذلك بنسخة أخرى: من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكلوا به، واهدموا داره. فلم يكن البلاء أشد وأكثر منه بالعراق، ولا سيما بالكوفة، حتى إن الرجل من شيعة علي ليأتيه من يثق به فيدخل بيته، فليقي إليه سره، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة: ليكتمن عليه. فظهر حديث كثير موضوع. وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة، والولاة. وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراؤون، والمستضعفون، الذين يظهرون الخشوع والنسك، فيفتعلون الأحاديث حتى يحظوا بذلك عند ولاتهم، ويقربوا في مجالسهم، ويكسبوا به الأموال والضياع، والمنازل حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 76/

أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فقبلوها فرووها وهم يظنون أنها حق ولو علموا: أنها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها، فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي (ع)، فازداد البلاء والفتنة الخ (1).

ما أنت إلا إصبع دميت:

وفي رواية: إن أبا بكر صار يسد كل حجر وجده في الغار، فأصاب يده ما أدماها، فصار يمسح الدم عن إصبعه ويقول:

ما أنت إلا اصبع دميت                 وفي سبيل الله ما لقيت (2)

وهذا لا يصح؛ لأن هذا البيت هو لعبد الله بن رواحة، قاله في جملة أبيات له في غزوة مؤته، وقد صدمت إصبعه فدميت (3). وفي الصحيحين: عن جندب بن سفيان: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد قال ذلك في بعض المشاهد، أو في الغار، حينما دميت إصبعه (4). وذكر آخرون: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قال ذلك حينما لحقه أبو بكر، لظنه " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه بعض المشركين؛ فأسرع؛ فأصابه حجر، ففلق إبهامه (5).

ـــــــــــــــ

(1) النصائح الكافية ص 72 ـ 73 عن المدائني، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 11 ص 44.

(2) حلية الأولياء ج 1 ص 22، والبداية والنهاية ج 3 ص 180، والسيرة الحلبية ج 2 ص 35/36.

(3) السيرة الحلبية ج 2 ص 69 و 36.

(4) صحيح مسلم ج 5 ص 181 و 182، وصحيح البخاري ج 2 ص 89 الميمنية، وحياة الصحابة ج 1 ص 518.

(5) راجع البحار ج 19 ص 93 عن مسند أحمد، وعن تاريخ الطبري ج 2 ص 100 والسيرة الحلبية ج 2 ص 36 عن ابن الجوزي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 77/

ولعله " صلى الله عليه وآله وسلم " قد قرأ " دميت ولقيت " بفتح ياءيهما، وسكون تاءيهما حتى لا يكون شعراً، لأنه لا يقول الشعر ولا  ينبغي له. كما ذكرته الآية الكريمة: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له) (1). إلا أن يكون المراد بها: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " ليس بشاعر، لا أنه لا يتلفظ بالشعر، ولا يتمثل به، وفي بعض المصادر: أن قائله هو الوليد بن الوليد بن المغيرة، حين فر من المشركين حين هجرته، أوحينما ذهب ليخلص هشام بن العاص وعباس بن ربيعة (2). وقيل: إن أبا دجانة قال ذلك في غزوة أحد (3). ولعل الجميع قد قالوا هذا البيت، لكن على سبيل التمثل به. والتمثل بالشعر شائع عند العرب. وهكذا يتضح أن هذا الشعر إن كان قد قيل في الغار، فإن قائله هو النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كما في الصحيحين. وقد نسب ذلك إلى أبي بكر، تصنعا وتزلفا ليس إلا، وذلك لا يسمن ولا يغني من جوع.

عمدة فضائل أبي بكر:

ومما يلفت النظر، يقضي بالعجب: أن تكون صحبة أبي بكر لرسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وكونه معه في الغار، وكبر سنه، هما عمدة ما استدلوا به يوم السقيفة لأحقية أبي بكر بالخلافة دون غيره، فقد قال عمر يوم السقيفة: " من له مثل هذه الثلاث: (ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه لا تحزن، إن الله معنا).

ـــــــــــــــ

(1) سورة يس: 69.

(2) نسب قريش لمصعب الزبيري ص 324، والمصنف لعبد الرزاق ج 2 ص 447، وسيرة ابن هشام ج 2 ص 220.

(3) البدء والتاريخ ج 4 ص 202.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 78/

وقال: إن أولى الناس بأمر نبي الله ثاني اثنين، إذ هما في الغار، وأبو بكر السباق المسن. وقال يوم البيعة العامة " إن أبا بكر رحمه الله صاحب رسول الله وثاني اثنين، أولى الناس بأموركم؛ فقوموا فبايعوه " (1). وعن سلمان: " أصبتم ذا السن فيكم. ولكنكم أخطاتم أهل بيت نبيكم ". وحينما طلب اليهود من أبي بكر أن يصف لهم صاحبه قال: " معشر اليهود، لقد كنت معه في الغار كإصبعي هاتين الخ ". وعن عثمان: " إن أبا بكر الصديق (يبدو أن كلمة الصديق زيادة من الرواة لما تقدم) أحق الناس بها؛ إنه لصديق، وثاني اثنين، وصاحب رسول الله " هكذا عن أبي عبيدة. وعن علي، والزبير: " الغار، وشرفه، وكبره، وصلاته بالناس " (2).

ـــــــــــــــ

(1) راجع هذه النصوص في: مجمع الزوائد ج 5 ص 182 عن الطبراني ورجاله ثقات وبعضه عن ابن ماجة، وسيرة ابن هشام ج 4 ص 311، والبداية والنهاية ج 5 ص 248 عن البخاري، والسيرة الحلبية ج 3 ص 359، وشرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 8 والمصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 438، والغدير ج 7 ص 92 عن بعض من تقدم وعن: الرياض النضرة ج 1 ص 162، 166.

(2) راجع في ما تقدم كلا أو بعضاً شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 8، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 66، وسنن البيهقي ج 8 ص 153. وذكر ذلك في الغدير ج 5 ص 369 وج 7 ص 92 وج 10 ص 7 كلا أو بعضا عن المصادر التالية: مسند أحمد ج 1 ص 35، وطبقات ابن سعد ج 3 ص 128، ونهاية ابن الأثير ج 3 ص 247، وصفة الصفوة ج 1 ص 97، والسيرة الحلبية ج 3 ص 386، والصواعق المحرقة ص 7، وشرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 131 وج 2 ص 17، والرياض النضرة ج 2 ص 195، وكنز العمال ج 3 ص 140 عن الأطرابلسي في فضائل الصحابة ونقل أيضاً عن الكنز ج 3 ص 139 و 136 و 140 عن ابن أبي شيبة وابن عساكر، وابن شاهين، وابن جرير، وابن سعد، وأحمد، ورجاله رجال الصحيح.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 79/

وأخيراً، فقد قال العسقلاني عن قضية الغار: " هي أعظم فضائله التي استحق بها أن يكون الخليفة بعد النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، ولذلك قال عمر بن الخطاب: إن أبا بكر صاحب رسول الله، ثاني اثنين، فإنه أولى المسلمين بأموركم ". وإذا كانت أعظم فضائله التي استحق بها الخلافة، وإذا كانوا لم يتمكنوا من ذكر فضيلة أخرى له، مع أنهم في أحرج الأوقات، وفي أمس الحاجة إلى التشبث بكل حشيش في مقابل الأنصار؛ فماذا عساهم أن يصنعوا في مقابل علي وفضائله العظمى التي هي كالنار على المنار وكالشمس في رابعة النهار؟ وهل يمكنهم أن يحتجوا بشيء ذي بال في مقابله؟!. وهل يبقى أمامهم من مخرج سوى اللجوء إلى أساليب العنف والإرهاب؟! وهكذا كان!!. وإذا أفقده البحث المنطقي والعلمي هذه الفضيلة، وبقي صفر اليدين. حتى لقد كان بلال يفضل عليه، حتى اضطر بلال ـ ولعله لدوافع لم يستطع التاريخ أن يفصح عنها لأن يستنكر ذلك ويقول: كيف تفضلوني عليه، وأنا حسنة من حسناته؟ (1). نعم إذا أفقده النقد الموضوعي هذه الفضيلة، كما قد رأينا ذلك فيما تقدم، فما الذي يبقى أمام أبي بكر للحفاظ على ماء وجهه ومنصبه؟!. إننا نترك الجواب على ذلك للقارئ الفطن والمنصف.

عثمان حين قضية الغار:

وأخرج ابن مندة بسند واه، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: كنت

ـــــــــــــــ

(1) الغدير ج 10 ص 13، وتهذيب تاريخ دمشق ج 3 ص 317.  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 80/

أحمل الطعام إلى أبي، وهو مع رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " بالغار، فاستأذنه عثمان في الهجرة، فأذن له في الهجرة إلى الحبشة (1). ولكن من الواضح: أن عثمان قد هاجر إلى الحبشة قبل قضية الغار بثمان سنين؛ لأن هجرة الحبشة إنما  كانت في السنة الخامسة من البعثة. أضف ذلك: أن كون أسماء هي التي كانت تحمل الطعام إلى الغار. لا يصح؛ فقد تقدم أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يقبل أن يأخذ الناقة من أبي بكر إلا بالثمن حتى لا يكون لأحد منة عليه " صلى الله عليه وآله وسلم ". هذا كله عدا عما تقدم من عدم صحة قولهم: إن أسماء كانت تأتيهم بالطعام إلى الغار.. فإن علياً " عليه السلام " كان هو الذي يحمل الطعام إلى الغار؛ وليس أسماء بنت أبي بكر. وكون المراد غاراً آخر، يحتاج إلى شاهد ودليل، ولم نجد في التاريخ ما يدل على أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد دخل غاراً آخر، ولبث فيه مع أبي بكر مدة.

يوم الغار، ويوم الغدير:

قال ابن العماد وغيره: " تمادت الشيعة في هذه الأعصر في غيهم بعمل عاشوراء، وباللطم والعويل، وبنصب القباب، والزينة، وشعار الأعياد يوم الغدير؛ فعمدت غالية السنة وأحدثوا في مقابلة يوم الغدير، الغار، وجعلوه بعد ثمانية أيام من يوم الغدير، وهو السادس والعشرون من ذي الحجة، وزعموا: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وأبا بكر اختفيا حينئذٍ في الغار.

ـــــــــــــــ

(1) كنز العمال ج 22 ص 208 عن ابن عساكر، والإصابة ج 4 ص 304.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 81/

وهذا جهل وغلط؛ فإن أيام الغار إنما  كانت بيقين في صفر، وفي أول شهر ربيع الأول الخ (1). وقد كان عليه أن يقول: " وهذا نصب وجهل، قد أعمى أبصارهم وبصائرهم ". وهل ليوم الغار الذي أظهر فيه أبو بكر ضعفه، وشكه. وعرف كل أحد أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يأخذ منه البعير إلا بالثمن. أن يكون كيوم الغدير، الذي جعل فيه أهل البيت أحد الثقلين اللذين لن يضل من تمسك بهما، وجعل علي فيه مولى للمؤمنين وإماما لهم بعد الرسول. إلى غير ذلك مما نقله جهابذة العلماء، وأعاظم الحفاظ؟!. ولا بأس بمراجعة كتابنا صراع الحرية في عصر المفيد، ففيه تفصيلات حول هذا الموضوع، وأخيراً فما أحرانا: أن نتمثل هنا بقول الشاعر:

من كان يخلق مايقو                               ل فحيلتي فيه قليلة

الكلمة الأخيرة في حديث الغار:

وحسبنا ما ذكرناه هنا حول الأكاذيب التي جادت بها قرائحهم، حول قضية الغار، وقد يلاحظ القارئ أننا لم نكثر المصادر للنصوص التي ذكرناها هنا، وعذرنا في ذلك هو أننا لم نر حاجة إلى ذلك، لأننا رأينا أنها متوفرة جداً في مختلف الكتب الحديثية والتاريخية، ولن يجد القارئ كبير عناء في البحث عنها، واستخراجها.

ـــــــــــــــ

(1) شذرات الذهب ج 3 ص 130، والإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج 1 ص 94 وبحوث مع أهل السنة والسلفية ص 145 والمنتظم لابن الجوزي ج 7 ص 206 والبداية والنهاية ج 11 ص 325 والخطط المقريزية ج 1 ص 389 والكامل في التاريخ ج 9 ص 155 ونهاية الأرب للنويري ج 1 ص 185 وذيل تجارب الأمم لأبي شجاع ج 3 ص 339 و 340 وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 381 ـ 400) ص 25.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 82/

ولعل القارئ يجد في هذا الذي ذكرناه مقنعا وكفاية، وهو يكشف له زيف الكثير مما لم نذكره لوضوح كذبه وفساده، وقد آن الأوان للعودة إلى الحديث عن سائر أحداث السيرة العطرة للرسول الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم ".

فإلى ما يلي من فصول

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 83/

الفصل السادس:
إلى قباء

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 84/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 85/

في الطريق إلى المدينة:

عن أبي عبد الله " عليه السلام ": إن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " لما خرج من الغار متوجها إلى المدينة، وقد كانت قريش جعلت لمن أخذه مئة من الإبل. خرج سراقة بن جشعم فيمن يطلب، فلحق رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، فقال " صلى الله عليه وآله وسلم ": اللهم اكفني سراقة بما شيءت، فساخت قوائم فرسه، فثنى رجله ثم اشتد، فقال: يا محمد إني علمت أن الذي أصاب قوائم فرسي إنما  هو من قبلك، فادع الله ان يطلق الي فرسي، فلعمري، إن لم يصبكم خير مني لم يصبكم مني شر، فدعا رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": فاطلق الله عزوجل فرسه، فعاد في طلب رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم، حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فلما أطلقت قوائم فرسه في الثالثة، قال: يا محمد، هذه إبلي بين يديك فيها غلامي، فإن احتجت إلى ظهر أولين فخذ منه، وهذا سهم من كنانتي علامة، وأنا ارجع فأرد عنك الطلب. فقال: لا حاجة لي فيما عندك. ولعل رفض النبي اصلى الله عليه وآله وسلم " ما عرضه عليه سراقة قد كان من منطلق: أنه لا يريد أن يكون لمشرك يد عنده. وقد تقدمت بعض النصوص الدالة على ذلك في فصل أبو طالب مؤمن قريش، وسيأتي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 86/

في هذا الكتاب بعض من ذلك أيضاً. وسار " صلى الله عليه وآله وسلم " لا حتى بلغ خيمة أم معبد، فنزل بها، وطلبوا عندها قرى، فقالت: ما يحضرني شيء. فنظر رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى شاة في ناحية قد تخلفت من الغنم لضرها، فقال: أتأذنين في حلبها؟ قالت: نعم، ولا خير فيها. فمسح يده على ظهرها، فصارت من أسمن ما يكون من الغنم، ثم مسح يده على ضرعها، فأرخت ضرعا عجيبا، ودرت لبنا كثيراً، فطلب " صلى الله عليه وآله وسلم " العس، وحلب لهم فشربوا جميعاً حتى رووا. ثم عرضت عليه أم معبد ولدها الذي كان كقطعة لحم، لا يتكلم، ولا يقوم، فأخذ تمرة فمضغها، وجعلها في فيه، فنهض في الحال، ومشى، وتكلم، وجعل نواها في الأرض فصار نخلة في الحال، وقد تهدل الرطب منها، وأشار إلى جوانبها فصار مراعي. ورحل " صلى الله عليه وآله وسلم " فلما توفي " صلى الله عليه وآله وسلم " لم ترطب تلك النخلة، فلما قتل علي " عليه السلام " لم تخضر، فلما قتل الحسين " عليه السلام لما سال منها الدم (1). فلما عاد أبو معبد، ورأى ذلك سأل زوجته عن سببه قالت: مر بي رجل من قريش ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة (أو نخلة) ولم تزر به صحلة (أو صقلة) وسيم في عينيه دعج، وفي اشفاره عطف، وفي صوته صحل، وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أز ج أقرن، ان صمت فعليه الوقار وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أكمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنه وأعلاه من قريب، حلو المنطق فصل، لا نزر ولا هذر، كأن منطقة خرزات نظمن يتحدرن، ربعة لا تشنؤه من طول، ولا تقتحمه العين من قصر غصن بين غصنين وهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم

ـــــــــــــــ

(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 335 عن ربيع الأبرار.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 87/

قدرا إلى ان قالت: محفود محشود لا عابس ولا مفند. (ووصف أم معبد له " صلى الله عليه وآله وسلم " معروف ومشهور). فعرف أبو معبد أنه النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". ثم قصد بعد ذلك رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى المدينة، فآمن هو وأهله (1). الكرامات الباهرة بعد الظروف القاهرة: وليس ذلك كله بكثير على النبي الأعظم " صلى الله عليه واله وسلم " وكراماته الظاهرة، ومعجزاته الباهرة، فهو أشرف الخلق وأكرمهم على الله من الأولين والآخرين إلى يوم الدين. ومن الجهة الثانية: فإن حصول هذه الكرامات بعد مصاعب الهجرة مباشرة إنما  يؤكد ما أشرنا إليه سابقا: من أنه قد كان من الممكن أن تتم الهجرة بتدخل من العناية الإلهية. ولكن الله تعالى أبي ان يجري الأمور إلا بأسبابها وليكون هذا الرسول هو الاسوة الحسنة، والقدوة لكل أحد، في مواجهة مشاكل الحياة، وتحمل أعباء الدعوة إلى الله بكل ما فيها من متاعب، ومصاعب وأزمات، فإن للازمات التي يمر بها الإنسان دور رئيس في صنع خصائصه، وبلورتها، وتعريفه بنقاط الضعف التي يعاني منها وهي تبعث فيه حيوية ونشاطأ، وتجعله جديأ في مواقفه، فإنه إذا كان هدف الله سبحانه هو اعمار هذا الكون بالإنسان. فإن الإنسان الخامل الذي يعتمد على الخوارق والمعجزات لا يمكنه ان يقوم بمهمة الاعمار هذه.

ـــــــــــــــ

(1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 334 والبحار ج 19 ص 41 و 42 ودلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 1 ص 279 والسيرة الحلبية ج 2 ص 49/50 وغير ذلك من المصادر. وحديث أم معبد مشهور بين المؤرخين، والنص المذكور من أول العنوان إلى هنا هو للبحار ج 19 ص 75/76 عن الخرائج والجرائح.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 88/

والخلاصة: إن ذلك لمما يساعد على تربية الإنسان وتكامله في عملية إعداده ليكون عنصرا فاعلا وبانيا ومؤثراً، لا منفعلا ومتاثراً وحسب. إلى غير ذلك مما يمكن استفادته من الأحداث الآنفة الذكر.

هجرة أمير المؤمنين " عليه السلام ":

واستمر رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " في هجرته المباركة حتى قرب من المدينة، فنزل بادئ ذي بدء في قباء في بيت عمرو بن عوف، فأراده، أبو بكر على دخول المدينة، وألاصه فأبي، وقال: ما أنا بداخلها حتى يقدم ابن أمي، وأخي، وإبنتي، يعني علياً وفاطمة " عليهما ا لسلام " (1). فلما أمسى فارقه أبو بكر، ودخل المدينة، ونزل على بعض الأنصار، وبقي رسول الله بقباء، نازلا على كلثوم بن الهدم (2) ثم كتب رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى أخيه علي " عليه السلام " كتابا يأمره بالمسير إليه، وقلة التلوم، وأرسل الكتاب مع أبي واقد الليثي. فلما أتاه كتاب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " تهيأ للخروج والهجرة، فأعلم من كان معه من ضعفاء المؤمنين، وأمرهم أن يتسللوا، ويتخففوا تحت جنح الليل إلى ذي طوى، وخرج " عليه السلام " بفاطمة

ـــــــــــــــ

(1) راجع الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 35 من دون ذكر للاسم، وراجع: أمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 83، وراجع إعلام الورى ص 66، والبحار ج 19 ص 64 و 106 و 115 و 116 و 75 و 76 وراجع ج 22 ص 366 عن الخرائج والجرايح.

(2) إعلام الورى ص 66، والبحار ج 19 ص 106 عنه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 89/

بنت الرسول، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب، وتبعهم أيمن ابن أم أيمن مولى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ". وأبو واقد، فجعل يسوق بالرواحل فاعنف بهم، فأمره " عليه السلام " بالرفق فاعتذر بخوفه من الطلب. فقال أمير المؤمنين " عليه السلام ": أربع عليك، فإن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " قال لي: (أي حين سفره من الغار كما تقدم) يا علي أما إنهم لن يصلوا من الان اليك بامر تكرهه. وأدركه الطلب قرب ضجنان، وهم سبع فوارس متلثمون، وثامنهم مولى للحارث بن أمية، يدعى جناحا. فانزل علي " عليه السلام " النسوة، وأقبل على القوم منتضيا السيف، فأمروه بالرجوع، فقال: فإن لم أفعل؟ قالوا: لترجعن راغما، أو لنرجعن بأكثرك شعرا، وأهون بك من هالك. ودنا الفوارس من المطايا ليثوروها، فحال علي (ع) بينهم وبينها فاهوى جناح بسيفه، فراغ علي " عليه السلام " عن ضربته، وتختله علي " عليه السلام " فضربه على عاتقه، فاسرع. السيف مضيا فيه، حتى مس كاثبة فرسه، وشد عليهم بسيفه، وهو يقول: خلوا سبيل الجاهد المجاهد آليت لا أعبد غير الواحد فتصدع القوم عنه وقالوا: أغن عنا نفسك يا ابن أبي طالب. قال: فإني منطلق إلى ابن عمي رسول الله بيثرب، فمن سره أن أفرى لحمه، وأهريق دمه، فليتبعني، أو فليدن مني. ثم أقبل على صاحبيه، فقال لهما: أطلقا مطاياكما. ثم سار ظاهراً حتى نزل بضجنان، فتلوم بها قدر يومه وليلته، ولحق به نفر من المستضعفين من المؤمنين، وفيهم أم أيمن مولاة الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " فعبدوا الله تلك الليلة قياما وقعودأ، وعلى جنوبهم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 90/

حتى طلع الفجر، فصلى بهم علي " عليه السلام " صلاة الفجر ثم سار بهم، فجعلوا يصنعون ذلك في كل منزل، حتى قدم المدينة، وقد نزل الوحي بما كان من شانهم قبل قدؤمهم. (الذين يذكرون الله قيامأ وقعودا رعلى جنوبهم ء، ويتفكرون في خلق السموات والأرض، ربنا ما خلقت هذا باطلا) إلى قوله:  (فاستجاب لهم ربهم، أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى) (1). ولما بلغ النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قدومه " عليه السلام "، قال: أدعوا لي علياً قيل: يا رسول الله، لا يقدر أن يمشي، فاتاه " صلى الله عليه وآله " بنفسه، فلما رآه اعتنقه، وبكى رحمة لما بقدميه من الورم، وكانتا تقطران دما. وقال " صلى الله عليه وآله وسلم " لعلي: يا علي، أنت أول هذه الأمة إيمانا بالله ورسوله، وأولهم هجرة إلى الله ورسوله، وآخرهم عهدا برسوله. لا يحبك والذي نفسي بيده. إلا مؤمن، قد امتحن قلبه للايمان ولا يبغضك إلا منافق أو كافر (2). إذن فالهجرة العلنية، والتهديد بالقتل لمن يعترض سبيل المهاجر قد كان من علي " عليه السلام "، وليس من عمر بن الخطاب، وقد تقدم في فصل ابتداء الهجرة إلى المدينة. بعض ما يدل على عدم صحة نسبة ذلك

ـــــــــــــــ

(1) آل عمران 191 ـ 195.

(2) راجع فيما ذكرناه: أمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 83 ـ 86، والبحار ج 19 ص 64 ـ 67 و 85 وتفسير البرهان ج 1 ص 332 و 333 عن الشيباني في نهج البيان، وعن الاختصاص للشيخ المفيد، والمناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 183/184، وإعلام الورى ص 190 وراجع: امتاع الاسكاع للمقريزي ج 1 ص 48.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 91/

إلى عمر، وإنما نسبوا ما كان من أمير المؤمنين " عليه السلام " إلى غيره، شأن الكثير من فضائله ومواقفه " عليه السلام ".

السياسة الحكيمة:

وبعد فإن من الأمور الجديرة بالملاحظة هنا: أننا نجد أمير المؤمنين علياً وكذلك أبناؤه من بعده " عليه السلام " يحاولون تفويت الفرصة على مزوري التاريخ من اعداء الدين والحق، والإيمان، فقد روى عبد الواحد ابن أبي عون: أن رسول الله حينما توفي أمر علي " عليه السلام " صائحا يصيح: من كان له عند رسول الله عدة أو دين فليأتني. فكان يبعث كل عام عند العقبة يوم النحر من يصيح بذلك، حتى توفي علي، ثم كان الحسن بن علي يفعل ذلك حتى توفي، ثم كان الحسين يفعل ذلك، وانقطع ذلك بعده، رضوان الله تعالى عليهم وسلامه. قال ابن عون: فلا يأتي أحد من خلق الله إلى علي بحق ولا باطل إلا أعطاه (1)

كتاب تبع الأول:

ويذكر البعض: أن تبعا الأول قد آمن بالنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قبل ولادته " صلى الله عليه وآله وسلم " بمئات السنين في قصة طويلة، نرغب عن ذكرها، لاننا لم نتاكد من صحتها فمن أراد التحقيق حولها، فليراجعها في مصادرها. (2)

ـــــــــــــــ

(1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 قسم 2 ص 89.

(2) ثمرات الأوراق ص 290/291 عن القرطبي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 92/

أبو بكر شيخ يعرف:

قد جاء في بعض المرويات: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أقبل إلى المدينة وكان أبو بكر رديف النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". وأبو بكر شيخ يعرف، والنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " شاب لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر، فيقول: يا أبا بكر من هذا الذي بين يديك. وفي لفظ أحمد: من هذا الغلام بين يديك، فيقول: يهديني السبيل، فيحسب الحاسب، أنه يهديه الطريق وإنما يعني سبيل الخير. وفي التمهيد: أن الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " كان رديف أبي بكر، فكان إذا قيل لأبي بكر: من هذا وراءك؟ الخ. وصرح القسطلاني: بأن ذلك كان حين الانتقال من بني عمرو بن عوف، أي من قباء إلى المدينة. وفي نص آخر: إنه لما قدم " صلى الله عليه وآله وسلم " المدينة تلقاه المسلمون؛ فقام أبو بكر للناس، وجلس النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وأبو بكر شيخ، والنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " شاب. فكان من لم ير النبي يجيئ أبا بكر زاعما أنه هو، فيعرفه النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " حتى أصابت الشمس رسول الله، فجاء أبو بكر فظلل عليه بردائه، فعرفه الناس حينئذٍ (1).

ولكن ذلك لا يمكن أن يصح وذلك:

ـــــــــــــــ

(1) راجع في ذلك كلاً أو بعضاً: إرشاد الساري ج 6 ص 214 والسيرة الحلبية ج 2 ص 41، وصحيح البخاري ط مشكول باب الهجرة ج 6 ص 53 وسيرة ابن هشام ج 2 ص 137، ومسند أحمد ج 3 ص 287، والمواهب اللدنية ج 1 ص 86، وعيون الأخبار لابن قتيبة ج 2 ص 202، والمعارف له ص 75 والندير ج 7 ص 258 عن كثير ممن تقدم وعن: الرياض النضرة ج 1 ص 78 و 79 و 80، وعن طبقات ابن سعد ج 2 ص 222.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 93/

أولاً: إن كون أبي بكر يعرف، والنبي لا يعرف، لا يمكن قبوله، فإن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كان يعرض دعوته على مختلف القبائل التي كانت تقدم مكة، طيلة سنوات عديدة وقد سار ذكره في الآفاق، وبايعه من أهل المدينة أكثر من ثمانين ورآه حوالي خمسمئة من أهل المدينة قدموا مكة، قبل ثلاثة أشهر فقط كما تقدم. فكيف يكون أبو بكر يعرف، والنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لا يعرف (1)؟!. ومن جهة أخرى: فلم يكن أحد يهتم بسفر أبي بكر أو يحس به ولا يجد أي من الناس دافعا للتعرف عليه. هذا كله، عدا عن أن أبا بكر قد فارق الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " حينما وصلا إلى قباء، ولم يبق معه إلى حين دخول المدينة. وأما ما ذكر أخيراً: من أن من لم ير النبي كان يجيئ أبا بكر زاعما أنه هو فهو ينافي قولهم: إن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كان شابا لا يعرف وأبو بكر شيخ يعرف.

ثانياً: لقد كان الناس من أهل المدينة ينتظرون قدومه " صلى الله عليه وآله وسلم " بفارغ الصبر، وقد استقبله منهم حين قدومه حوالي خمسمئة راكب (2) بظهر الحرة وكان النساء والصبيان والشبان، وغيرهم يهزجون: ـ كما قيل ـ

طلع       البدر       علينا             من        ثنيات        الوداع

ـــــــــــــــ

(1) راجع: الندير ج 7 ص 258.

(2) الثقات لابن حبان ج 1 ص 131، ودلائل النبوة ج 2 ص 233، ووفاء الوفاء ج 1 ص 255، عن التاريخ الصغير للبخاري، والسيرة الحلبية ج 2 ص 52، والسيرة النبوية لدحلان هامش الحلبية ج 1 ص 325، وتاريخ الخميس ج 1 ص 326.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 94/

وجب        الشكر        علينا         ما        دعا       لله      داع

أيها          المبعوث      فينا          جئت        بالأمر      المطاع

وكان قد مكث في قباء أياما يستقبل الناس؛ فهل يمكن أن يكون متنكرا حين قدومه من قباء إلى المدينة، كما يقول القسطلاني؟! (1) أو هل يمكن أن يكون قد دخل المدينة ولم يكن معه أحد من أهل قباء، ولا من أهل المدينة وأين كان عنه علي حينئذٍ؟! وألم يكن أهل المدينة قد أتوا زرافات ووحدانا إلى قباء ليتشرفوا برؤيته؟! أو لماذا لم يدل العارفون به أولئك الذين يشتبهون في أمره عليه؟! وثالثاً: لقد كان رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " يكبر أبا بكر، بسنتين وعدة أشهر؛ لأنه " صلى الله عليه وآله وسلم " ولد عام الفيل، وأبو بكر استكمل بخلافته سن رسول لله " صلى الله عليه وآله وسلم "، حيث توفي ـ كما يدعون ـ بسن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عن ثلاث وستين سنة (2). إذن فكيف يصح قولهم: إنه شيخ والنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " شاب. ومما ذكرناه نعرف عدم صحة ما روي عن يزيد بن الأصم ـ المتوفى

ـــــــــــــــ

(1) إرشاد الساري ج 6 ص 214.

(2) المعارف لابن قتيبة ص 75، مدعيا الاتفاق على ذلك، وأسد الغابة ج 3 ص 223، ومرآة الجنان ج 1 ص 65 و 69 ومجمع الزوائد ج 9 ص 60 والإصابة ج 2 ص 341 ـ 344، والغدير ج 7 ص 271 عمن تقدم وعن المصادر الآتية: الكامل لابن الأثير ج 1 ص 185 وج 2 ص 176، وعيون الأثر ج 1 ص 43 والسيرة الحلبية ج 3 ص 396 والطبري ج 2 ص 125 وج 4 ص 47 والإستيعاب ج 1 ص 335، وقال: لا يختلفون أن سنه انتهى حين وفاته ثلاثاً وستين سنة، وسيرة ابن هشام ج 1 ص 205.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 95/

بعد المئة عن 73 سنة ـ من أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال لأبي بكر: أنا أكبر أو أنت؟ قال: لا، بل أنت أكبر مني وأكرم، وخير مني، وأنا أسن منك (1). وأما الاعتذار عن ذلك بأن الشيب كان في وجه أبي بكر ولحيته كثيراً بخلافه " صلى الله عليه وآله وسلم " (2) ـ أو أن أبا بكر كان تاجرا، يعرفه الناس في المدينة عند اختلافه إلى الشام ـ. فلا يصح؛ لأن الشيب وعدمه لا يخفي الشيخوخة والشباب، حتى لقد ورد التعبير في بعض تلك المرويات ب‍ " ما هذا الغلام بين يديك؟ " فما معنى التعبيربالغلام عن رجل يزيد عمره على خمسين سنة. إلا أن يقال: الغلام يطلق على الشيخ والشاب فهو من الأضداد. وأيضاً، فقد روي عن ابن عباس بسند صحيح: أن أبا بكر قال للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": يا رسول الله قد شبت؟ قال شيبتني هود والواقعة والخ. وروى الحفاظ مثله عن ابن مسعود، وعن أبي جحيفة، قالوا: يا رسول الله، نراك قد شبت، قال شيبتني هود وأخواتها (3). وإذا كانت السور المذكورة مكية كما هو معلوم. فيستفاد من ذلك أن الشيب قد بان فيه " صلى الله عليه وآله وسلم " في مكة على خلاف

ـــــــــــــــ

(1) الغدير ج 7 ص 270 عن: الإستيعاب ج 2 ص 226، والرياض النضرة ج 1 ص 127 وتاريخ الخلفاء ص 72 عن خليفة بن خياط، وأحمد بن حنبل وابن عساكر.

(2) فتح الباري ج 7 ص 195، وراجع: الغدير ج 7 ص 260 و 261.

(3) مستدرك الحاكم ج 2 ص 343 وتلخيصه للذهبي هامش نفس الصفحة واللمع لأبي نصر ص 280 وتفسير ابن كثير ج 2 ص 435، والغدير ج 7 ص 261 عنهم وعن: تفسير القرطبي ج 7 ص 1 وتفسير الخازن ج 2 ص 335 وعن جامع الحافظ الترمذي، ونوادر الأصول للحكيم الترمذي، وأي يعلى، والطبراني، وابن أبى شيبة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 96/

الطبيعة، وأسرع فيه، حتى صار الناس يسألونه عنه، وعما أثره (1) ولم يكن مجرد شعرات قليلة لا تلفت النظر، ولا يلتفت إليها. وأما أن أبا بكر كان تاجرا يختلف إلى الشام، فقد تقدم: أنه كان في الجاهلية معلما للأولاد، وبعد ذلك صار خياطا. وكما كان أبو بكر يختلف إلى الشام، فقد كان رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " أيضاً يختلف إلى الشام، وكان التعرف عليه أدعى وأولى، بملاحظة ما كان له من الشرف والسؤدد في قريش والعرب، وكان له في أهل المدينة قرابة أيضاً. هذا، عدا عما أسلفناه من أن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " كان يعرض دعوته على القبائل التي تقدم مكة لعدة سنوات. وأيضاً، فإن صفات النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كانت تدل عليه، وقد وصفته أم معبد لزوجها فعرفه. أما أبو بكر، فقد تقدمت صفته عن عائشة وغيرها في بعض الفصول. وأخيراً، فإن ركوب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وأبي بكر على ناقة واحدة لم نجد له ما يبرره، بعد أن كان لدى كل منهما ناقة تخصه كما تقدم.

رأي العلامة الأميني:

ويرى الأميني قدس سره: أن قضية: أنت أكبر مني وأنا أسن منك تنقل عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " مع سعيد بن يربوع المخزومي، الذي توفي سنة أربع وخمسين عن مئة وعشرين سنة. ويرى أيضاً: أن حجة أبي بكر يوم السقيفة على مخالفيه قد كانت كبر سنه، فحاول محبوه تأييد هذه الدعوى بما ذكرنا من كونه أسن من النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " والنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أكبر

ـــــــــــــــ

(1) الغدير ج 7 ص 261.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 97/

منه، وأن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كان شابا، بل غلاما، لا يعرف!! وأبو بكر كان شيخاً يعرف!! (1)

النفاق في مكة:

وقبل أن نبدأ الحديث عما بعد الهجرة نرى أن من المناسب الإشارة إلى أمر يرتبط بالحياة المكية. والحكم على بعض الظواهر فيها، مع ارتباط له وثيق أيضاً بالحياة في المدينة بعد الهجرة، وهو موضوع: هل كان يوجد في من أسلم قبل الهجرة من المكيين منافقون يبطنون خلاف ما يظهرون أم لم يكن؟! وهل كانت أجواء مكة صالحة لظهور أشخاص من هذا القبيل يعتنقون الإسلام ويبطنون الكفر، أم لا؟!. يقول العلامة الطباطبائي، ما مفاده: إنه ربما يقول البعض: لا، لم يكن في مكة منافقون، إذ لم يكن للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ولا للمسلمين قوة ولا نفوذ، يجعل الناس يهابونهم، ويتقونهم. أو يرجون منهم نفعا ماديا، أو معنويا من نوع ما فلماذا إذن يتقربون لهم ويتزلفون، ولماذا يظهرون لهم الإسلام، مع انطوائهم على خلافه؟. بل كان المسلمون في مكة ضعفاء مضطهدين، معذبين؛ فالمناسب أن يتقي المتقي ـ رغبا أو رهبا ـ من صناديد قريش وعظمائها، لا منهم. وأما في المدينة فقد قوي أمر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وظهر أمر المسلمين، وأصبحوا قوة يمكنها الدفع والمنع، وكان له " صلى الله عليه وآله وسلم " في كل بيت أتباع وأنصار يطيعون أوامره، ويفدونه بكل غال ونفيس. والقلة القليلة الباقية لم يكن يسعهم الإعلان بالخلاف؛

ـــــــــــــــ

(1) الغدير ج 7 ص 271.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 98/

فداروا أمرهم بإظهار الإسلام، وإبطان الكفر ـ على أن يكيدوا ويمكروا بالمسلمين، كلما سنحت لهم الفرصة لذلك. هكذا استدل البعض لإثبات عدم وجود منافقين بين المسلمين الأولين. ولكنه كما ترى كلام لا يصح. وذلك لأن النفاق في مكة كانت له أسبابه، ومبرراته، ومناخاته، ونذكر هنا ما يلي: أولاً: إن أسباب النفاق لا تنحصر فيما ذكر، من الرغبة والرهبة لذي الشوكة، ومنه، إذ أننا كثيراً ما نجد في المجتمعات فئات من الناس مستعدة لقبول أية دعوة، إذا كانت ذات شعارات طيبة، تنسجم مع أحلامهم، وآمالهم، وتعدهم بتحقيق رغائبهم، وما تصبو إليه نفوسهم. فيناصرونها، رغم أنهم في ظل أعتى القوى وأشدها طغيانا، وهم في غاية الضعف والوهن يعرضون أنفسهم لكثير من الأخطار، ويحملون المشاق والمصاعب من أجلها وفي سبيلها. كل ذلك رجاء أن يوفقوا يوماً ما لتحقيق أهدافهم، والوصول إلى مآربهم، التي يحلمون بها، كالعلو في الأرض، والحصول على الثروات، والجاه العريض، وغير ذلك. إنهم يقدمون على كل هذا، مع أنهم ربما كانوا لا يؤمنون بتلك الدعوة إلا بمقدار إيمانهم بضرورة الحصول على تلك المآرب والأهداف الآنفة الذكر. ومن الواضح أن المنافق الطامع الذي من هذا القبيل يكون ـ فيما لو نجحت الدعوة ـ أشد خطرا على تلك الدعوة من أعتى أعدائها؛ لأنه إذا وجد أن الدعوة لا تستطيع أن تمنحه كل ما يريد ـ ولو لاقتضاء المصلحة لذلك، فإنه سوف يمكر ويغدر، (1) كما أنه يكون هو الأقدر على

ـــــــــــــــ

(1) راجع: تفسير الميزان ج 19 ص 289.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 99/

الانحراف بهذه الدعوة، وإخراجها عن نهجها القويم، وصراطها المستقيم إلى المتاهات التي يستطيع في ظلماتها وبهمها أن يحصل على ما يريد دون راع أو وازع، وهو الذي يملك كل المبررات لذلك. مهما كانت سقيمة وتافهة. وأما إذا فشلت الدعوة: وكان قد أحكم أمره؛ فإنه يستطيع أن يقول لمن هم على شاكلته: إنا كنا معكم؛ إنما  نحن مستهزؤون. فإنه إذا كان النفاق في المدينة قد كان في أكثره لدوافع أمنية، أو للحفاظ على المصالح والعلاقات المعينة. ـ فإن النفاق المكي. لسوف يكون أعظم خطرا، وأشد محنة وبلاء على الإسلام والمسلمين، حسبما أوضحنا آنفاً ـ. وعلى هذا، فإن من القربب جداً... أن يكون بعض من اتبع النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في مكة لم يكن مخلصا للدعوة، وإنما كان مخلصا لنفسه فقط لا سيما إذا لاحظنا: أن دعوة الرسول قد كانت مقترنة من أول يوم بدئها بالوعود القاطعة، بأن حامليها لسوف يكونون ملوك الأرض، ولسوف يملكون كنوز كسرى وقيصر (1). ـ فقد سأل عفيف الكندي العباس بن عبد المطلب عما يراه من صلاة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وعلي وخديجة " عليه السلام "، فقال له العباس: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، زعم أن الله أرسله، وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح على يديه. فكان عفيف يتحسر على أن لم يكن أسلم يومئذ، ليكون ثانياً لعلي " عليه السلام " في الإسلام (2). وحينما سأله عمه أبو طالب عن سبب شكوى قومه منه، قال " صلى

ـــــــــــــــ

(1) أشار إلى هذا أيضاً العلامة الطباطبائي في الميزان ج 19 ص 289.

(2) ذخائر العقبي ص 59، ودلاءل النبوة ج 1 ص 416، ولسان الميزان ج 1 ص 395 وعن أبي يعلى، وخصائص النسائي، والكامل لابن الأثيرج 2 ص 57 ط صادر، وتاريخ الطبري ج 2 ص 57 وراجع: حياة الصحابة ج 1 ص 33.  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 100/

الله عليه وآله وسلم ": إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها، تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية (1). وينقل عنه " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال لبكر بن وائل، حينما كان يعرض دينه على القبائل: فتجعلون لله عليكم إن هو أبقاكم حتى تنزلوا منازلهم، وتستنكحوا نساءهم، وتستعبدوا أبناءهم الخ.. وقال قريبا من هذا لشبيان بن ثعلبة، ومثل ذلك قال أيضاً حينما أنذر عشيرته الأقربين (2) بل إن مما يوضح ذلك بشكل قاطع، ما قاله أحد بني عامر بن صعصعة لما جاء رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " يعرض عليهم قبول دعوته: " والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب ". وقد تقدم بعض المصادر لذلك. ثم إنه إذا كان هذا النفاق يهدف إلى استخدام الدعوة لأهداف شخصية، فهو بالتالي مضطر إلى الحفاظ على هذه الدعوة بمقدار اضطراره إلى الحفاظ على مصالحه وأهدافه تلك، ما دام يرى، أو يامل منها أن تتمكن من تحقيق ما يتمناه، وتوصله إلى أهدافه التي يرجوها. وهكذا يتضح: أنه ليس من الضروري أن يكون المنافق مهتما بالكيد للدعوة التي لا يؤمن بها، والعمل على تحطيمها وإفسادها، بل ربما يكون حريصا عليها كل الحرص، يفديها بالمال والجاه ـ لا بالنفس ـ إذا

ـــــــــــــــ

(1) سنن البيهقي ج 9 ص 88 ومستدرك الحاكم ج 2 ص 432، وصححه هو والذهبي في تلخيصه، وتفسير ابن كثيرج 4 ص 28، وحياة الصحابة ج 1 ص 33 عن الترمذي، وتفسير الطبري، وأحمد، والنسائي، وابن أبي حاتم.

(2) راجع: الثقات ج 1 ص 88 والبداية والنهاية ج 3 ص 140 وراجع ص 142 و 145 عن دلائل النبوة لأبي نعيم والحاكم والبيهقي وحياة الصحابة ج 1 ص 72 و 80 عن البداية والنهاية وعن كنز العمال ج 1 ص 277.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 101/

كان يأمل أن يحصل على ما هو أعلى وأغلى فيما بعد، ويمكن ملاحظة ذلك بسهولة في بعض مسلمي مكة، الذين كانوا يواكبون الدعوة ويعاونونها ما دام لم تصل النوبة إلى التضحية بالنفس والموت، فإذا كان ذلك فإنهم يفرون، وينهزمون، ويتركون النبي وشأنه، وقد رأينا ذلك في كثير من المواقف. نعم ربما يتمكن الدين تدريجيا من نفوس بعضهم، وتحصل لهم قناعة تدريجية به، ولسوف نشير إلى ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى، ولربما حين الكلام على غزوة أحد. وخلاصة الأمر: أن الميزان لدى البعض هو أهدافه هو؛ فما دامت الدعوة في خدمتها فهو معها، وأما إذا وجد أنها سوف تكون عقبة في طريقها، وتشكل خطراً عليها فإنه لايألو جهدا ولا يدع وسيلة في الكيد لها، والعمل على هدمها وتحطيمها. وثانياً: ما أشار إليه العلامة الطباطبائي أيضاً: أنه لا مانع من أن يسلم أحدهم في أول البعثة، ثم يعرض له ما يزلزل إيمانه، ويرتاب، ويرتد عن دينه، ولكنه يكتم ذلك، حفاظا على بعض المصالح الهامة بنظره كالخوف من شماتة أعدائه، أو حفاظاً على بعض علاقاته القبلية، أو التجارية، أو للعصبية والحمية، وغيرها مما يربطه بالمسلمين أو ببعضهم، أو للحفاظ على جاه من نوع معين، أو أي شيء آخر بالنسبة إليه (1) ولربما يشهد لذلك: أننا قد رأينا البعض يعترف أنه كان كثيراً ما يشك في هذا الأمر، حتى اعترف في الحديبية أنه ارتاب ارتياباً لم يرتبه منذ أسلم (2) وفي غزوة أحد، حينما سمعوا انه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد قتل فروا من المعركة، وقال بعضهم: " نلقي إليهم بأيدينا،

ـــــــــــــــ

(1) تفسير الميزان ج 19 ص 289.

(2) مغازي الواقدي ج 2 ص 607.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 102/

فإنهم قومنا وبنو عمنا " (1). وثالثاً: وقد أشار العلامة الطباطبائي أيضاً إلى بعض الآيات الدالة على وجود النفاق في مكة، وذلك كقوله تعالى: (ويقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً) (2) حيث قد وردت هذه الآية في سورة المدثر وهي مكية، وكذا قوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمناً بالله؛ فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن: إنا كنا معكم؛ أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين* وليعلمن الله الذين آمنوا، وليعلمن المنافقين) (3). فإن سورة العنكبوت مكية أيضاً. والآية مشتملة على حديث الإيذاء والفتنة في الله، وذلك إنما  كان في مكة لا في المدينة. وقوله تعالى: (ولئن جاء نصر من ربك) لا يدل على نزول الآية في المدينة لأن النصر له مصاديق ومراتب كثيرة. وأضيف هنا: أن الله تعالى إنما  يحكي حالة المنافقين المستقبلية بشكل عام. ثم قال: العلامة الطباطبائي احتمال أن يكون المراد بالفتنة ما وقع بمكة بعد الهجرة، غير ضائر؛ فإن هؤلاء المفتونين بمكة بعد الهجرة إنما  كانوا من الذين آمنوا بالنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قبل الهجرة، وإن أوذوا بعدها (4).

ـــــــــــــــ

(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 227، وبقية الكلام على هذا مع مصادره يأتي إن شاء الله تعالى في غزوة أحد.

(2) المدثر/3.

(3) العنكبوت/1.

(4) راجع: تفسير الميزان ج 20 ص 90/91.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 103/

ملاحظة هامة على ما تقدم:

هذا، ويلاحظ العلامة الطباطبائي أخيراً: أننا لم نزل نسمع ذكرا للمنافقين إلى حين وفاة الرسول الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " وقد تخلف عنه " صلى الله عليه وآله وسلم " في تبوك أكثر من ثمانين منهم، وانخذل ابن أبي في أحد في ثلاثمائة. ثم انقطعت أخبارهم عنا مباشرة، ولم نعد نسمع عن دسائسهم، ومكرهم، ومكائدهم للإسلام وللمسلمين شيئاً، فهل انقلبوا بأجمعهم ـ بمجرد وفاته " صلى الله عليه وآله وسلم " ـ عدولا أتقياء وأبرارا أوفياء؟! وإذا كان كذلك، فهل كان وجود النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " فيما بينهم مانعا لهم من الإيمان؛ وهو الذي أرسله الله رحمة للعالمين؟! نعوذ بالله من التفوه بالعظائم، وبما يسخط الرب. أم أنهم ماتوا باجمعهم، وهم يعدون بالئات بمجرد موته " صلى الله عليه وآله وسلم "؟ وكيف لم ينقل لنا التاريخ ذلك؟! أم أنهم وجدوا في الحكم الجديد ما يوافق هوى نفوسهم، ويتلاءم مع أهوائهم، ومصالحهم؟! أم ماذا؟! ماهى الحقيقة؟! لست أدري! ولعل الذكي يدري.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 104/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 105/

الفصل السابع:
حتى المدينة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 106/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 107/

بداية:

وفي المدينة بدأت عملية بناء المجتمع الإسلامي، وإرساء قواعد الدولة، والتخطيط لنشر الإسلام في مختلف أرجاء العالم. وانتقلت الدعوة من مرحلة بناء الفرد إلى مرحلة بناء المجتمع. وتطبيق الإسلام عقيدة وشريعة، ومحو كل آثار الجاهلية في العالم أجمع. وإذا أردنا أن نلم بكل الخطوات التي خطاها القائد الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " في سبيل ذلك، فاننا لن نتمكن الآن من استقصاء ذلك ولسوف يصرفنا عن متابعة الأحداث الرئيسة في السيرة العطرة، ولذا فنحن نترك هذا المجال للآخرين، مكتفين بالتعرض إلى ما يهم الباحث التعرض له ابتداء، من دون تركيز على الجزئيات والتفاصيل إلا بالمقدار الذي نراه لازما ومقبولا، فنقول:

غناء أهل المدينة، والنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " يرقص  بأكمامه:

ويذكرون: أن أهل المدينة ما فرحوا بشيء فرحهم برسول  الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وعن عائشة: لما وصل " صلى الله عليه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 108/

وآله وسلم " المدينة صارت النساء والولائد يقلن:

طلع       البدر         علينا       من         ثنيات        الوداع

وجب      الشكر        علينا       ما          دعا      لله    داع

أيها        المبعوث      فينا        جئت       بالأمر      المطاع

فعدل ذات اليمين، حتى نزل بقباء. (1) وفي رواية: فجعل رسول الله يرقص بأكمامه (2). وبعد أن مكث في قباء أياما، وتوجه إلى داخل المدينة، خرجت نساء من بني النجار بالدفوف يقلن: نحن نساء من بني النجار ياحبذا محمد من جار فقال لهن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": أتحباني؟ قلن: نعم، يا رسول الله، فقال: والله وأنا أحبكن، قالها ثلاثاً (3). قال الحلبي: " وهذا دليل واضح لسماع الغناء على الدف لغير العرس (4) ". واستدل ابن كثير برواية الصحيحين الآتية على جواز الغناء في

ـــــــــــــــ

(1) تاريخ الخميس ج 1 ص341/342 عن الرياض النضرة، والسيرة الحلبية ج 2 ص 54، ودلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 233، ووفاء الوفاء للسمهودي ج 1 ص 244 وج 4 ص 1172 و 1262 وفتح الباري ج 7 ص 204.

(2) نهج الحق الموجود في دلائل الصدق ج 1 ص 389، ولم يعترض عليه فضل بن روزبهان، بل حاول توجيهه وتأويله.

(3) وفاء الوفاء ج 1 ص 263، وفتح الباري ج 7 ص 204، ودلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 234 و 235، وتاربخ الخميس ج 1 ص 341، والسيرة الحلبية ج 2 ص 61 والبداية والنهاية ج 3 ص 200.

(4) السيرة الحلبية ج 2 ص 61.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 109/

الأعراس ولقدوم الغياب (1).

المناقشة:

ولكن ذالك لا يصح: وذالك لما يلى:

1 ـ ثنية الوداع من جهة الشام:

إن ثنيات الوداع ليست من جهة مكة بل من جهة الشام،لا يراها القادم من مكة الى المدينة ،ولايمر بها إلا إذا توجه الى الشام (2). وذكر السمهودي: أنه يوجد مسجد على يسار الداخل إلى المدينة المنورة من طريق الشام (3). بل هو يقول: " ولم أر لثنية الوداع ذكرا في سفر من الأسفار التى بجهة مكة (4). " والظاهر أن مستند من جعلها من جهة مكة ما سبق من قول النسوة، وأن ذلك عند القدوم من الهجرة " (5). ويدل على كون ثنية الوداع من جهة الشام خيبر، ما ورد في قدوم النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وخروجه، من وإلى تبوك وحين قدم من خيبر، ومن الشام وإلى مؤته، وغزوة العالية، والغابة، وكذا ما ورد عنه في حديث السباق في أمد الخيل المضمرة. (6).

ـــــــــــــــ

(1) البداية ونهاية ج 1 ص 276.

(2) زاد المعاد ج 3 ص 10 وراجع: وفاء الوفاء للسمهودي ج 4 ص 1170 والتراتيب الإدارية ج 2 ص 130.

(3) وفاء الوفاء ج 3 ص 845.

(4) و (5) وفاء الوفاء ج 4 ص 1172.

(6) وفاء الوفاء ج 4 ص 1168 و 1169 و 1172 وج 3 ص 857 و 858 عن البخاري، وابن أبي شيبة، والطبراني في الأوسط، وأبي يعلى، وابن حبان، وابن إسحاق، وابن سعد والبيهقي الخ. وراجع حياة الصحابة ج 1 ص 603 و 207 والسنن الكبرى ج 9 ص 175 و 85.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 110/

وحاول السمهودي تصحيح ما تقدم: بأنهم قد ذكروا أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد مر بدور الأنصار، حين قدم المدينة من قباء، حتى مر بدور بني ساعدة وإنما هي في شامي المدينة، فلم يدخل باطن المدينة إلا من تلك الناحية (1). وهو كلام عجيب فإن مروره في دور بني ساعدة لا يقتضي دخول المدينة من ناحيتهم؛ إذ يمكن أن يدخلها من جهة قباء، ثم تجول به ناقة في دور الأنصار، كما هو صريح ما ذكره، حتى تصل إلى دور بني ساعدة. كما أن احتماله هذا يدفعه تصريحهم في رواية: طلع بدر علينا. بأنهم لاقوه بهذا الشعر، ثم عدل بهم ذات اليمين إلى قباء، كما تقدم، فإن هذا إنما  يتانسب مع قدومه من مكة إلى مدينة، لا من قباء إلى المدينة، كما يقول السمهودي. فالصحيح هو أنهم قد لا قوه بهذا الشعر حينما قدم من تبوك لا من مكة كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.

2 ـ استدلال عجيب:

إن استدلال الحلبي بتلك الرواية على تجويز الغناء عجيب، وغريب؛ فإن الرواية لا تتضمن إلا أنهم قد أنشدوا الشعر لمقدمه، ولم يكن يصاحب ذلك شيء من المحرمات، بل لم تذكر الرواية: أنه كان هناك ترجيع أم لا. وإنشاد الشعر ليس بحرام؛ ولهذا قال بعضهم: " وتعلق أرباب الغناء الفسقى به (أي برواية: طلع البدر) كتعلق من يستحل شرب الخمر المسكر قياسا على اكل العنب، وشرب العصير الذى لا يسكر، ونحو هذا

ـــــــــــــــ

(1) راجع وفاء الوفاء ج 4 ص 1170.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 111/

من القياسات، التي تشبه قياس الذين قالوا: إنما  البيع مثل الربا " (1). ولو سلم حرمة سماع صوت الأجنبية، فلا دليل على أن ذلك كان قد شرع حينئذٍ، فإن كثيراً من الأحكام كانت تشرع تدريجا. كما قالوه في الخمر مثلاً. كما أنه لادليل على وجود من يحرم سماع صوته في المنشدين. ولو سلم، فلعل لم يكن بالإمكان منعهم في ظرف كهذا. أو لا يمكن تبليغهم الحكم الشرعي حينئذٍ؛ فسكوت النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عنهم لعله لمصلحة اقتضت السكوت، ولا يدل ذلك على إمضائه لفعلهم ذاك.

3 ـ ترقيص الأكمام:

وأما ترقيص أكمامه " صلى الله عليه وآله وسلم "، فهو ينافي المروة كما اعترف به فضل بن روزبهان (2). ويقول العلامة المظفر " رحمه الله ": " إن هذا العمل سفه ظاهر، وخلاعة بينة، ومن أكبر النقص بالرئيس، وأعظم منافيات الحياء والمروة في تلك الأوقات وأشد المباينات للرسالة، لإرشاد الخلق، بتهذيبهم عن السفه والنقائص، وتذكيرهم بمقربات الآخرة " (3). هذا، مع غض النظر عن نواهيه " صلى الله عليه وآله وسلم " القاطعة عن كل لهو وغناء، ورقص وسنشير في ما يلي إلى بعض من ذلك إن شاء الله. وبعد ما تقدم، فإننا نعرف ما في الاستدلال بالرواية الأخرى حول غناء نساء بني ساعدة، وضربهم بالدفوف حين استقباله.

ـــــــــــــــ

(1) زاد المعاد لابن القيم ج 3 ص 17/18.

(2) و (3) راجع: دلائل الصدق ج 1 ص 390 و 393 على الترتيب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 112/

ولا بأس بعرض كل ما استدلوا به على حلية الغناء والرقص، ثم مناقشته، ثم طرح القول الحق في المسالة مع بعض أدلته، فنقول:

أدلة حلية الغناء:

وقد استدل على حلية الغناء والرقص، بالإضافة إلى ما تقدم ب‍: 1 ـ قول الحلبي: " عن أبي بشير: إن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " مر وأبا بكر بالحبشة، وهم يلعبون، ويرقصون، ويقولون: يا أيها الضيف المعرج طارقا. إلى أن قال: ولم ينكر عليهم. وبه استدل أئمتنا على جواز الرقص، حيث خلا عن التكسر؛ فقد صحت الأخبار، وتواترت الآثار بإنشاد الأشعار بين يديه " صلى الله عليه وآله وسلم "، بالأصوات الطيبة، مع الدف وبغيره، وبذلك استدل أئمتنا على جواز الضرب بالدف، ولو فيه جلاجل (1) " 2 ـ عن بريدة: خرج رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " في بعض مغازيه؛ فلما انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت: إني كنت نذرت: إن ردك الله صالحا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال " صلى الله عليه وآله وسلم ": إن كنت نذرت فاضربي، وإلا فلا، فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر، وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر، فألقت الدف تحت أستها، ثم قعدت عليها، فقال " صلى الله عليه وآله وسلم ": " إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالسا وهي تضرب، ثم دخل أبو بكر وهي تضرب الخ (2) ".

ـــــــــــــــ

(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 62.

(2) أسد الغابة ج 4 ص 64، ونوادر الأصول للحكيم الترمذي ص 58، ومسند أحمد =

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 113/

3 ـ عن جابر، قال: دخل أبو بكر على رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " وكان يضرب بالدف عنده، فقعد ولم يزجر، لما رأى من رسول الله، فجاء عمر (رض) فلما سمع رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " صوته كف عن ذلك. فلما خرجا قالت عائشة: يا رسول الله، كان حلالاً فلما دخل عمر صار حراماً؟ فقال: يا عائشة، ليس كل الناس مرخى عليه (1). 4 ـ روى البخاري ومسلم وغيرهما، عن عائشة: دخل علي رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث ـ وعند مسلم؛ تغنيان وتضربان ـ فاضطجع على الفراش، وحول وجهه. ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "؟ فاقبل عليه رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فقال: دعهما. وفي رواية لمسلم: دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد (2). وزاد في بعض النصوص ـ كما في البخاري ـ وليستا بمغنيتين. 5 ـ في رواية: أن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " استدعى

ـــــــــــــــ

= ج 5 ص 353 و 354 باختلاف ودلائل الصدق ج 1 ص 390/291 عن الترمذي ج 2 ص 293 وصححه هو والبغوي في مصابيحه وليراجع: الغدير ج 8 ص 64/65. والسيرة الحلبية ج 2 ص 62 وسنن البيهقي ج 10 ص 77 والتراتيب الإدارية ج 2 ص 131.

(1) نيل الأوطارج 8 ص 271 ونوادر الأصول للحكيم الترمذي ص 138، والغدير ج 8 ص 64/65 عن مشكاة المصابيح ص 55 وبعض من تقدم.

(2) صحيح البخاري ج 1 ص 111 ط الميمنية، وصحيح مسلم ج 3 ص 22 ط مشكول، والسيرة الحلبية ج 2 ص 61 ـ 62 وهامش إرشاد الساري ج 4 ص 195 ـ 197 ودلائل الصدق ج 1 ص 389 وسنن البيهقي ج 10 ص 224، واللمع لأبي نصر ص 274. والبداية والنهاية ج 1 ص 276 والمدخل لابن الحاج ج 3 ص 109 والمصنف ج 11 ص 4 وراجع: تهذيب تاريخ دمشق ج 2 ص 412.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 114/

عائشة لترى حبشية ترقص، فجاءت فوضعت لحيها على منكب رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وجعلت تنظر، فقال " صلى الله عليه وآله وسلم " لها: أما شبعت؟ أما شبعت؟ أما شبعت؟ وهي تقول: لا، لتنظر منزلتها عنده؛ إذ طلع عمر، فارفض الناس عنها؛ فقال " صلى الله عليه وآله وسلم ": إني لأنظر شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر (1). 6 ـ عن ابن عباس: إن أصحاب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " جلسوا سماطين، وجارية معها مزهر تغنيهم وتقول:

هل        علي         ويحكم              إن       لهوت     من       حرج

فتبسم " صلى الله عليه وآله وسلم " وقال: لاحرج إن شاء الله تعالى (2). 7 ـ عن الربيع بنت معوذ: إنها لما زفت إليه " صلى الله عليه وآله وسلم " دخل عليها، وجلس، وجويريات يضربن بالدف، يندبن من قتل من آبائها في بدر، حتى قالت أحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال " صلى الله عليه وآله وسلم ": لا تقولي هكذا، وقولي ماكنت تقولين (3). 8 ـ في روايةنه " صلى الله عليه وآله وسلم " كان جالسا وعنده جوار يغنين ويلعبن ؛ فجاء عمر، فاستأذن؛ فأسكتهن رسول الله " صلى الله

ـــــــــــــــ

(1) دلائل الصدق ج 1 ص 390، والتاج الجامع للأصول ج 3 ص 314، والغدير ج 8 ص 65 عن صحيح الترمذي ج 2 ص 294، وصححه وعن مصابيح السنة ج 2 ص 271، وعن مشكاة المصابيح ص 550 وعن الرياض النضرة ج 2 ص 208 وحياة الصحابة ج 2 ص 760/761 عن منتخب كنز العمال ج 4 ص 393 عن ابن عساكر وابن عدي، والمشكاة ص 272. عن الشيخين.

(2) السيرة الحلبية ج 2 ص 61 والتراتيب الإدارية ج 2 ص 131/132 عن العقد الفريد وغيره. وتهذيب تاريخ دمشق ج 4 ص 136

(3) البخاري بهامش فتح الباري ج 7 ص 244.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 115/

عليه وآله وسلم " حتى قضى حاجته وخرج، فسألته عن هذا الذي كلما دخل قال " صلى الله عليه وآله وسلم ": اسكتن، وكلما خرج قال " صلى الله عليه وآله وسلم ": عدن إلى الغناء، فقال " صلى الله عليه وآله وسلم ": هذا رجل لا يؤثر سماع الباطل (1). 9 ـ في رواية: أن امرأة دخلت على عائشة، فقال " صلى الله عليه وآله وسلم ": يا عائشة أتعرفين هذه؟ قالت: لا يا نبي الله. قال: هذه قينة بني فلان، تحبين أن تغنيك؟ قالت: نعم فأعطاها طبقا فغنتها. فقال " صلى الله عليه وآله وسلم ": قد نفخ الشيطان في منخريها (2). وعن ابن أبي أوفى: استأذن أبو بكر (رض) على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وجارية تضرب بالدف فدخل. ثم استأذن عمر (رض) فدخل. ثم استأذن عثمان (رض) فأمسكت. فقال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": إن عثمان رجل حيي (3). ويقول شاعر النيل ـ محمد حافظ إبراهيم ـ كما هو موجود في ديوانه، في مقام عده لفضائل الخليفة الثاني:

أخاف حتى الذراري في ملاعبها                       وراع حتى الغواني في ملاهيها

أرأيت تلك التي لله قد نذرت                           أنشودة لرسول الله تهديها

قالت: نذرت لئن عاد النبي لنا                        من غزوة لعلى دفي أغنيها

ويممت حضرة الهادي وقد ملأت                       أنوار طلعته أرجاء واديها

واستأذنت ومشت بالدف واندفعت                      تشجي بألحانها ما شاء مشجيها

والمصطفى وأبو بكر بجانبه                           لا ينكران عليها ما أغانيها

حتى إذا لاح عن بعد لها عمر                          خارت قواها وكاد الخوف يرديها

وخبأت دفها في ثوبها فرقاً                              منه وودت لون الأرض تطويها

ـــــــــــــــ

(1) نهج الحق في ضمن دلائل الصدق ج 1 ص 402 عن الغزالي.

(2) مسند أحمد ج 3 ص 449.

(3) مسند أحمد ج 4 ص 353 و 354.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 116/

قد كان علم رسول الله يؤنسها                           فجاء بطش أبي حفص يخشيها

فقال مهبط وحي الله مبتسما                             وفي ابتسامته معنى يواسيها

قد فر شيطانها لما رأى عمراً                             إن الشياطين تخشى بأس مخزيها

كان ذلك هو عمدة ما استدل به القوم لحلية الغناء. ونحن نرى أنه كله لا يسمن ولا يغني من جوع ولتوضيح ذلك نقول:

نقض أدلة حلية الغناء:

وما دمنا بصدد الحديث عما في تلك الروايات من الوهن والضعف فإننا نرى لزاماً علينا أن نغض النظر عن التكلم في أسانيدها؛ فإن ذلك حديث يطول ولربما يتخيل البعض: أنه ليس لأحد الحق في الخدشة فيما في الصحاح، ولا سيما صحيحي البخاري ومسلم، وبعض ما تقدم موجود فيهما. ونحن وإن كنا نعتقد أن هذا خيال باطل، وقد تكلم فيه العلماء وفندوه بما لا مزيد عليه (1). إلا أننا ـ مع ذلك نغض الطرف هنا عن البحث في الأسانيد، استجابة لرغبة هؤلاء، وتجاوباً مع عاطفتهم. ونعطف النظر إلى البحث في المضمون. فنقول: أولاً: إن نصوص بعض تلك الروايات متناقضة كثيراً، ولا سيما الرواية المتقدمة تحت رقم 2 والرواية التي تحت رقم 4 التي عن الصحيحين وغيرهما. ثانياً: إن الكثير من هذه الروايات تدل على حرمة الغناء، لا على حليته؛ فمثلاً:

ـــــــــــــــ

(1) راجع أضواء على السنة المحمدية، والعتب الجميل، والغدير، وغير ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 117/

1 ـ قوله في الرواية رقم 2: " إن الشيطان ليخاف ـ أو ليفرق ـ منك يا عمر " يدل على الحرمة، إذ لو كان مباحا ـ ولا سيما إذا كان وفاء للنذر ـ لم يصح منه " صلى الله عليه وآله وسلم " تهجين عملها، واعتباره من الشيطان. 2 ـ والرواية رقم 3 تدل على ذلك بملاحظة اعتراض عائشة وجوابه " صلى الله عليه وآله وسلم " لها. 3 ـ في الرواية الرابعة اعتبر ذلك من مزامير الشيطان، ومعنى ذلك: أنه حرام ومرجوح، فيرد سؤال: لماذا يرتكب النبي أمرا هذه صفته؟!. أجاب ابن روزبهان: إنه فعله لضرورة التشريع. ولكنه كلام لا يصح، إذ قد كان من الممكن الاكتفاء بالتشريع بالقول، فإنه أخف وأيسر. وأيضاً لو صح ذلك لاقتضى أن يفعل ذلك أمام عامة الناس، لا أن يجلس في بيته وحده ويستمع. ثم كيف يتصور حلية ما يعتبره العقلاء من مزامير الشيطان؟!. 4 ـ وفي الرواية الخامسة: قال " صلى الله عليه وآله وسلم ": إني لأنظر شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر. فإذا كان ذلك مجمعا للشياطين، فلا بد أن يكون حراماً لا حلالاً. 5 ـ في الرواية الثامنة قال " صلى الله عليه وآله وسلم ": " هذا رجل لا يؤثر سماع الباطل "؛ فما هو حلال أو مكروه لا يوصف بالباطل. 6 ـ في الرواية الأخيرة قال " صلى الله عليه وآله وسلم " عن المغنية: " قد نفخ الشيطان في منخريها " وهو يدل على الحرمة أيضاً. حيث جعل الغناء من نفخ الشيطان، ولا ينفخ الشيطان ما هو حلال.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 118/

ثالثاً: لابد أن نسأل: ما هذا الشيطان الذي يخاف أو يفرق من عمر، ولا يخاف من رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "؟ وكيف ينعقد النذر لشيء يكون فيه شيطان يفرق من عمر؟ مع أنه يشترط في النذر كون متعلقه طاعة وراجحاً، أو على الأقل أن لا يكون مرجوحا، كما لا يخفى على من راجع أبواب النذر في كتب الحديث، كالبيهقي، والترمذي، وغير ذلك. وكيف يؤثر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " سماع الباطل، ولا يؤثره عمر؟! وكيف أصبح عمر هنا أشد التزاما من الرسول الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم "؟!. وكيف تكون تلك القينة قد نفخ الشيطان في منخريها، ثم يعرض " صلى الله عليه وآله وسلم " على عائشة أن تسمع غناءها؟ وهل تصدر مثل هذه المتناقضات عن عاقل؟ فضلاً عن نبي معصوم؟!. وكيف يتستر هذا النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في بعض أعماله عن البعض، ويعتبر أن اطلاعه عليه هتك للستر المرخى، وموجب للحط من كرامته وشأنه، ولا يتستر بها عن البعض الآخر؟! ألا يدلنا ذلك على أنها من الأعمال القبيحة، أو على الأقل غير اللائقة!!. وأبو بكر نراه يزجر عن الغناء في رواية، ولكنه لا يزجر عنه في رواية أخرى، بل عمر هو الذي يزجر!!. رابعاً: كيف يدعو " صلى الله عليه وآله وسلم " عائشة لتنظر إلى لعب السودان بالدرق والحراب وخده على خدها، وهو يشجعهم بقوله: دونكم يا بني أرفدة (1)؟!. أفلا ينافي ذلك ما هو معروف عنه " صلى الله عليه وآله وسلم " من الحياء؟ حتى لقد كان أشد حياء من العذراء في خدرها كما ورد، وهل هذا يناسب من يعتبر الحياء من الإيمان، ومن كان

ـــــــــــــــ

(1) البخاري ط الميمنية ج 1 ص 111.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 119/

ضحكه التبسم؟!. وهل ينسجم مع منعه لزوجتيه من النظر إلى الأعمى، وقال لهما: أفعمياوان أنتما؟! ألستما تبصرانه (1)؟! خامساً: ما هي المناسبة بين الضرب بالدف، وبين رثاء قتلى بدر؟ وهل إن سكوت النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عن هذا الأمر كما في الرواية الأولى ـ لو صحت ـ يدل على رضاه به؟! ولا سيما إذا كان الأمر مما يحتاج إلى التدرج في المنع. ومن قال: إن هؤلاء الذين كانوا يفعلون ذلك كانوا يحترمون أوامره " صلى الله عليه وآله وسلم "؟ بل لم يثبت كونهم من المسلمين. سادساً: وأخيراً، إن لدينا روايات كثيرة جداً صريحة في حرمة الغناء، وهي متواترة بلا ريب، ونحن نكتفي منها بذكر ما يلي: 1 ـ عنه " صلى الله عليه وآله وسلم ": ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الخمر، والحرير، والمعازف (2). 2 ـ عن أنس مرفوعاً: صوتان ملعونان فاجران: أنهى عنهما، صوت مزمار، ورنة شيطان عند نغمة مرح، ورنة عند مصيبة. وفي لفظ عبد الرحمن بن عوف: إنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: إنما  نهيت عن صوتين أحمقين، فاجرين: صوت عند نغمة لهو، ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة الخ.

ـــــــــــــــ

(1) راجع: مسند أحمد ج 6 ص 296، وطبقات ابن سعد ومصابيح البغوي، ط دار المعرفة ج 2 ص 408 والجامع الصحيح ج 5 ص 102 وسنن أبي داود ج 4 ص 63/64.

(2) سنن البيهقي ج 10 ص 221 عن البخاري في الصحيح، والغديرج 18 ص 70 وعنه عن تفسير الآلوسي ج 21 ص 76، وقال: أخرجه أحمد، وابن ماجة، وأبو نعيم، وأبو داود بأسانيدهم صحيحة لا مطعن فيها، وصححه جماعة آخرون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 120/

ومثل ذلك عن الحسن (1). 3 ـ عن عمر بن الخطاب: ثمن القينة سحت، وغناؤها حرام، والنظر إليها حرام، وثمنها من ثمن الكلب، وثمن الكلب سحت (2). 4 ـ الدف حرام، والمعازف حرام، والكوبة حرام، والمزمار حرام. (3) 5 ـ عن ابن عباس، وأنس، وأبي أمامة، مرفوعاً: ليكونن في هذه الأمة خسف، وقذف، ومسخ. وذلك إذ شربوا الخمور، واتخذوا القينات، وضربوا بالمعازف (4). 6 ـ عن أنس، وأبي أمامة مرفوعاً: بعثني الله رحمة للعالمين، وبعثني بمحق المعازف والمزامير، وأمر الجاهلية (5). 7 ـ عن أبي هريرة مرفوعاً: يمسخ قوم في آخر الزمان قردة وخنازير، فسألوه " صلى الله عليه وآله وسلم " عن سر ذلك، فقال: اتخذوا المعازف، والد فوف، والقينات، الخ. وروى نحوه من طريق: عبد الرحمن بن سابط، والغازي بن ربيعة

ـــــــــــــــ

(1) راجع فيما تقدم: المصنف ج 11 ص 6 ونيل الأوطار ج 8 ص 268، وتفسير الشوكاني ج 4 ص 236 والدر المنثور ج 5 ص 160 والغديرج 8 ص 69 عنهم ما عدا الأول وعن: كنز العمال ج 7 ص 333، ونقد العلم والعلماء لابن الجوزي ص 248، وتفسير القرطبي ج 14 ص 530.

(2) نيل الأوطار ج 8 ص 264، وإرشاد الساري ج 9 ص 163 عن الطبراني والغدير ج 8 ص 69 ـ 70 عنهما.

(3) سنن البيهقي ج 10 ص 222.

(4) الدر المنثور ج 2 ص 324 والغدير ج 8 ص 70 عنه وعن تفسير الآلوسي ج 21 ص 76 ورواه الطبراني، وأحمد وابن أبي الدنيا.

(5) جامع بيان العلم ج 1 ص 153 ونيل الأوطار ج 8 ص 262 والدر المنثور ج 2 ص 324 والغدير ج 8 ص 70 ـ 71 عنهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 121/

وصالح بن خالد، وأنس بن أبي أمامة، وعمران بن حصين (1). 8 ـ أخرج الترمذي من حديث علي مرفوعاً: إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء (فذكر منها): إذا اتخذت القينات والمعازف. ومثله عن أبي هريرة (2). 9 ـ عن صفوان بن أمية، كنا عند النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إذ جاء عمر بن قرة، فقال: يا رسول الله، إن الله كتب علي شقوة، فلا أنال الرزق إلا من دفي بكفي؛ فأذن لي في الغناء من غير فاحشة. فقال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة. كذبت أي عدو الله، لقد رزقك الله طيباً؛ فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله. أما إنك لو قلت بعد هذه المقالة لضربتك ضرباً وجيعاً (3). وعلق الحلبي على هذه الرواية بقوله: " إلا أن يقال: إن هذا النهي ـ إن صح ـ محمول على من يتخذ ضرب الدف حرفة، وهو مكروه تنزيها، وقوله: اخترت ما حرم الله عليك للمبالغة في التنفيرعن ذلك (4) ". ولكن قد فات الحلبي: أنه إذا كان اتخاذه حرفة مكروهاً تنزيهاً؛ فلماذا يتهدده بالضرب الوجيع؟!.

ـــــــــــــــ

(1) الدر المنثور ج 2 ص 324، واخرجه ابن أبي الدنيا، وابن أبي شيبة، وابن عدي، والحاكم، والبيهقي، وأبو داود، وابن ماجة والمدخل ج 3 ص 105 والغدير ج 8 ص 71.

(2) نيل الأوطار ج 8 ص 263 والمدخل ج 3 ص 105 والغدير ج 8 ص 71 عنه وعن: نقد العلم والعلماء لابن الجوزي ص 249، وتفسير القرطبي ج 14 ص 53.

(3) السيرة الحلبية ج 2 ص 63 عن ابن أبي شيبة.

(4) السيرة الحلبية ج 2 ص 62.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 122/

ولماذا يعتبره عدوا لله تعالى؟!. كما أن مقابلة ما حرم الله بالطيب دليل على أن المراد بما حرم الله هو الخبيث وهو المحرم بنص القرآن: قال تعالى: (يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث) (1) ". 10 ـ عن أبي أمامة: لا تبيعوا القينات ولا تشروهن، ولا تعلمونهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام، في مثل هذا أنزلت هذه الآية: (ومن الناس من يشتري الخ). وفي لفظ آخر: لا يحل تعليم المغنيات، ولا بيعهن، وأثمانهن حرام، وفي مثل ذلك نزلت هذه الآية الخ (2). 11 ـ وعن عائشة مرفوعاً: إن الله تعالى حرم القينة، وبيعها، وثمنها، وتعليمها، والاستماع إليها، ثم قرأ: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث). (3) 12 ـ وسئل ابن مسعود عن قوله تعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث)، فقال: هو والله الغناء وفي لفظ: هو والله الغناء، والله الذي لا

ـــــــــــــــ

(1) الأعراف/157.

(2) نيل الأوطار ج 8 ص 263، وتفسير الشوكاني ج 4 ص 234، والدر المنثورج 5 ص 159، وتفسير ابن كثير ج 3 ص 442، وإرشاد الساري ج 9 ص 163 والمدخل لابن الحاج ج 3 ص 104 وتفسير الطبري ج 21 ص 39 والغدير ج 8 ص 67 عنهم وعن: تفسير القرطبي ج 14 ص 51 ونقد العلم والعلماء ص 247، وتفسير الخازن ج 3 ص 36 وتفسير الآلوسي ج 21 ص 68 والترمذي كتاب 12 باب 51. ونقلوا أن الحفاظ التالية أسماؤهم قد أخرجوه: سعيد بن منصور، وأحمد، وابن ماجة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وابن أبي شيبة، وابن مردويه، والطبراني، وابن أبي الدنيا.

(3) الدر المنثور ج 4 ص 228 والغديرج 8 ص 67 عنه وعن تفسير الآلوسي ج 21 ص 68.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 123/

إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات. وعن جابر في الآية: هو الغناء والاستماع له. وفسر الآية بالغناء كل من: ابن عباس، وابن عمر، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومكحول، وعمرو بن شعيب، وميمون بن مهران، وقتادة، والنخعي، وعطاء، وعلي بن بذيمة، والحسن (1). 13 ـ وفي قوله تعالى لإبليس:  (واستفزز من استطعت منهم بصوتك) (2) قال ابن عباس، ومجاهد: إنه الغناء، والمزامير واللهو (3). 14 ـ وقد عد الحسن البصري سيئات يزيد فقال: انه سكير خمير، يلبس الحرير، وبضرب بالطنابير (4).

ـــــــــــــــ

(1) راجع سنن البيهقي ج 10 ص 122 و 223 و 225 ومستدرك الحاكم ج 2 ص 411 وتفسير الطبري ج 21 ص 39/40 والمدخل لابن الحاج ج 3 ص 104 وتفسير ابن كثيرج 3 ص 441 وإرشاد الساري ج 9 ص 163 والدر المنثور ج 5 ص 159/160 وفتح القدير ج 4 ص 34، ونيل الأوطارج 8 ص 163 والغدير ج 8 ص 68 عمن تقدم وعن تفسير القرطبي ج 14 ص 51 ـ 53 ونقد العلم والعلماء ص 246، تفسير الخازن ج 3 ص 46 وبهامشه وتفسير النسفي ج 3 ص 460 وتفسير الآلوسي ج 21 ص 67. وأخرجه ابن أبي الدنيا، وابن أبي شيبة وابن المنذر، والبيهقي في شعب الإيمان، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والفريابي، وابن عساكر.

(2) الإسراء/64.

(3) فتح القدير ج 3 ص 241 وتفسير الطبري ج 15 ص 81 وتفسير ابن كثير ج 3 ص 49، والغدير ج 8 ص 89 عنهم وعن: تفسير القرطبي ج 10 ص 288، ونقد العلم والعلماء ص 247 وتفسير الخازن ج 3 ص 178 وبهامشه تفسير النسفي ج 3 ص 178 وتفسير ابن جزي الكلبي ج 2 ص 175 وتفسير الآلوسي ج 15 ص 111.

(4) الغدير ج 10 ص 225 عن تاريخ ابن عساكر ج 5 ص 412 وتاريخ الطبري ج 6 ص 157 وتاريخ ابن الأثير ج 4 ص 209 والبداية والنهاية ج 8 ص 130 ومحاضرات الراغب ج 2 ص 214 والنجوم الزاهرة ج 1 ص 141.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 124/

وكان من جملة ما نقمه أهل المدينة على يزيد: أنه يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويضرب عنده القيان (1). 15 ـ وعن ابن عباس في قوله تعالى: (وأنتم سامدون): سامدون: هو الغناء بلغة حمير (2). 16 ـ عن جابر، عنه " صلى الله عليه وآله وسلم ": " كان إبليس أول من ناح، وأول من غنى " (3). 17 ـ عن علي " عليه السلام "، عنه " صلى الله عليه وآله وسلم ": " كسب المغني، والمغنية حرام، وكسب الزانية سحت، وحق على الله أن لا يدخل الجنة لحما نبت من سحت " (4). 18 ـ عن علي " عليه السلام ": إن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " نهى عن ضرب الدف، ولعب الطبل، وصوت المزمار (5). وحسبنا ما ذكرناه هنا، ومن أراد المزيد، فليراجع المصادر المشار إليها في الهوامش (6).

ـــــــــــــــ

(1) الغدير ج 10 ص 255 عن تاريخ الطبري ج 7 ص 4 والكامل لابن الأثير ج 4 ص 45 والبداية والنهاية ج 8 ص 126 وفتح الباري ج 13 ص 59.

(2) (3) (4) (5) المدخل لابن الحاج ج 3 ص 104 ـ 107.

(6) راجع: المدخل لابن الحاج ج 3 من ص 96 ـ 115، وتفسير الطبري ج 28 ص 48 والزهد والرقائق، قسم ما رواه نعيم بن حماد ص 12 ونيل الأوطار ج 8 ص 264 و 263، وسنن البيهقي ج 10 ص 222، وفتح القدير ج 4 ص 228 وج 5 ص 115، وتفسير ابن كثيرج 2 ص 96 وج 4 ص 260، والفائق للزمخشري ج 1 ص 305، والدر المنثور ج 2 ص 317 و 324، وج 5 ص 159، والغدير ج 8 ص 64 فما بعدها عنهم وعن: القرطبي ج 7 ص 122 وج 14 ص 53 ـ 54، والكشاف ج 2 ص 211، وتفسير الآلوسي ج 7 ص 72 وج 21 ص 68، وإرشاد الساري ج 9 ص 164، وبهجة النفوس لابن أبي حجرة ج 2 =

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 125/

أقوال العلماء في الغناء:

وقد ذكر في الغدير: أن إمام الحنفية قد حرم الغناء، وهو مذهب مشايخ أهل الكوفة: سفيان، وحماد، وإبراهيم، والشعبي وعكرمة: ونهى مالك عن الغناء، واعتبره من العيوب التي ترد بها الجارية، وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعد وحده. ونقل التحريم عن جماعة من الحنابلة. وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل: أنه سأل أباه عن الغناء، فقال: ينبت النفاق في القلب، لا يعجبني، ثم ذكر قول مالك: إنما  يفعله عندنا الفساق. وعن أصحاب الشافعي العارفين بمذهبه القول بتحريمه كالمزني وغيره. وأانكروا على من نسب إليه حلّه، كالقاضي أبي الطيب، وله في ذم الغناء، والمنع عنه كتاب مصنف ولأبي بكر الطرطوشي كتاب في الغناء. وأيضاً حرمه الطبري، والشيخ أبو إسحاق في التنبيه، ونص على حرمته المحاسبي، والنحاس، والقفال ونهى عنه القاسم بن محمد، والضحاك، والوليد بن يزيد، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم ممن لا يمكن حصرهم. ونقل ابن الصلاح إجماع أهل الحل والعقد من المسلمين على تحريمه.

ـــــــــــــــ

= ص 74، وتاريخ البخاري ج 4 قسم 1 ص 234، ونقد العلم والعلماء ص 246 و 248، ونهاية ابن الأثير ج 2 ص 95 وتفسير الخازن ج 3 ص 460 وج 4 ص 212 والنسفي بهامشه، ج 3 ص 460. وأخرجها سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وعبد الرزاق، والفريابي، وأبو عبيد، وابن أبي الدنيا، وابن مردويه، وأبو الشيخ، والبزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي.. وأما قول ابن الزبير: ما أعلم رجلاً من المهاجرين إلا قد سمعته يترنم، أو نحو ذلك المصنف ج 1 ص 5/6 وسنن البيهقي ج 10 ص 225، فإنما المقصود هو الترنم والتغني بإنشاد الشعر، وليس الغناء، كما ذكره ابن الحاج ج 3 ص 98 و 109.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 126/

وذكر الطبري إجماع أهل الأمصار على كراهته، والمنع عنه سوى إبراهيم بن سعد، و عبد الله العنبري (1).

الغناء عند أهل الكتاب:

وإذا كان الغناء أمراً غريباً عن الإسلام، فلا بد أن نتساءل من أين تسرب هذا الأمر إلى بعض المسلمين، حتى أصروا على حليته، وممارسته وحتى أصبح من شعار الصوفية، كما هو معلوم. والجواب: أن ذلك قد تسرب إليهم من أهل الكتاب. فقد قال ابن كثير: وهو يتحدث عن مريم أخت عمران التي كانت في زمان موسى: " وضربها بالدف في مثل هذا اليوم، الذي هو أعظم الأعياد عندهم دليل على أنه قد كان شرع من قبلنا ضرب الدف في العيد " (2) ثم يحكم ابن كثير بالجواز في الأعياد وعند قدوم الغياب، تماما على وفق ما استنبطه من رواية مريم!!.

سر الوضع والاختلاق:

ولربما يكون سر الإصرار على نسبة ذلك إلى نبي الأمة " صلى الله عليه وآله وسلم " وإلى الإسلام هو: 1 ـ إننا نجد: أن عائشة وعمر بن الخطاب كانا يحبان الغناء واللهو ويستمعان إليه. أما بالنسبة لعائشة: " فقد روى البخاري وغيره: أنها كانت تشجع

ـــــــــــــــ

(1) ذلك كله في كتاب: الغدير ج 8 ص 72 ـ 74 والمدخل لابن الحاج ـ ج 3 ص 96 ـ 110. وفي هذا الأخير زيادات هامة لم نذكرها روماً للاختصار.

(2) البداية والنهاية ج 1 ص 276.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 127/

على ذلك، وتقول: " فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو " (1). كما وأنها قد أذنت لمغن (رجل!!) يغني لبعض الجواري اللواتي خفضن، وإن كانت قد عادت فأمرت بإخراجه (2). وبالنسبة للخليفة الثاني عمر بن الخطاب، فقد قال ابن منظور: " قد رخص عمر في غناء الأعراب " (3). واستأذنه خوات بن جبير بأن يغني، فأذن له؛ فغنى، فقال عمر: أحسن خوات، أحسن خوات (4). وسمع رباح بن المغترف يغني، فسأل عن ذلك، فاخبروه، فقال: فإن كنت آخذاً فعليك بشعر ضرار بن الخطاب، وقريب من ذلك جرى له مع خوات أيضاً (5). وعن العلاء بن زياد: أن عمر كان في مسيره؛ فتغنى، فقال: هلا زجرتموني إذ لغوت (6)؟! وقد عده الشوكاني والعيني: أنه ممن أباح

ـــــــــــــــ

(1) مصنف عبد الرزاق ج 10 ص 465، وصحيح البخاري ط مشكول ج 9 ص 223 و 270 وحياة الصحابة ج 2 ص 761 عن المشكاة ص 272 عن الشيخين، ودلائل الصدق ج 1 ص 393.

(2) سنن البيهقي ج 10 ص 224.

(3) لسان العرب ج 15 ص 137 مادة: غنا.

(4) الغدير ج 8 ص 79 عن كنز العمال ج 7 ص 335.

(5) نسب قريش لمصعب ص 448 وسنن البيهقي ج 10 ص 224 والإصابة ج 2 ص 209 والغدير ج 8 ص 79 عن البيهقي، وعن الإستيعاب ج 1 ص 86، و 170 وعن الإصابة ج 1 ص 502 و 457 وج 8 ص 209 وعن كنز العمال ج 7 ص 335، وتاريخ ابن عساكر ج 7 ص 35.

(6) الغدير ج 8 ص 80 عن كنز العمال ج 7 ص 335.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 128/

الغناء هو وعثمان (1). وقد استعاد غناء زيد بن سلم، وعاصم بن عمر، وأبدى رأيه فيه، كما ذكره ابن قتيبة فراجع (2). فلعل جعل الإنكار على الجواري اللواتي كن يغنين في بيت الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " من قبل عمر بالذات في أكثر المرويات السابقة. ـ لعله ـ يهدف إلى التشكيك في هذا الذي شاع عنه، أو للتخفيف من قبح نسبته إليه، حين يرى الناس أن النبي الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " نفسه يستمع الغناء، ويجعل مزامير الشيطان في بيته، ويؤثر سماع الباطل!! فلا غضاضة بعد على غيره إن هو فعل شيئاً من ذلك. 2 ـ إن أكثر تلك المنقولات التي تريد إثبات حلية الغناء تحاول التأكيد على دور عائشة، حتى إنها وهي تنظر إلى الحبشة كان " صلى الله عليه وآله وسلم " يقول لها: أما شبعت؟ فتقول: لا؛ لتنظر منزلتها عنده، وذلك يوحي لنا بان ثمة يداً تحاول إثبات فضيلة لأم المؤمنين، والإشارة إلى أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " كان يراعيها ويحبها. ثم إن في الروايات إشارات واضحة إلى الاهتمام بإثبات فضائل لعمر، وأبي بكر، وعثمان، وإثبات مدى تمسكهم بالدين، ومحاماتهم عنه، حتى وإن كان ذلك عن طريق النيل من كرامة النبي الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم "، والطعن في نزاهته وعصمته!!. 3 ـ إننا لا نريد، أن نبرئ أيضاً يد الأمويين والعباسيين من عملية الدس، والوضع والاختلاق على النبي الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم ". فقد كان ثمة من يهتم بإضفاء صفة الشرعية والقداسة على كل فعل من أفعالهم.

ـــــــــــــــ

(1) نيل الأوطار ج 8 ص 266، والغديرج 7 ص 78 عنه وعن: عمدة القاري في شرح صحيح البخاري ج 5 ص 160.

(2) عيون الأخبار ج 1 ص 322.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 129/

ويوضح ذلك قصة المهدي مع غياث بن إبراهيم، حينما دخل عليه فوجده يلعب بالحمام، فروى له حديث: لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر. وزاد فيه كلمة: " أو جناح "، إرضاء لرغبة المهدي، فأمر له المهدي ببدرة، فلما خرج قال المهدي: أشهد أن قفاك قفا كذاب (1). ولا زلنا نقرأ في كتب التاريخ والأدب العجائب والغرائب حول اهتمام خلفاء بني أمية وبني العباس في أمر الغناء واللهو. وكانوا يعطون المغنين أعظم الجوائز، بالعشرات وبمئات الألوف (2) حتى لقد قال إسحاق الموصلي شيخ المغنين " لو عاش لنا الهادي لبنينا حيطان دورنا بالذهب والفضة (3).

نزول رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " في قباء:

ويقول أهل الحديث والتاريخ: إنه بعد أن استقبل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ذلك الاستقبال الحافل عدل إلى قباء، ونزل في بني عمرو بن عوف على كلثوم بن الهدم. وفي ذلك اليوم أصر عليه أبو بكر ليدخل المدينة، فرفض. وأخبره: أنه لا يريم حتى يقدم عليه ابن عمه، وأخوه في الله، وأحب أهل بيته إليه، الذي وقاه بنفسه، على حد تعبيره " صلى الله عليه وآله وسلم ".

ـــــــــــــــ

(1) الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة للقاري ص 469، واللآلي المصنوعة ج 2 ص 470، وراجع: الموضوعات لابن الجوزي ج 1 ص 42، ولسان الميزان ج 4 ص 422، وميزان الإعتدال ج 3 ص 338 والمجروحون ج 1 ص 66 وتاريخ الخلفاء ص 275 والمنار المنيف ص 107.

(2) راجع: ربيع الأبرارج 1 ص 675 ففيه أن الرشيد اعطى ابرهيم الموصلي مئة ألف لإحسانه في الغناء، وحسبك بعض ما أورده أبو الفرج في كتابه: الأغاني فراجعه.

(3) راجع كتاب: حياة الإمام الرضا السياسية (للمؤلف) ص 118 عن الأغاني ط دار الكتب بالقاهرة ج 5 ص 163.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 130/

فغضب أبو بكر، واشمأز، وفارق النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، ودخل المدينة في تلك الليلة، وبقي " صلى الله عليه وآله وسلم " ينتظر أمير المؤمنين " عليه السلام " حتى وافاه بالفواطم، وأم أيمن (1) في النصف من ربيع الأول (2). ونزل مع رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " على كلثوم بن الهدم (3). ويرى البعض: أن الذي قدم بالعيال هو زيد بن حارثة وأبو رافع. ورفع الحلبي التنافي باحتمال أن يكون الكتاب الذي أرسله " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى علي " عليه السلام " حين كان " صلى الله عليه وآله وسلم " في قباء كان معهما، ثم رافقا علياً في الطريق، وعادا معه (4). فنسب البعض المجيئ بالعيال إليهما، وتجاهل دور أمير المؤمنين الرائد، وموقفه في الدفاع عنهما لحاجة في نفسه قضاها.

تأسيس مسجد قباء:

وخلال إقامته " صلى الله عليه وآله وسلم " في قباء أسس مسجد قباء  المعروف، ويبدو أن صاحب الفكرة، والمباشر أولاً في وضع المسجد هو عمار بن ياسر (5).

ـــــــــــــــ

(1) راجع فيما ذكرناه كتاب: البحار ج 19 ص 106 و 115/116 و 75/76 و 64 عن روضة الكافي ص 340، وإعلام الورى ص 66 والخرائج والجرائح، وراجع: الفصول المهمة لابن الصباغ ص 35 وأمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 83.

(2) راجع إمتاع الأسماع ص 48.

(3) راجع البحار ج 19 والبداية والنهاية ج 3 ص 197.

(4) السيرة الحلبية ج 2 ص 53.

(5) وفاء الوفاء ج 1 ص 250، والسيرة الحلبية ج 2 ص 55. عن ابن هشام وغير ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 131/

ومسجد قباء هو المسجد الذي نزل فيه قوله تعالى: (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه) (1) ". ولسوف نتحدث عن ذلك في غزوة تبوك، إن شاء الله تعالى.

أحجار الخلافة:

وتذكر هنا رواية " أحجار الخلافة " المكذوبة، ويذكرونها أيضاً حين تأسيس مسجد المدينة، ولذا فنحن نرجئ الحديث عنها إلى هناك.

أول مسجد في الإسلام:

ومسجد قباء هو أول مسجد بني في الإسلام، كما صرح به ابن الجوزي وغيره (2). وقد تقدم حين الكلام على هجرة أبي بكر إلى الحبشة، وإرجاع ابن الدغنة له، عدم صحة قولهم: إن أبا بكر هو أول من بنى مسجداً في الإسلام، فراجع. ويبدو أن بعض النساء قد شاركن في بناء مسجد قباء؛ فعن ابن أبي أوفى لما توفيت امرأته جعل يقول: احملوها وارغبوا في حملها، فإنها كانت تحمل ـ ومواليها ـ بالليل حجارة المسجد الذي أسس على التقوى، وكنا نحمل بالنهار حجرين حجرين (3). وبعد، فإن الظاهر هو أن تأسيس مسجد قباء كان بعد قدوم أمير

ـــــــــــــــ

(1) التوبة/108.

(2) وفاء الوفاء ج 1 ص 250 والسيرة الحلبية ج 2 ص 55 وراجع: التراتيب الإدارية ج 2 ص 76.

(3) مجمع الزوائد ج 2 ص 10 عن البزار، وحياة الصحابة ج 3 ص 112 عنه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 132/

المؤمنين " عليه السلام "؛ إذ قد ورد: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد أمر أبا بكر بأن يركب الناقة، ويسير بها ليخط المسجد على ما تدور عليه؛ فلم تنبعث به، فأمر عمر فكذلك، فأمر علياً، فانبعثت به؛ ودارت به، فأسس المسجد على حسب ما دارت عليه، وقال " صلى الله عليه وآله وسلم ": إنها مأمورة (1).

صلاة الجمعة في قباء:

ويذكرون هنا أيضاً: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد صلى الجمعة في قباء، أوفي طريقه منها إلى المدينة (2). بل لقد قال بعضهم: إن الجمعة قد فرضت في مكة، لكنهم لم يقيموها لعدم تمكنهم من ذلك (3). ولعل إلى هذا ينظر ابن غرس، حيث يقول: " إن إقامة الجمعة لم تكن بمكة قط (4) ". بل ربما يشك في ذلك في المدينة أيضاً، في هذا الوقت المبكر على اعتبار: أن سورة الجمعة قد نزلت بعد الهجرة بسنوات، بل هي من أواخر ما نزل من القرآن (5). لكن من المعلوم: أن سورة الجمعة إنما  تتحدث عن لزوم السعي إلى الجمعة التي تقام، وليست ناظرة إلى أصل تشريع صلاة الجمعة، فلعلها كانت مشروعة قبل ذلك، وكانت تقام، لكن بعض المسلمين كان يتهاون

ـــــــــــــــ

(1) وفاء الوفاء ج 1 ص 251، وتاريخ الخميس ج 1 ص 338 وراجع تاريخ جرجان 144 لكن في العبارة سقط.

(2) السيرة الحلبية ج 2 ص 59 وتاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 68.

(3) السيرة الحلبية ج 2 ص 9 و 12 و 59.

(4) الإتقان ج 1 ص 37، والسيرة الحلبية ج 2 ص 59.

(5) الإتقان ج 1 ص 13 و 11.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 133/

بالسعي إليها فنزلت آيات سورة الجمعة لأجل ذلك. ولعل هؤلاء المتهاونين هم الذين هددهم النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بإحراق بيوتهم إن استمروا على مقاطعة صلاة الجمعة (1) فراجع كتب الحديث والتاريخ. وأما الإشكال على ذلك بأن إقامتها في قباء معناه أنه (ص) قد صلاها في السفر. فهو في غير محله، إذ من الممكن أن يكون (ص) قد نوى الإقامة في قباء إلى حين قدوم علي (ع) بالفواطم مع علمه بأن ذلك سيمتد إلى أكثر من عشرة أيام وقد ذكروا أنه (ص) قد أقام في قباء خمسة عشر يوماً (2). كما أن من الممكن أن تكون قباء في ذلك الزمان في محيط المدينة بحيث تعد من محلاتها، ومن وصل إليها فكأنه وصل إلى المدينة، ولا يعد مسافرا بعد. وقد تقدم بعض الكلام عن صلاة الجمعة في فصل بيعة العقبة، فراجع.

ـــــــــــــــ

(1) سيأتي ذلك مع مصادره في غزوة بني النضير، في فصل: القرار والحصار.

(2) البحار ج 19 ص 106 عن إعلام الورى والسيرة الحلبية ج 2 ص 55 عن البخاري وراجع ص 59 وعن مسلم: أنه أقام أربعة عشر يوماً وقيل غير ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 134/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 135/

القسم الثالث:
حتى غزوة الخندق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 136/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 137/

الباب الأول:
من الهجرة إلى بدر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 138/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 139/

الفصل الأول:
النبي (ص) في المدينة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 140/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 141/

ورود النبي (ص) المدينة:

بعد خمسة عشر يوماً (1) من إقامته " صلى الله عليه وآله وسلم " في قباء، تحرك إلى داخل المدينة. وقد اختلف المؤرخون في التاريخ الدقيق لخروجه (ص) من مكة، ودخوله قباء ثم المدينة اختلافا كثيراً، مع اتفاقهم على أنه قد دخلها في أوائل ربيع الأول (2). وقد حقق العلامة المجلسي: أن هجرته (ص) كانت في يوم الإثنين، أول ربيع الأول، ووروده المدينة في يوم الجمعة الثاني عشر منه، كما ذهب إليه المفيد، وادعى البعض الإجماع عليه (3) وتقول رواية: إنه (ص) وصل قبل بزوغ الشمس. وكان هو وأبو بكر يلبسان ثياباً بيضاً متشابهة، فكان يشتبه الأمر على الناس، فيسلمون على أبي بكر، يظنونه النبي (ص)، حتى بزغت الشمس، وأصابت النبي (ص)، فظلل عليه أبو بكر، فعرفه الناس حينئذٍ (4)

ـــــــــــــــ

(1) البحار ج 19 ص 106 عن إعلام الورى، والسيرة الحلبية ج 2 ص 55 عن البخاري، وعن مسلم: أنه أقام 14 يوماً، وقيل غير ذلك.

(2) راجع: البحار ج 58 ص 366، والمواهب اللدنية ج 1 ص 67، وتاريخ الخميس ج 1 ص 337.

(3) راجع أدلته في البحار ج 8 ص 366 و 367.

(4) تاريخ الخميس ج 1 ص 337. وثمة ما يشير إلى ذلك في المصادر التالية: السيرة الحلبية ج 2 ص 52، دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 498 و 499، البداية والنهاية ج 3 ص 186 وراجع السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 137.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 142/

ولكن هذه الرواية غير صحيحة قطعاً، فإن النبي (ص) قد وصل إلى المدينة في حر الظهيرة، كما نص عليه المؤرخون (1). ولو قلت: لعل المراد أنه وصلها في طريقه من مكة، حيث عدل إلى قباء، حين الظهيرة. فإن الجواب هو: 1 ـ إنه قد تقدم: أن أهل المدينة كانوا يأتون كل يوم أفواجاً إلى قباء، فيسلمون عليه (ص)، وذلك يدل على أنه (ص) قد كان معروفاً عند أهل المدينة قبل قدومه إليها، فكيف يدعى: أنه (ص) كان يشتبه على الناس بأبي بكر حتى ظلل أبو بكر عليه؟! ومع غض النظر عن ذلك، فإن شخصية النبي (ص) كانت تدل عليه، وكانت تختلف كثيراً عن شخصية أبي بكر، وقد وصفته أم معبد لزوجها حتى عرفه (2). وتقدمت صفة أبي بكر على لسان ابنته عائشة. 2 ـ ثم إنه قد تقدم القول بأنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد صلى الجمعة، وهو في طريقه إلى المدينة (3) وهذا معناه: أنه (ص) قدمها بعد الظهر بقليل، فإن المسافة بين قباء والمدينة ليست كبيرة، كما هو معلوم. 3 ـ أضف إلى كل ما تقدم: أنه إذا كان (ص) أكبر من أبي بكر بسنتين، فما معنى قولهم لأبي بكر: من هذا الغلام بين يديك (1)؟! وهل

ـــــــــــــــ

(1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 336 و 337، والسيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 137، وصحيح البخاري ط سنة 1309 هـ. ج 2 ص 213، والسيرة الحلبية ج 2 ص 52.

(2) تاريخ الخميس ج 1 ص 334/335، السيرة الحلبية ج 2 ص 49/55، دلائل النبوة ج أ ص 279.

(3) المواهب اللدنية ج 1 ص 67، سيرة ابن هشام ج 2 ص 139، تاريخ الخميس ج 1 ص 339 والبحار ج 8 ص 367، ودلائل النبوة ج 2 ص 500.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 143/

يقال لمن بلغ ثلاثاً وخمسين سنة: إنه غلام؟! إلا أن يجاب عن هذا بأن الغلام قد يطلق على الكبير كما على الصغير على حد سواء. ولكن يبقى سؤال: أنهم كانوا على علم بهجرته (ص) فما معنى سؤال أبي بكر عنه. وقد تقدم أن المئات منهم قد خرجوا يستقبلونه.

منزل النبي (ص) في المدينة:

وفي يوم الجمعة ركب " صلى الله عليه وآله " راحلته، وتوجه إلى المدينة، وعلي " عليه السلام " معه لا يفارقه، يمشي بمشيه. ولا يمر ببطن من بطون الأنصار إلا قاموا إليه يسألونه أن ينزل عليهم، فيقول: خلوا سبيل الناقة، فإنها مأمورة. فانطلقت به، ورسول الله " صلى الله عليه وآله " واضع لها زمامها، حتى انتهت إلى موضع مسجد النبي " صلى الله عليه وآله "، فوقفت هناك، وبركت، ووضعت جرانها على الأرض. وذلك بالقرب من باب أبي أيوب الأنصاري، أفقر رجل بالمدينة (2). فأدخل أبو أيوب ـ أو أمه ـ الرحل إلى منزلهم، ونزل " صلى الله عليه وآله وسلم " عنده، وعلي " عليه السلام " معه، حتى بنى مسجده ومنازله (3). فقيل: مكث عند أبي أيوب سنة تقريباً، وقيل: سبعة أشهر، وقيل: شهراً واحداً (4) ونحن نستقرب هذا الأخير، إذ يبعد أن يستمر العمل

ـــــــــــــــ

(1) الغدير ج 7 ص 258، عن مصادر كثيرة، السيرة الحلبية ج 2 ص 41، مسند أحمد ج 3 ص 287.

(2) البحار ج 19 ص 121، وراجع: مناقب ابن شهرآشوب ج 1 ص 185.

(3) روضة الكافي ص 339/340، والبحار ج 19 ص 116 عنه.

(4) البدء والتاريخ ج 4 ص 178، ووفاء الوفاء ج 1 ص 265، والسيرة الحلبية ج 2 ص 64.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 144/

في المسجد طيلة هذه المدة والأنصار والمهاجرون يعملون في البناء بجد واجتهاد، وهو (ص) يعمل معهم. أما سائر المهاجرين، فقد تنافس فيهم الأنصار، حتى افترقوا عليهم بالسهمان (1).

ابن سلام والإسلام:

ويقول المؤرخون وأهل الحديث من غير مدرسة أهل البيت " عليهم السلام ": إن عبد الله بن سلام اليهودي لما سمع الضجة، حين قدوم رسول الله " صلى الله عليه وآله " المدينة، أسرع إليه، فلما رآه وسمع كلامه، عرف أن وجهه ليس بوجه كذاب (2). ويقولون أيضاً: إنه سأله حينئذٍ ثلاث مسائل لا يعلمها إلا نبي، فأجابه (ص) عنها، فأسلم. ثم طلب من النبي (ص) أن يسأل اليهود عنه قبل أن يعلموا بإسلامه، فسألهم عنه، فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا، فلما علموا بإسلامه، قالوا: شرنا وابن شرنا (3). ويقولون أيضاً: إن عبد الله بن سلام هذا هو الذي أنزل الله تعالى فيه (وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله، فآمن واستكبرتم) (4).

ـــــــــــــــ

(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 64.

(2) الإصابة ج 2 ص 320 عن أحمد وأصحاب السنن والإستيعاب بهامشها ج 2 ص 382 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 13 وتلخيصه للذهبي نفس الصفحة.

(3) البخاري هامش الفتح ج 7 ص 212/213 برواية ابن سلام نفسه، والإصابة ج 2 ص 321، والإستيعاب بهامشها ج 2 ص 382.

(4) أسد الغابة في معرفة الصحابة ج 3 ص 176 صحيح البخاري هامش الفتح ج 7 ص 97 والإستيعاب هامش الإصابة ج 2 ص 383 عن بعض المفسرين، والدر المنثورج 4 ص 69 عن: أبي يعلى، وابن جرير، والحاكم، والنسائي، وابن المنذر، وابن مردويه، والترمذي، وابن أبي حاتم، وعبد بن حميد، وابن عساكر.  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 145/

ونزل فيه أيضاً: (قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) (1). إلى غيرذلك مما يقولونه في هذا الرجل مما لا مجال لذكره هنا. ونحن نسجل هنا النقاط التالية: أولاً: إنه عدا عن التناقض الظاهر في الروايات التي تتحدث عن كيفية إسلام ابن سلام، كما لا يخفى على من راجعها، فإننا نجد البعض يقول: إنه قد " تأخر إسلامه إلى سنة ثمان، قال قيس بن الربيع، عن عاصم، عن الشعبي، قال: أسلم عبد الله بن سلام قبل وفاة النبي " صلى الله عليه وآله " بعامين " (2). وقد ضعف العسقلاني هذه الرواية سنداً بقيس بن الربيع، وغلطها (3). ولكننا نقدر: أن مستنده في ذلك هو الروايات المتقدمة الدالة على أنه أسلم أول الهجرة. ونحن لا نستطيع قبول ذلك منه، فإن الشعبي أقرب عهدا من العسقلاني. وقد عين لنا سنة إسلامه، بشكل يدل على أنه لا يرسل الكلام على عواهنه. ثم إنه لو كانت لابن سلام كل تلك العظمة التي أشارت إليها روايات إسلامه وغيرها، فلماذا لم نسمع عنه في تلك السنين الطويلة منذ الهجرة، وإلى سنة ثمان أي قول أو رأي، أو موقف!! مع أن التاريخ قد

ـــــــــــــــ

(1) الإصابة ج 2 ص 321، والإستيعاب بهامشه ج 2 ص 383، والدر المنثور ج 4 ص 69 عن: ابن مردويه، وابن جرير، وابن أبي شيبة، وابن سعد، وابن المنذر.

(2) الإصابة ج 2 ص 320.

(3) الإصابة ج 2 ص 320 وفتح الباري ج 7 ص 97.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 146/

ذكر لنا كثيراً من مواقف صغار الصحابة ممن أسلم عام الفتح، بل وحتى الذين لم يروا النبي (ص) إلا في طفولتهم، فكيف سكت عن هذا الرجل الخطير!! برأيهم؟!. أما تضعيف العسقلاني لقيس بن الربيع، فهوفي غير محله، فإنه هو نفسه قد نقل توثيقه من قبل: عفان بن قيس، والثوري، وشعبة، وأبي الوليد، وابن عدي. وأثنى عليه يعقوب وعثمان ابنا أبي شيبة، وأبو حاتم، وشريك، وابن حبان، والعجلي، وأبو حصين، ويحيى بن سعيد، ومعاذ بن معاذ، وابن عيينة، وأبو نعيم وغيرهم (1). ولكن سر الطعن عليه من العسقلاني، أو من غيره، هو ما أشار إليه أحمد، حيث قال: " كان يتشيع، ويخطئ، في الحديث (2) ". رغم أنهم يذكرون: أن عامة رواياته مستقيمة (3) والذي يذكر هذا الطعن عليه بالتشيع هو أحمد بن حنبل، وليس ذلك غريبا عنه، فإنه عاش في زمن المتوكل الناصبي، الذي فعل بابن السكيت ما فعل، حيث أمر بأن يسل لسانه من قفاه، ففعل به ذلك فمات، لأنه لم يرض بتفضيل ولديه على الحسنين " عليهما السلام " (4). كما أنه قد أمر المغنين بأن يغنوا نكاية بولده المنتصر، الذي لم يرض بتنقصه لأمير المؤمنين علي " عليه السلام ":

غار الفتى لابن عمه                  رأس الفتى في حرّ أمه (5)

ـــــــــــــــ

(1) تهذيب التهذيب ج 8 ص 392 ـ 395.

(2) تهذيب التهذيب ج 2 ص 394.

(3) تهذيب التهذب ترجمة قيس ج 8.

(4) الكنى والألقاب ج 1 ص 314/315 وراجع: وفيات الأعيان ج 6 ص 395 و 396 و 400 و 401 وتاريخ الخلفاء ص 348.

(5) الكامل لابن الأثير ج 7 ص 55.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 147/

وقد ضرب رجلاً ألف سوط، لأنه روى رواية واحدة في فضل علي " عليه السلام ". وهو الذي حرث قبر الحسين " عليه السلام " ومنع الناس من الوفود إلى زيارته (1). نعم، هذه هي بعض أفاعيل المتوكل. وقد كان لأحمد بن حنبل عند المتوكل هذا منزلة عظيمة، حتى إنه يدفع إليه ولده المعتز وسائر أولاده وولاة عهده ليقوم على تعليمهم (2). قال ابن كثير: " وكان لا يولي أحداً إلا بعد مشورة الإمام أحمد " (3). فبماذا استحق أحمد عند هذا الرجل الطاغية هذه المنزلة العظمى يا ترى؟ أما نصب الحنابلة، فهو موضوع آخر لا مجال للتعرض له هنا (4). وثانياً: بالنسبة لآية: (وشهد شاهد من بني إسرائيل) الخ، نشير إلى ما يلي: ألف ـ لقد روي: أن هذه الآية قد نزلت في ميمون بن بنيامين، في قصة شبيهة بالقصة المنقولة عن ابن سلام تقريباً (5). وروي عن الزهري، ومجاهد، وابن عمر، وسعيد بن جبير، وعمر، وقتادة خلاف ذلك أيضاً،

ـــــــــــــــ

(1) الكامل لابن الأثير ج 7 ص 55.

(2) مناقب الإمام أحمد بن حنبل لابن الجوزي ص 385 و 364، وأحمد بن حنبل والمحنة ص 190، وحلية الأولياء ج 9 ص 209.

(3) البداية والنهاية ج 10 ص 316.

(4) للاطلاع على شطر من ذلك راجع كتاب: بحوث مع أهل السنة والسلفية.

(5) راجع: الدر المنثور ج 6 ص 40 عن عبد بن حميد، وفتح الباري ج 7 ص 98، والإصابة ج 3 ص 471.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 148/

فراجع (1). ب ـ لقد ورد عن الشعبي، أنه قال: ما نزل في عبد الله أي ابن سلام شيء من القرآن (2). ج ـ قال عكرمة: " وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله: ليس بعبد الله بن سلام، هذه الآية مكية. فيقول: من آمن من بني إسرائيل، فهو كمن آمن بالنبي (ص). وأقسم مسروق على مثل ما جاء عن عكرمة. وكذلك قال الشعبي أيضاً. وأنكر ذلك أيضاً أبو عمر استناداً إلى نفس حجة عكرمة (3) وجعل هذه الآية مدنية استناداً إلى رواية ابن سلام ليس له ما يبرره، بعد إنكار هؤلاء الذين هم أقرب إلى زمن النبي (ص) لذلك، وبعد ما تقدم عن الشعبي وغيره. د ـ إن ظاهر الآية هو أنها خطاب للمشركين الذين استكبروا، مع كون بعض بني إسرائيل الذين، يعتمدون على أقوالهم، قد آمن. ولا يناسب أن تكون خطابا لليهود، لأنهم هم أيضاً من بني إسرائيل، إذ كان الأنسب أن يقول لهم " منكم ". وهذا يؤيد ما تقدم عن عكرمة، والشعبي، ومسروق، وغيرهم. ه‍ ـ لقد صرح الطحاوي بأن النبي (ص) لم يصرح بنزولها في ابن

ـــــــــــــــ

(1) الدر المنثور ج 4 ص 69 عن مصادر كثيرة، وراجع: مشكل الآثار ج 1 ص 137.

(2) مشكل الآثار ج 1 ص 137، وفيه أن سعيد بن جبير قد وافق الشعبي في نفي نزول الآية في ابن سلام، والدر المنثور ج 4 ص 69، وج 6 ص 39/40 عن ابن المنذر، ودلائل الصدق ج 2 ص 135 عنه، والميزان ج 11 ص 389.

(3) الإستيعاب (هامش الإصابة) ج 2 ص 383، وفتح الباري ج 7 ص 98، والدر المنثورج 6 ص 39 عن ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن المنذر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 149/

سلام، وإنما مالك هو الذي استنبط ذلك (1). وثالثاً: بالنسبة إلى قوله تعالى: (ومن عنده علم الكتاب)، نقول: 1 ـ قد تقدم أنه قد روي عن الزهري، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وإبن عمر، وقتادة، وعمر، ما يخالف هذا القول، الذي لم يرد إلا عن جندب، وكذا عن ابن عباس، ومجاهد في إحدى الروايتين عنهما. 2 ـ قد تقدم عن الشعبي: أنه لم ينزل في ابن سلام شيء من القرآن. 3 ـ قد أنكر ذلك أيضاً كل من عكرمة، والحسن، والشعبي، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن جبير، استناداً إلى أن السورة مكية، وإسلام ابن سلام كان بعد (2). 4 ـ إنهم يقولون: إن عمر بن الخطاب قد أسلم بعد نزول هذه الآية؛ لأنه سمع النبي (ص) يقرؤها مع آيات أخر في صلاته، فانتظر عمر حتى سلم، فأسرع في أثره وأسلم (3). وإنما أسلم عمر في مكة كما هو معلوم. 5 ـ هناك روايات متواترة تنص على أن المقصود ب‍ (من عنده علم الكتاب) هو أمير المؤمنين علي " عليه السلام "، وأنه هو العالم بالتفسير

ـــــــــــــــ

(1) مشكل الآثار ج 1 ص 139.

(2) مشكل الآثار ج 1 ص 137 و 138، والإستيعاب هامش الإصابة ج 2 ص 383، والدر المنثور ج 4 ص 69 عن النحاس في ناسخه، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ودلائل الصدق ج 2 ص 135 عن الدر المنثور، وغرائب القرآن للنيسابوري ج 13 ص 100 (مطبوع بهامش جامع البيان)، والإتقان ج 1 ص 12، وإحقاق الحق ج 3 ص 280 ـ 284، والجامع لأحكام القرآن ج 9 ص 336، وينابيع المودة ص 104 و 103.

(3) الدر المنثور ج 4 ص 69 عن عبد الرزاق، وابن المنذر عن الزهري.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 150/

والتأويل، والناسخ والمنسوخ، والحلال والحرام. وهذه الروايات مروية عن أبي سعيد الخدري، وابن عباس، ومحمد بن الحنفية، والإمام محمد الباقر " عليه السلام ". والسدي، وزيد بن علي رحمه الله، والإمام موسى بن جعفر " عليه السلام "، وأبي صالح (1). ومن الطريف هنا ما جاء عن أبي صالح، في قوله عزوجل: (ومن