ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 1/

دراسة في
علامات الظهور

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 2/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 3/

دراسة في
علامات الظهور
السيد جعفر مرتضى العاملي
المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 4/

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الطبعة الرابعة
1424هـ. ـ 2003م
المركز الإسلامي للدراسات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 5/

الإنتظار المّر
مزجاة إلى ولي الله الأعظم الحجة بن الحسن
(عجل الله تعالى ظهوره الشريف)

صفوَةَ الخلق معدن المكرماتِ            سابقَ السابقين بالخيراتِ

يا إمام الأحرار يا ذروة المجـ          ـدِ ويا نجدةَ السُراةِ الكُفاة

يا ملاذ العُفاة في ضَنكِ المحـ           ـل وغوثَ الملهوفِ في النائبات

قولُك الفصلُ حكمُك العدلُ يا من لك      عزم أمضى من المرهفات

لك ذاتٌ قدسيةٌ وصفاتٌ                 قد تعالت على جميع الصّفات

لك مجد أدنى الذُّرى منه أوْفَتْ          في علاها على ذُرى النيرات

لا تَنال العقولُ أدنى مداها               وبلوغُ الأقصى من المعجزات

قد تحدّرْت من أرومة عزّ               ومن الطاهرين والطاهرات

قد زكا محتدٌ وطاب نجارٌ               وصفا العرْق من هَناً وهَنات

كل ما في الوجود ما زال يتلو           بعضَ آيات فضلك البينات

هي وحيُ القرآن وهي نثار             من معاني الإنجيل والتوراة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 6/

سيدي أنت رحمةٌ للبرايا                 أنت رمزُ البقاء للكائنات

أنت للمؤمنين واحة أمن                 أنت سيفٌ على رقاب الطغاة

أنت في ظلمة الجهالات نورٌ            بل منار الهدى لكل الهداة

أنت أغنيت بل وأحييت دنياً            بالندى والهدى وبالمكرمات

أنت قدَّست كلَّ صاحب قدس            وغمرت الوجود بالبركات

أنت إمَّا بنا ادلهمّت خطوبٌ             ورمان الزمان بالقاصمات

وإذا الكفر عاث في الأرض بغياً         ودهى الكونَ حندسُ الظلمات

دفقة النور نهلة الماء للصادي           ربيع المنى وسرُّ الحياة

***           ***

سيدي أنت أنت عزِّي وذخري          فاستمع سيدي لبعض شكاتي

زهرة العمر إن تكن تتلاشى             بمرور الساعات واللحظات

فلماذا ـ يا حسرتا ـ نصب عيني      تتلاشى في إثرها أُمنياتي

ولماذا أرى الأناشيد ترْتَـ               ـدُّ نياحاً يطفو على النغماتِ

وأرى الخصب والربيع فآتيـ           ـه فألقى الربيعَ محضَ مواتِ

والضنى ماجَ في الأزاهير حتى         صوَّحَت في شبابها زهراتي

وأرى الأُفقَ طافحاً زخرت في          فيض وكّاف غَيثه واحاتي

فأحثُّ الخطى إليه، ولكن                أثقلت كظَّةُ الظَّما خُطواتي

ثمّ إذ جئْتُه ولم أرَ شيئاً                  غيرَ لَمْع السَّراب في الفلوات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 7/

يتلاشى قلبي، وقد بُحَّ صوتي            ثم مات الصدى على لهَواتي

***           ***

سيدي عاثَتِ الهموم بقلبي               ورمتْني بأعظم النكبات

ودهتني دهيا الفراق فأصبحـ           ـت أسيرَ الهموم والكربات

مزَّقَتْني سيوفُه، وأحاطتْ                بي أفاعيه من جميع الجهات

عصفَتْ بي رياحُه فَسَمُومٌ               لَفْحُ ما هبَّ من صَبا النّسمات

ورمتني في مَهْمَه التْيه يُلهيني           ضياعي أجْتَرُّ فَضلَ شتاتي

أتلَظّى بالوجد أقْتاتُ دمعي               وكأنّي أسْتافُ بعض رُفاتي

وعلى الجمرِ رُحْتُ أمْشي ولكن         ذاك جمر الآهات والحسرات

تتوالى الاهات حَرَّى بَواك              آه ماذا تفيدني آهاتي

زَفرَة الوجد وهي تَلفَحُ قلبي             صَهَرَتْه بها لظى الزفرات

فالجحيم التي بها سوف يُجْزى           كل باغ و كل طاغ وعات

وَمْضَةٌ من لهيب وجدي وشوقي         أوقدتها فكيف بالوَمضات

***           ***

سَرْمَدِيّاً ـ يا سيدي ـ صار حُزني      غُصَصاً مرَّةً غدت لذّاتي

بسمتي لوعةٌ، حنيني شجوٌ              ونشيدي ثَواكلُ العَبَراتِ

أشَتاتي أم غُربتي لك أشكو              أنت أدرى بغربتي وشتاتي

ضاق صدري وعيلَ صبري وإني       خائفٌ من ذنوبي الموبقات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 8/

فلو أني أحظى بِنَظْرَةِ عطف            منك لم أخْشَ كل ما هو آت

ليس إلاّك من يداوي جراحي            فجراحي أعْيَتْ جميع الأساةِ

هب لقلبي حياته وتعاهد                 بالندى كل زهرة في حياتي

وازرع الأُفق بالورود يغشِّي             فَوْحُ أطيابها جميع الجهات

وامسح البؤس عن عيوني وهَدْهِدْ       بالسنا خاطري وبالبسمات

وبفيض الحنان والحب فلتُمـ           ـرعْ رحابي وليفعم الطّهرُ ذاتي

***           ***

سيدي جئت أطلب الرِّفْدَ فاعطف        واستجب لي بحق ذي الثَّفنات

أتمنى رضاك فهو نجاة                  لي، فأنتم ـ والله ـ فُلْكُ النجاة

أتراني أحظى بقربك يوماً               أتراني أراك قبل وفاتي

آه يا ليتني أراك وأني                   منك قد نلت أعظم البركات

أمنيات عزيزة وعذابٌ                  حبذا لو تحقّقت أمنياتي

***           ***

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 9/

تقديم:

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد..

فإن هذا الكتاب قد جاء ليعالج ظاهرة قد اعتبرت سلبيةً إلى حد كبير. وهي ظاهرة التعامل مع علامات الظهور من زاوية معينة لا تنسجم مع الأهداف الحقيقية.

فقد عالج هذا الكتاب موضوع الاخبارات الغيبية للأئمة عليهم السلام بعلامات الظهور والموقف المتخذ، والذي ينبغي أن يتخذ منها. ثم تقسيمها إلى ما هو من المحتوم وما ليس من المحتوم.

وأهداف هذا التقسيم ودوافعه بصورة عامة.

ومهما يكن من أمر: فإن ما نرمي إليه في هذه الدراسة الموجزة إنما هو مجرد إعطاء الرأي بصراحة وبموضوعية وتسجيل الموقف على أساس علمي رصين وليس هو الاستقصاء والاستعياب.

والله نسأل: أن يوفقنا لما يحب ويرضى وأن يلهمنا النية الصادقة وصواب القول والعمل الصالح إنه ولي قدير.

21 شهر رمضان المبارك سنة 1411ﻫ.ق جعفر مرتضى العاملي

 

الفصل الأول
نظرة في شؤون الإمامة والأمة

 

ركنان تقوم الإمامة عليهما:

إن من المعلوم والمفهوم: أن الإمامة أصل أصيل عند الشيعة الإمامية، فهي وفقاً للأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة ـ إمتداد للنبوة ـ لا يمكن تحقيق الأهداف الإلهية بإسعاد البشر، وإيصالهم إلى كمالهم، ونيلهم درجات القرب والرضا الإلهي بدونها.

وهي كذلك، منصب إلهي، لابد من الرجوع فيه إلى الله العالم الحكيم والمدبر الرحيم سبحانه وتعالى.

فهو وحده الذي يعين الإمام، ويدلّ عليه بواسطة النص، حيث يكون هذا الإمام قد تربى تربية إلهية خالصة في مهبط الوحي، ومعدن الرسالة ثم بعد ذلك في حجر الإمامة، حيث إن ذلك من شأنه أن يمنحه الفرصة لاكتساب علومه ومعارفه الشاملة من مقام النبوة، ومصدر المعرفة الأول. أو من وارث علمه، والإمام الحاضر والقائم بالأمر من بعده في كل عصر وزمان.

ونستخلص من ذلك:

أن الإمامة تقوم على ركنين أساسين:

أحدهما: النص القاطع لكل عذر.

الثاني: العلم الخاص، الذي يتلقاه الإمام (عليه السلام) من مقام النبوة مباشرة، أو بالواسطة هذا بالإضافة إلى الملكات والخصائص القيادية، وكل ما من شأنه أن يحفظ المسيرة، ويضمن سلامة الاتجاه، مثل صفة العصمة، والتدبير، والحنكة، والشجاعة، والكرم، وغير ذلك مما يساعده على النهوض بأعباء المسؤولية على النحو الأكمل والأفضل والأمثل.

التأكيد على الركن الأول:

ونلاحظ هنا: أن الأئمة (عليهم السلام) قد اهتموا بالتأكيد على هذين الركنين الذين أشرنا إليهما. حتى إن علياً (عليه السلام) قد استشهد لحديث الغدير بالصحابة والبدريين منهم خاصة في أكثر من مورد، وأكثر من مناسبة، في رحبة الكوفة، وفي صفين وفي الجمل، وفي يوم الشورى، فشهد جم غفير منهم بسماعهم ذلك مباشرة منه (صلى الله عليه وآله وسلم).

كما أن الإمام الحسين (عليه السلام) قد جمع الصحابة في موسم الحج، وذكرهم بفضائل أبيه، وبحديث الغدير، وبأفاعيل معاوية([1]).

تتبع كتب الحديث والأثر، والتاريخ والسير يوضح هذا الإصرار منهم عليهم السلام، لكثرة ما روي عنهم عليهم السلام في هذا المجال.

التأكيد على الركن الثاني:

أما بالنسبة للعلم الخاص فإن تأكيداتهم عليه تفوق حد الحصر، ونحن نكتفي بذكر نماذج ثلاثة ظهر فيها هذا الأمر بصورة جلية وواضحة، وهي التالية:

النموذج الأول: علي عليه السلام وإخباراته الغيبية:

وقـد بلغت الاخبارات عما سيحدث، الصـادرة من قبل أمير المؤمنين (عليه السلام) حداً جعل البعض ـ حسداً، أو حقـداً، أو جهـلاً أو سياسة يتهمونـه ـ والعياذ بالله ـ بالكذب، وحديث الخرافة([2]) وما ذلك إلا من أجل أن يُفهِم الناس أنه يأخذ علمه من الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) الذي اختصه بما لم يخص أحداً سواه. وذلك لأن الله سبحانه هو {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ}([3]) من يرتضيه من أفراد الأمة، ومَنْ غير الأئمة يفوز بهذا الحظ العظيم والشرف الباذخ.

علي عليه السلام في العراق:

والأمر الذي لابد من الإلماح إليه ولو بإيجاز هو: أنه لم يكن أهل العراق يعرفون أمير المؤمنين (عليه السلام) حق معرفته، ولا كانوا قد تربّوا على نهجه، ولا اطلعوا على أطروحته، وإنما عرفوا الإسلام من قبل آخرين، ممن هم في الخط الأخر المناوئ له عليه السلام.

وحتى معرفتهم هذه للإسلام، فإنها كانت ظاهرية وقشرية، وإنما تعمقت وتأصلت بفضل جهوده هو (عليه السلام)، حتى ليقول مخاطباً لهم:

«وركزت فيكم راية الإيمان، وعرفتكم حدود الحلال والحرام»([4]).

ولأجل ذلك، فقد كان من الطبيعي أن يشدّد عليه الصلاة والسلام كثيراً على أمر النص، ويركّز على أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) قد اختصه بعلوم لم تكن لدى أحد من الناس غيره (عليه السلام) وهي علوم الإمامة.

ولكن الملفت للنظر هو أننا نجده (عليه السلام) يهتم بإظهار علومه الخاصة بصورة إخبارات غيبية ـ عما سيحدث في المستقبل ـ بصورة أكبر، وأشد إباّن حروبه مع الخوارج، حسبما ألمحنا إليه في كتابنا: «علي عليه السلام والخوارج»، أما في حربي الجمل وصفين، فقد كان اهتمامه بذلك أقل كما يظهر للمتتبع.

التفسير المعقول:

ولعل التفسير المعقول والمقبول لهذه الظاهرة هو: أن حروبه عليه السلام مع الخوارج كانت هي الأصعب، والأقسى، والأشد مرارة، ولكن لا من حيث: أنه قد كانت لدى الخوارج قدرات قتالية فائقة!! إذ إنهم من هذه الناحية ليس كما يشاع عنهم، بل إن أمرهم كان أهون من غيرهم فقد قتل منهم في معركة واحدة من معارك النهروان، أربعة آلاف رجل ـ على ما قيل ـ ولم ينج منهم عشرة، ولم يقتل من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) عشرة([5]) بسبب الخطة القتالية الناجحة التي رسمها علي (عليه السلام) ولأسباب أخرى لا مجال لبحثها الآن([6]).

ولكن السر في صعوبة ومرارة هذه الحرب يعود إلى الأمور التالية:

إن الخوارج كانوا في ظاهر الأمر من القرَّاء المسلمين، الذين يتظاهرون بالتقوى، والصلاح، والنسك، وقد عرف ذلك عنهم وشاع.

إذن.. فقتل هؤلاء بأيدي إخوانهم المسلمين لم يكن بالأمر المستساغ ولا المقبول لدى عامة الناس، الذين لم يعرفوا بواطن الأمور، ولا اطلعوا على خلفياتها.

إن الخوارج كانوا ـ من جهة ثانية ـ جزءاً من هذا الجيش الذي حارب إلى جانبه (عليه السلام) أعداءه في الجمل وصفين فكانوا ـ إذن ـ رفقاء السلاح والجهاد لهذا الجيش الذي يحاربونه اليوم، ويقتلهم، ويقتلونه، وكانت لهم به علاقات شخصية، وروابط، وذكريات، حلوة ومرة.

لقد كانت هناك وشائج قربى ونسب، تربط بين هاتين الفئتين المتناحرتين، حيث إن القوم كانوا أبناء القوم، وآبائهم، وإخوانهم، وأبناء عمهم.

ومن الطبيعي أن تترك الحرب فيما بين هؤلاء آثاراً سلبية بليغة على البنية الاجتماعية، وعلى العلاقات العشائرية والقبلية في داخل جسم الأمة.

هذا بالإضافة إلى الصعوبات العاطفية، والصدمات الروحية، والعقد النفسية التي تنشأ ـ عادة ـ عن قتل وقتال المرء لأخيه، وصديقه، وابن عمه. ولا ندري حقيقة المشاعر التي كانت تنتاب عدي بن حاتم حينما دفن ولده بعد انتهاء المعركة. وكذا غيره، حينما دفن رجال من الناس قتلاهم بإذنه عليه السلام([7]).

إن الشعارات التي رفعها الخوارج كانت خداعة وبراقة إلى حد كبير، وكانت تستهوي أولئك الذين ينساقون وراء مشاعرهم، وعواطفهم، دونما تأمل أو تعقل، أو تمحيص لحقيقة ما يجري وما يحدث، ودونما دراسة واعية لدوافعه وخلفياته. ولم تكن لديهم معرفة كافية تخولهم تمييز الحق من الباطل والهدى من الضلال.

وهذا الواقع الذي كان يعاني منه مجتمع أمير المؤمنين (عليه السلام) يجعل من الشعارات البراقة والخداعة وسيلة فعالة في تخفيف هيمنة العقل والتقليل من زنته ورجاحته وجعل الأهواء، والمشاعر هي الطاغية والمسيطرة، وهذا هو السبب في أن فرعون قد استخف قومه ـ أي عقولهم ـ فأطاعوه حتى عبدوه.

وهو السبب في أن يتمكن الشيطان من أن يزين القبيح للإنسان ويظهره بصورة أحسن، حتى يقع فيه. ولو كان ثمة أثارة من علم لعرف الصحيح من الزائف والحسن من القبيح، والحق من الباطل.

إننا إذا درسنا واقع المجتمع الذي كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يتعامل معه، ولاسيما بعد حربي الجمل وصفين، فلسوف نخرج بنتيجة مثيرة، وقد يرى البعض أنها تستند إلى نظرة مفرطة في التشاؤم.

فأما بالنسبة لفريق الخوارج، فإن أمرهم واضح، إذ يعلم كل أحد: أنهم كانوا أعراباً جفاةً، أخفاء الهام، سفهاء الأحلام.

وحتى بعد مرور قرنين من الزمن وفشوا العلم بين الناس، وظهور الفرق والنحل، حتى نحلة الاعتزال المفرطة في الاعتماد على العقل، وكذلك بعد ترجمة الكتب اليونانية، وبعد أن صار كل فريق يحاول تقديم آرائه، بقوالب علمية، وبصيغ حضارية ـ نعم، حتى بعد هذا وذاك وذلك، فإن حالة الخوارج الثقافية قد بقيت في منتهى السوء، حتى لقد قال فيهم بشر بن المعتمر:

ما كان من أسلافهم أبو الحسن           ولا ابن عباس ولا أهل السنن

غر مصابيح الدجى مناجب              أولئك الأعلام لا الأعارب

كمثل حرقوص، ومن حرقوص         فقعة قاع حولها قصيص

ليس من الحنظل يشتار العسل          ولا من البحور يصطاد الورل

هيهات ما سافلة كعالية                  ما معدن الحكمة أهل البادية([8])

وأما بالنسبة لمن عدا الخوارج من أصحابه وأعوانه (عليه الصلاة والسلام)، فإن حربي الجمل وصفين، والاغتيالات التي قام بها أعداؤه، قد أفقدته الكثير من خلّص أصحابه، ولم يبق معه إلا القليل. وقد قال الأشتر لهؤلاء الناس بعد انتهاء حرب صفين: «قتل أماثلكم، وبقي أراذلكم»([9]).

وقد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يتلهف على أصحابه المخلصين، الذين فقدهم([10]).

وقد قال (عليه السلام) حين تكلّموا حول مدى طاعة الأشتر لأوامره (عليه السلام): «ليت فيكم مثله إثنان، وليت فيكم مثله واحد»([11]).

ويقول (عليه السلام): «ذهب والله أولوا النهى، والفضل والتقى، الذين كانوا يقولون فيصدقون، ويدعون فيجيبون، ويلقون عدوهم فيصبرون وبقيت لي حثالة قوم لا يتعظون بموعظة ولا يفكرون في عاقبة لقد هممت أن أشخص عنكم فلا أطلب نصركم ما اختلف الجديدان»([12]).

وكل ذلك يوضح: أنه (عليه السلام) لم يعد بإمكانه تحريك الساحة بنفس الفاعلية وبنفس الحماس، إذ إن مراكز الثقل قد تلاشت، والكوادر الفاعلة التي كان لها تأثير كبير في توجيه الفكر، وبلورة الرؤية السياسية لدى الجماهير قد فقدت، فليس لعلي (عليه السلام) بعد اليوم، لا عمار، ولا أبو الهيثم بن التيهان، ولا الأشتر، ولا، ولا..

أما من تبقى معه من المخلصين، فقد كان عليهم أن يمسكوا بالمفاصل الحساسة للدولة التي تتناوشها ذؤبان معاوية، ويعبث فيها الأخطبوط الأموي، وغيره من فلول الحاقدين فساداً وإفساداً.

التوضيح والربط:

على ضوء ما تقدم وبعد أن عرفنا الحالة التي كان يعاني منها المجتمع فإن من الطبيعي أن تهيمن حالة من التردد والشك والريب على مواقف الناس، وعلى مواجهتهم لظاهرة الخوارج، وشعاراتهم، فكان لابد من اللجوء إلى أسلوب الصدمة، لإحداث اليقظة الضميرية والوجدانية لدى عامة الناس، اعتماداً على المنطلقات العامة فيما يرتبط بالإيمان بالغيب.

وقد ظهرت هذه الصدمة والهزة الضميرية عل شكل إخبارات غيبية، يشاهد الناس تحقق مضمونها بأم أعينهم. من أجل إعطاء الشحنة المحركة، وتسجيل الموقف الحاسم، لكي يمكن بعد ذلك ملاحقة ومتابعة العلم التربوي، والتثقيف والتوعية، ليكون ذلك ضمانة لبقاء القناعات، وتجذيرها في عقل وفكر، ووجدان الإنسان بصورة كافية..

وتمثل هذه الهزة أو فقل الصدمة الضميرية الأسلوب الأمثل لإظهار علم الإمامة، الذي استقاه (عليه السلام) من مهبط الوحي، ومعدن الرسالة محمد (صلى الله عليه وآله) ولم يشاركه فيه أحد.

ثم يأتي دور التركيز على عنصر النص، وتأكيده بصورة قاطعة، حتى لا يبقى عذر لمعتذر، ولا حيلة لمتطلب حيلة.

ويكون تعاضد هذين العنصرين، وهما: علم الإمامة، والنص على الإمام، هو الطريقة المثلى لنقل عنصر المبادأة والمبادرة إلى يد الإمام (عليه السلام).

وهكذا.. يتضح: أن هذه الصدمة من شأنها أن تفتح كوة في الجدار المضروب حول عقل وفكر مجتمع يعاني من حالة مزرية من الجهل بالدين وأحكامه، وبالإمامة والإمام، وقد زين جدار الجهل هذا بأصباغ براقة من الشعارات الخادعة، التي تتلبس له باسم الإسلام، ويجد فيها وسيلة تساعده على تحقيق مآربه في الغنائم والأموال. وفي الجاه، والهيمنة على الآخرين، وغير ذلك. من دون أن يكون للإسلام وتعاليمه تأثير يذكر على مواقفه وممارساته العملية..

نعم.. لقد كانت هذه الهزة الوجدانية ضرورية لأناس يتعاملون ـ في الأكثر ـ مع إمامهم المنصوص عليه من قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) كخليفة له في أعناقهم بيعة، يلزمهم الوفاء بها، لا من منطلق الاعتقاد بإمامته، وتنصيبه من قبل الله على يد رسوله.

ولم يكونوا وقد عرفوا الشيء الكثير عن هذا الإمام الخليفة، ولا عن سوابقه، وأثره في الإسلام وفي الدين.

ولم يكن بوسعه (عليه السلام) أن ينتظر إلى أن تؤدي وسائل الإقناع دورها في بث روح الإيمان وتعميقه، ولا إلى أن تؤدي التربوية التي تحتاج إلى كثير من الوقت والجهد ثمارها في مجال التزكية والتهذيب للنفوس.

والخلاصة: إنه إذا كان حربه (عليه السلام) مع الخوارج على درجة كبيرة من الحساسية، لما كان يمكن أن يؤدي إليه من سلبيات خطيرة في البنية الداخلية للمجتمع، فيما يرتبط بروحيات الناس، ومشاعرهم وقناعاتهم، وعلاقاتهم الاجتماعية، ومجمل أوضاعهم، فإن التركيز على عنصر الغيب، وإظهار علم الإمامة يصبح ضرورة ملحة، من أجل تلافي كثير من تلك السلبيات، بالإضافة إلى ما سوف يتركه هذا الأمر من آثار إيجابية في مجال الفكر والعقيدة للمجتمع الإسلامي في الأدوار اللاحقة.

النموذج الثاني: الإمام الرضا عليه السلام والجفر والجامعة:

لقد طال بنا الحديث حول النموذج الأول إلى الحد الذي ربما يجعل القارئ يجد بعض الصعوبة في الربط بين حلقات الموضوع، والتنسيق بين فقراته، ولأجل ذلك فقد رأينا أن نختصر الكلام حول النموذج الثاني والثالث، ونكتفي بالقول:

إن من الواضح: أن المأمون قد أجبر الإمام الرضا (عليه السلام) على قبول ولاية الأمر بعده. وقد أوضحنا في كتابنا: الحياة السياسية للإمام الرضا (عليه السلام) جوانب وحيثيات هذا الموضوع، وذكرنا أيضاً نبذة عن دوافع المأمون في إقدامه على هذا الأمر الخطير.

وقد بيّنا أيضاً بعض ما يرتبط بخطة الإمام (عليه السلام) لتضييع الفرصة على المأمون، ومنها إخباراته الغيبية (عليه السلام) عن عدم تمامية هذا الأمر، ونلفت النظر إلى خصوص ما كتبه (عليه السلام) على الوثيقة الرسمية لولاية العهد ولاسيما قوله: «والجامعة والجفر يدلان على ضد ذلك»([13]).

حيث أشار (عليه السلام) في قوله هذا إلى أحد الركنين الذين تقوم عليهما الإمامة، ألا وهو العلم الخاص الذي تلقاه عليه السلام عن آبائه الطاهرين (عليهم السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد أسند ذلك إلى الجفر والجامعة الذين لا يملكهما أحد سواه حتى الخليفة المأمون.

النموذج الثالث: المهدية وعلامات الظهور:

لقد روى المسلمون على اختلاف طوائفهم أحاديث كثيرة جداً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تبلغ المئات وربما الألوف حول المهدي من أهل البيت عجل الله تعالى فرجه، وأحواله، وعلامات ظهوره، وما يجري في أيامه.

وقد روي عن الأئمة الأطهار من أهل البيت (عليهم السلام) الشيء الكثير والكثير جداً من ذلك أيضاً.

ويكفي أن نذكر: أنه قد ادّعى الكثيرون المهدية لأنفسهم في حياة الصحابة والتابعين، ثم من بعدهم، ولم ينكر عليهم أحد، ولا ناقشهم أي من الناس في أصل الاعتقاد بالمهدية.

وإنما انصب النقاش حول تطبيق هذا اللقب على هذا الشخص أو ذاك، بل إن بعض من ادّعى هذا الأمر قد بايعته الأمة بمختلف فئاتها في معظم الأقطار والأمصار، ولم يمتنع عن بيعته سوى الإمام الصادق (عليه السلام) وشيعته([14]).

بل إن المعتزلة الذين أفرطوا في الاعتماد على العقل وقياس أحكام الشريعة وتعاليمها عليه، لم يصدر منهم آية بادرة في نطاق الاعتراض أو التشكيك في هذا الأمر الخطير والهام. كما أن الحكام الذين يرون: أن هذا الاعتقاد إنما يعني إدانة لهم، واعتبارهم غاصبين لمواقع ليست لهم، لم يستطيعوا أن يثيروا أية شبهة حول هذا الأمر، فاضطروا إلى التسليم به، والتعامل معه على أنه أمر قطعي وثابت، كما كان الحال بالنسبة للمنصور الذي حاول الالتفاف على الموضوع بتسمية ولده بالمهدي.

لكنّه لم يفلح كما هو معروف ومشهور([15]).

الاخبارات المستقبلية في دائرتين:

ومن المفيد الإلماح هنا إلى أنّ ما ورد عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وعن الأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، من اخبارات عن أحداث مستقبلية، وظواهر اجتماعية، قد عُرِفَت باسم: أخبار الملاحم، أو أخبار المنايا والبلايا، يمكن أن يجعل ضمن دائرتين:

إحداهما: دائرة التوقيف: وما سبيله النقل عن مصدر الغيب فالنبي (صلى الله عليه وآله) ينقل لنا عن جبرائيل، عن الله (تعالى)، والأئمة (عليهم السلام) ينقلون لنا عن آبائهم عن النبي (صلى الله عليه وآله) عن جبرائيل عن الله (تعالى).

وقد يعرض البداء لبعض المفردات من هذه الاخبارات، كما سيأتي تفصيله في الفصل التالي أن شاء الله (تعالى).

الثانية: دائرة الخبرة: وما سبيله المعرفة الدقيقة بالظروف والأحوال، ثم بالآثار والنتائج. من دون أن يكون ثمة حاجة إلى التوقيف.

فإذا كان النبي (صلى الله عليه وآله) أو الإمام (عليه السلام) هو الأعرف والأدرى بحقيقة الظروف والأحوال التي تمرُّ بها الأمة، وقد عَرَّفَ الناس، بظروفهم وحالاتهم، ووقف على حقيقة خصائصهم ومستوياتهم، وطريقة تفكيرهم، ونوع طموحاتهم، وطبيعة تحركاتهم، فإنه سوف يكون بمقدروه رسم آثارها، ونتائجها بحسب ما لها من تدرُّج طبيعي، وفق المعايير الواقعية، التي يعرفها (عليه السلام) ويدركها أكثر من أي إنسان آخر، ويكون إخباره (عليه السلام) بذلك على حدّ إخبار الطبيب الخبير بما ستكون عليه حالة رجلٍ قد جلس في حرّ الهاجرة ثلاث ساعات مكشوف الرأس، تصهره أشعة الشمس.

فإذا أخبر بصورة قاطعة بالحالات والعوارض التي ستنتاب هذا الشخص، فسوف يتحقق ما يخبر به جزماً وحتماً.

ولتكون إخبارات الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي كان من أعرف الناس بزمانه وأهله عمّا ستكون عليه الحال لو حكم الأمة بنو أمية ـ لتكن ـ من هذا القبيل، فقد قال (عليه السلام):

«.. وأيم الله، لتجدُنّ بني أميّة لكم أرباب سوء بعدي، كالنّاب الضروس، تعذم بفيها، وتخبط بيدها، وتزبن برجلها، وتمنع ردّها. لا يزالون بكم حتى لا يتركوا منكم إلاّ نافعاً لهم، أو غير ضائر بهم. ولا يزال بلاؤهم، حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلاّ كانتصار العبد من ربّه، والصاحب من مستصحبه، ترد فتنتهم شوهاء مخشية، وقِطَعاً جاهلية. ليس فيها منار هدى ولا علم يرى»([16]).

وقال لما رفع أهل الشام المصاحف:

«أيها الناس، إني أحق من أجاب إلى كتاب الله، ولكن معاوية، وابن أبي معيط، وابن أبي سرح، وابن مسلمة، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إني أعرف بهم منكم، صحبتهم صغاراً ورجالاً، فكانوا شر صغارٍ وشر رجالٍ.. الخ..»([17]).

إلى غير ذلك من كلماته (عليه السلام) الكثيرة جداً فليراجع نهج البلاغة، فقد جاء فيه من ذلك الشيء الكثير والشافي. مما يخبر فيه عليه السلام عن طبيعة هؤلاء الناس الذين عاش معهم، وعرف أحوالهم وطموحاتهم، ومفاهيمهم، وطريقتهم في التفكير، ونظرتهم للأمور، وعرف أنهم لا يملكون من المبادئ والقيم ما يردعهم عن ارتكاب العظائم والجرائم..

الإخبارات صادقة رغم الموانع:

ولكن ذلك لا يمنع من أن تحدث بعض التحولاّت والوقائع التي تمنع هؤلاء الناس من تحقيق مآربهم، وتحد من قدرتهم على إجراء سياستهم، فيتغير سير الأحداث، وتعطف اتجاهها، رغماً وقهراً وجبراً، من دون أن تتغير الحقيقة الراهنة التي أخبر عليه السلام عنها.. بل هي تبقى كامنة بانتظار الفرصة السانحة ـ فأمثال هذه العوارض والموانع ليست من قبيل البداء، لأن المقصود هو الإخبار عن طبيعة هؤلاء الناس، وهذه الطبيعة لم تتغير، بل حدث مانع من تأثيرها على صعيد الواقع فليست هي من قبيل ما لو حدث زلزال أو جفاف وقحط، مثلاً يزعزع الحالة القائمة، ويدفع بالناس إلى مواجهة أزمات عاطفية، أو إنسانية، أو اقتصادية، وحتى إجتماعية وسياسية تترك آثارها على مجمل حياة الناس، وعلى واقعهم في المجالات المختلفة، ويحدث من ثَمَّ خلل في حالات التوازن القائمة وتحدث تغييرات رئيسية في كثير من الطموحات، والتوجهات، والمواقف، والخطط على الصعيدين الخاص والعام على حد سواء.

فاتضح مما تقدم: أن حدوث هذه المفاجآت لا يقلّل من قيمة تلك الإخبارات، التي جاءت نتيجة طبيعية لعملية رصدٍ دقيقة وعميقة لكل الواقع الذي يعيشه الناس، ويتعاملون معه ويتحركون فيه..

حيث لابدّ من أخذها بعين الاعتبار في كل تخطيط مستقبلي هادف إلى إحداث تغيير جذري لصالح الاتجاهات السليمة والخيّرة على صعيد الأمة بأسرها.

بل ليس من قبيل المجازفة القول: إنّ تلك المفاجآت التي ألمحنا إليها، تؤكد قيمة تلك الاخبارات المستقبلية وتعززها إذا كان من شأنها أن تعالج بعض الآثار السلبية التي تتمثل في حدوث ارتكاز عفوي نشأ عن محض العادة والألفة بالمحكومية والخضوع للتيار العام، من دون أن يملك هذا الارتكاز المبررات الكافية له في متن الواقع. وتكون نتجية ذلك هي أن يسير الإنسان في صراط الاستسلام إلى تيار يشعر أنه لا يملك معه أي خيار. في حين أنه يملك كل الخيارات في صنعه وفي تحويل اتجاهه. وليس ما يحس به إلاّ شعور كاذب، ومحض سراب.

وعلى هذا فإن تلك المفاجآت تأتي لتؤكد للإنسان أن كل شيء قابل للتغيير، وأن عليه أن لا يستسلم ولا يستكين، وليكتشف ـ من ثم ـ أنه إنما كان أسير خيال زائف وأوهام بالية وأنه يملك من القدرات والخيارات ما يجعله قادراً على التأثير في كل ما يحيط به، وعلى توجيه الأمور أنى شاء وحيثما يريد.

الإمام، وإدارة شؤون الأمة:

وبعد ما تقدم نقول: إذا نظرنا إلى أمر الإمامة والإمام من زاوية أخرى.

فإننا نجد من جهة: أن من مهمات الإمام: تعليم وتربية الأمة، وله وحده حق الحاكمية عليها وإدارة شؤونها، والهيمنة على مسيرتها. والإمام هو ذلك الإنسان الحاضر، والناظر، والراصد لحركة الإسلام في الناس، والشاهد على الناس في مدى استجابتهم للإسلام، وتفاعلهم معه، ووفائهم أو عدم وفائهم، للحق وللدين، والمثل العليا.

وكلّ ذلك يؤكّد على أنّ وجود الإمام في كلّ عصر وزمان يصبح ضرورة لابُدّ منها، ولا غنى عنها، لتحقيق الأهداف الإلهيّة، بحصول الإنسان على السّعادة، ووصوله إلى درجات القرب والرضى منه سبحانه وتعالى.

ومن جهة ثانية: فإنّ الأئمة حين يمارسون دورهم، ويقومون بأعباء الإمامة ومهمّاتها، فإنّما يفعلون ذلك في دائرة السنن الإلهية الجارية، وبالطّرق الطبيعيّة، ولم يكونوا ليفرضوا سلطتهم، وهيمنتهم، وحاكميّتهم على الناس بأسلوب إعجازي قاهر. لأن هذا من شأنه أن يضيّع الكثير من الأهداف الإلهية المتوخاة في نطاق مسيرة الإنسان نحو الكمال بصورة طوعيّة، واختياريّة، متجاوزاً كلّ ما يعترض طريقه من أشواك وعوائق.

وإذا كان كذلك فإن من الطبيعي أن تعرض لهم (عليهم السلام) المحن والرزايا، والهموم، والبلايا، وأن تعترضهم المشكلات والمصائب، وتعتورهم النوائب والمتاعب، ثم أن يواجهوا ذلك بما توفّر لديهم من وسائل يمكن أن تساعدهم على تجاوز المحنة، وتذليل الصعاب، فينجحون في ذلك، وقد تحجب الظروف ذلك النجاح.

ومن جهة ثالثة: فإن مجرّد وجود الأئمة (عليهم السلام)، وحاكميّتهم المنصوصة، وطبيعة دعوتهم ورسالتهم كل ذلك يتناقض بصورة أساسية مع حاكمية الطّواغيت والجبابرة، وأصحاب الأهواء والمطامع، ولذا.. فقد كان من المألوف والطبيعي أن نجد هؤلاء القادة والطغاة والمنحرفين يبغون للأئمة والأنبياء الغوائل، ويحاولون إطفاء نور الله، بشتى الوسائل ومختلف الأساليب.

ولقد قتلوا بعضهم بالسيف، كما كان الحال بالنسبة لأمير المؤمنين علي، وولده الحسين (صلوات الله وسلامه عليهما)، ومن قبلهما يحيى بن ذكريّا، وغيره من الأنبياء، وأوصيائهم.

وقتلوا فريقاً آخر بالسم، كما كان الحال بالنسبة للإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) وغيره من الأئمة المعصومين، (صلوات الله عليهم أجمعين). حتى إذا عجزوا عن ذلك لجأوا إلى زجهم بالسجون، وإلحاق أنواع الأذى بهم والتضييق عليهم وعلى شيعتهم ومحبّيهم، بكلّ قسوة وجفاء.

لماذا إثنا عشر إماماً فقط؟!

وإذ عرفنا ضرورة الإمامة، وضرورة وجود الإمام في كلّ عصر وزمان. وعرفنا أيضاً السنّة الإلهيّة في طبيعة عمل الإمام في الأمّة، فإننا نذكّر هنا بالشيء الذي تدخلت فيه الإرادة الإلهيّة واقتضته المشيئة الربانيّة وهو أن لا يزيد عدد الأئمّة الأطهار على الاثني عشر إماماً، ولا ينقص عن عدد نقباء بني إسرائيل.

ولم تُترك هذه القضيّة للزمن، بحيث كلّما مات إمام أو قتل، خَلَفَهُ إمامٌ آخر، لأن تركها إلى الزمن لسوف يزيد الأمر تعقيداً، ويجعل الأطروحة الإلهيّة الإسلامية في معرض الخطر الأكيد، وذلك حينما يكون ذلك سبباً في بلبلة أذهان الناس، وتحيّرهم، وفي ضياعهم وتمزّقهم، ثم في ظهور الكثير من الجهالات والأباطيل باسم الدين والإسلام، وعلى حساب الصواب والحق..

وحيث تصبح الفرصة في متناول أيدي أصحاب الأطماع، وطلاب اللبانات، لادّعاء الإمامة، وتضليل الناس، والتّلاعب بالدّين وأحكامه، وظهور البدع، وضياع الحق، حتى ليصير الوصول إليه أمراً مستحيلاً أو يكاد.

ولا ننسى: أنّه إذا شعر الحكّام أنّه ليس ثمة ما يجبرهم على اتّخاذ جانب المرونة والحذر([18])، وأنّهم يمتلكون القوة الكافية للقضاء على مصدر الخطر عليهم، واستئصاله بصورة نهائية وقاطعة، فإنّهم سوف يبادرون إلى ذلك ـ حسبما ألمحنا إليه ـ ولسوف تعصف رياح حقدهم لتقتلع كل المنجزات التي هي حصيلة جهد وجهاد الأنبياء والأوصياء، وكل الناس الذين أخلصوا لله سبحانه من جذورها حتى وكأن شيئاً لم يكن..

ولأجل هذا وذاك، ووفقاً لمقتضيات الحاجة، وانسجاماً مع الضّرورات التي يفرضها هذا الواقع وغير ذلك من حيثيات تربويّة وغيرها، فقد حدّد النص الوارد عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) عدد الأئمة من بعده وبيّن أسماءهم. وخرجت السنّة الإلهيّة عما هو المألوف.

فاقتضت الحكمة أن يطول عمر الإمام الثاني عشر بانتظار أن تسنح الفرصة للقيام بالحركة الإصلاحيّة الشاملة، وعلى مستوى العالم بأسره.

وحتى مع هذا التّحديد، وذلك النص الصريح فإنّ الساحة الإسلامية لم تسلم من ادّعاءات كاذبة لمقام الإمامة، فقد ادّعيَ هذا المقام لزيد بن علي بن الحسين (عليه السلام)، ولمحمّد بن الحنفية، ولإسماعيل بن الإمام الصادق (عليه السلام)، وادّعاه أيضاً جعفر الموسوم «بالكذّاب»، بالإضافة إلى آخرين..

ولكن ذلك لم يكن من الخطورة بحيث يخشى منه على المسار العام.

وهو أمر قابل للتحمل في مقابل المفاسد الأكبر والأخطر، التي سوف تنشأ عن ترك الأمر مستمرّاً عبر المقاطع التاريخية المختلفة، من دون تحديده بعددٍ معيّن، وبأشخاص بأعيانهم وأسمائهم.

وباستطاعتنا أن ندرك: أنّ الحصر باثني عشر إماماً كان ضروريّاً من خلال تطابقه مع الحاجة التي كانت قائمة على صعيد الواقع، فإننا إذا درسنا بعمق طبيعة الفترة التي عاشها الأئمة في القرون الثلاثة التي تلت وفاة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، فإننا سوف ندرك: أن الأمة قد استطاعت في هذه الفترة أن تستوعب عملياً جميع مناحي التشريع، ومختلف مراميه وأهدافه على مستوى الاتجاه العام، وأن تعيش التجربة في شتى المجالات، ومختلف الأبعاد، حيث مرورها بالأدوار المختلفة، وتشعّب مناحي الحياة التي تعيشها، ثم تشبُثها بأسباب المدنية، والحضارة، واتصالها بغيرها من الأمم المختلفة ونموّها وتكاملها في المجالات الفكريّة، والسياسية والاقتصادية والتربوية والاجتماعية وغيرها ـ إن ذلك كلّه، كان عاملاً مساعداً إلى درجة كبيرة على فهم أعمق للإسلام ولمفاهيمه السياسية، والتربويّة والتشريعيّة، وغيرها.

المهدية في موقعها الطليعي والطبيعي:

وبملاحظة جميع ما تقدم: وبعد وصول الأمة إلى درجة النضج، وبلوغها مرحلة سن الرشد، فكريّاً واجتماعياً و.. و.. ولو بواسطة تربية شريحة من أبنائها، تكفي في تحقق إمكانية معرفة الناس للحق، والحقيقة، وعن طريق التفاعل مع هذه الشريحة، والمراودة الفكرية لها.

وكذلك بعد أن يستشعر الطغيان الخطر الذي يتهدده من قِبَل ذلك الذي يعرف أنه سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، فإن غيبة هذا الإمام، واتخاذه موقعاً آخر يمكنه فيه مواصلة الاتصال بالأمة، والتعامل معها، ولو من خلال سفرائه ووكلائه الخاصّين والعامّين، وغير ذلك من وسائل تقع تحت اختياره ـ إن هذه الغيبة ـ تصبح هي الأمر الواقع الذي لابد من قبوله، والتعامل معه بطريقة ليس فقط تجعل هذه الغيبة لا تؤثر سلباً على مسيرة الصلاح والإصلاح، وإنما تكون عاملاً لاستمرار هذه المسيرة بقوة أشد، وفاعلية وحيوية أكثر.

ولولا هذه الغيبة فإن فرص العمل، والحفاظ على المنجزات التي هي ثمرة جهاد وجهود الأنبياء والمخلصين عبر التاريخ البشري، لسوف تتقلص وتصل إلى درجة الصفر، ليس فقط من حيث وضع العراقيل والعوائق في وجه العمل والعاملين. من حيث أن الحكام والمستبدين سيواجهونهم بكل الوسائل المتاحة لهم لتدمير كل شيء ومحاولة القضاء على الأطروحة بأسرها من خلال القضاء على محورها ومصدرها الأول، وقلبها النابض، المتجسد في الإمام والرمز.

علامات الظهور في خدمة الهدف:

وأخيراً.. فإن مما يساعد على حفظ الهدف الكبير، وتحقيق النتائج المتوخاة وله دوره في الحفاظ على الروح والحيوية الفاعلة والمؤثرة، هو إبلاغ الناس بعلامات الظهور، حيث لابد أن ترهق المشكلات والمتاعب والمصاعب روح كثير من العاملين، وتُمْنى بالإحباط عزائمهم وبالخور هِممهم، وتصاب بالأذى مشاعرهم، وتذبل شيئاً فشيئاً زهرة أملهم.

فرؤية بعض تلك العلامات يتحقق على صفحة الواقع ستشحذ العزائم، وتستنهض الهمم، وتثير المشاعر، وتكون بمثابة ماء الحياة، الذي يعيد لتلك الزهرة الذابلة نموها، ويسبغ عليها رواءها، ورونقها، ويزيد في بهجتها.

وهذا ما حصل بالفعل عبر التاريخ.. ودراسة حياة الأمة الإسلامية عبر عصورها المختلفة خير شاهد على ما نقول..

 

الفصل الثاني
علائم الظهور في تقييم عام

 

الظاهرة المألوفة:

إن من الأمور التي أصبحت مألوفة لنا: أن نجد كثيرين من الناس حين يواجهون الأزمات، ويجدون أنفسهم وجهاً لوجه مع الأحداث الكبيرة، والخطيرة ـ نجدهم ـ يظهرون اهتماماً متزايداً بقضية الإمام المهدي (عجل الله فرجه) وبعلائم الظهور، ويبحثون عن المزيد مما يمنحهم بصيص أمل، ويلقي لهم بعض الضوء على ما سيحدث في المستقبل القريب أو البعيد.

ومن هنا.. فإننا نجد عدداً من الكتاب والمؤلفين يحاولون الاستجابة لهذه الرغبة الظاهرة، ويبذلون جهوداً كبيرة لترسيم مستقبل الأحداث وفق ما يتيسر لهم فهمه من النصوص الحاضرة لديهم. تلك النصوص التي جاء أكثرها غامضاً وغائماً، اختلط غثها بسمينها، وصحيحها بسقيمها، وتعرض كثير منها للتحريف، وزِيدَ فيه أو نُقِّصَ منه، هذا عدا عن الكثير مما اختلقته يد الأطماع والأهواء..

وستأتي الإشارة إلى بعض منه في ثنايا هذه البحث إن شاء الله (تعالى).

الانحراف الخطير:

وإننا وإن كنا نعتبر لجوء الناس إلى الدين وإلى النصوص الدينية، وشعورهم بأنه هو الذي يملك الإجابات الصحيحة على كثير من تساؤلاتهم، ولديه الحلول الجذرية لما يعانون منه، من مشكلات، وبلايا. إلا أن تعاملهم في خصوص الاخبارات الغيبية، وبالأخص مع قضية الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، قد جاء لينذر بانحراف خطير في المجال العقائدي، فضلاً عن المجال العلمي، وذلك حينما اقتصر على زاوية واحدة منه، وهي تلك التي تشغل بال الناس، وتستأثر باهتمامات الكثرة الكاثرة منهم، ألا وهي علامات ظهوره (عليه السلام) وما رافق ذلك من إخبارات غيبية بما سيحدث في آخر الزمان. أو في طول الزمان الممتد من عصرهم صلوات الله وسلامه عليهم إلى حين ظهور الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه..

وقد استبطن ذلك إهمال سائر مفردات ومجالات التعامل مع هذه القضية حتى أصبحت في عالم النسيان، لا تكاد تخطر لأحد منهم على بال، ولا تمّر له في خاطر، رغم أنها هي الأهم والأكثر مساساً بحياتهم وبوجودهم، وعلى رأسها التعامل معه كقائد للمسيرة، ومهيمن على السلوك، والموقف، وموجّه لها..

وهكذا.. لم يعد الإمام المهدي بالنسبة إلى الكثيرين منا هو ذلك الإمام الحاضر والناظر، الذي يعيش من أجل قضية، ويعمل ويضحّي، ويدعونا إلى العمل والجهاد والتضحية من أجلها وفي سبيلها.

كما أننا لم نعد نحمل هُمومه كما يحمل هو هُمومنا، ولا نشعر معه كما يشعر هو معنا، ولا نرقب حركتنا معه كما يرقب هو حركتنا، ولا نتوقع منه، ولا نريد أن يتوقع منا أي عمل إيجابي تجاه القضية الكبرى التي يعيشها، ويجاهد ويعاني في سبيلها وفي قضيتنا قضية الإسلام والإنسان، وهي القضية الأكثر أهمية وحساسية بالنسبة لنا، لأنها تمس وجودنا ومستقبلنا ومصيرنا في الصميم.

وطبيعي أن يترك هذا التعامل منا مع موضوع الإمام المهدي (عجل الله فرجه) آثاره السلبية، والخطيرة على مجمل الحياة التي نعيشها لأنه يمثل انفصالاً حقيقياً عن القيادة، وعن القائد من جهة، ولأنه يضع المزيد من العقبات والمصاعب في طريق القائد نفسه.

هذا.. بالإضافة إلى أنه يسلب منه عنصر المبادأة والمبادرة في معالجة الأحداث، ومواجهة التحديات، من جهة أخرى.

الانحراف يتضاعف:

وحتى فيما يختص بذلك الجانب الخاص ويرتبط بتلك الزاوية المحدودة التي آثرناها على كل ما هو سواها وهي الاخبارات المستقبلية وعلامات الظهور فإن تعاملنا معها قد جاء بصورة خاطئة بدرجة كبيرة، وذلك حينما نجد أنفسنا في موقع المستسلم الخاضع لأمور يراها حتمية ولا مناص منها، فهي القضاء المبرم، والقدر اللازم. الأمر الذي من شأنه أن يرسخ فينا الشعور بالإحباط والانهزام، والعجز، ما دمنا نجد أنفسنا في مواجهة أمر خارج عن اختيارنا، لا نملك دفعه، ولا التأثير فيه.

ومن جهة ثانية: فإن ذلك يبعث فينا الشعور بالرضى، وببراءة الذمة حيث لم نعد نتحمل أية مسؤولية، ولا يطلب منا، أو فقل ليس من الصحيح أن يطلب منا تسجيل أي موقف تجاه الأحداث، والمستجدات مهما كانت.

وإذن.. فلا مكان بعد هذا للشعور بالذنب، ولا بالتقصير، إذا تركنا الفساد يستشري والظلم يسود ويهيمن. بل يكون التصدي لذلك حتى في أدنى درجاته، وأسلم عواقبه هو الذنب وهو الجريمة حيث إنه يمثل اعتراضاً على إرادة الله سبحانه، وهو من ثم إلقاء للنفس في التهلكة، أو إهدار للطاقات بلا مبرر ظاهر، ولا سبب وجيه.

وقد نشعر أن من مسؤولياتنا بث هذا النوع من الفهم وتعميمه حرصاً منا على مصلحة المسلمين، وعملاً بالتكليف الشرعي الموهوم!!.

ولا نجد حرجاً بعد هذا في أن نتتبع الروايات لنستخلص منها بعض ما يفيد في معرفة بعض ما سيحدث عن قريب، ونوزع الاخبارات الغيبية والتنبؤات هنا وهناك ونبثها بين الناس، لتثير بعضاً من فضولهم، وتستأثر بشيء من عجبهم أو إعجابهم..

الأئمة واقفون على سلبيات الأمر:

وفي اعتقادنا: أن أئمتنا (صلوات الله عليهم) كانوا يدركون: أن هذا النوع من الأخبار التي تصدر عنهم، وإن كانت له إيجابياته الكبرى إلا أن له أيضاً سلبيات من نوع آخر، لابد من التصدي لها ومعالجتها، والحد من تأثيراتها قدر الامكان.

وذلك لأن هذا الموضوع جذاب، يستهوي أصحاب الأهواء والطموحات، خصوصاً أصحاب الدعوات الباطلة والزائفة منهم، ممن يريدون تكريس دعواتهم تلك بالأساليب الملتوية وبالادعاءات المثيرة لفضول الناس العاديين، وتستأثر باهتماماتهم. شريطة أن لا يجرؤ أحد على تكذيبها بصورة صريحة ولا حتى التشكيك فيها، وذلك بسبب ما تثيره فيهم من شعور مبهم بالخوف والوجل تجاهها. فإن أصحاب الطموحات والدعوات الباطلة يدركون جيداً أن الإنسان العادي لا يملك إلا الاستسلام للغيب، والانهزام أمام المجهول، ومحاولة التحرز منه ومن أخطاره المحتملة..

وهذا بالذات هو ما يضعف مقاومة الناس العاديين أمام تلك الدعوات مهما كانت غائمه، وغير واضحة المعالم، أو غير منسجمة مع أحكام العقل، ومقتضيات الفطرة. كما أن ذلك من شأنه أن يبعدهم ويصرفهم عن التفكير في ماهيتها الحقيقية، وفي صلاحها وفسادها..

وبعد ما تقدم.. فإنه يصبح من الطبيعي أن يكثر الاختلاق والوضع في مجال الاخبارات الغيبية المستقبلية، وفي علامات آخر الزمان، التي يرصد الناس فيها مستقبلهم ومصيرهم.

ولسوف تصاغ بقوالب خادعة ومطاطة وغامضة ليمكن الاستفادة منها في الموقع المناسب.

ما هو الحل؟!:

وكل ما تقدم يحتّم ويُلزم بوضع حلّ لهذا المشكل، تُتَلافى معه تلك السلبيات مع الحرص على أن تؤدي تلك الاخبارات الغيبية الصادرة عن المعصومين (عليهم السلام) دورها الذي كانت من أجله..

وقد بادروا (عليهم السلام) إلى وضع حل يضمن ذلك بصورة تامة ودقيقة وقد جاء منسجماً تماماً مع الهدف الذي ترمي إليه الاخبارات الصادرة عنهم (عليهم السلام).

وقبل التعرض لهذا الحل نشير إلى حقيقة هامة، إذا أدركناها فإنه يسهل علينا معرفة صوابية ذلك الحل الذي قدموه (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).

الفرق بين ما وقع وبين ما سيقع:

وهذه الحقيقة هي: أن المعصومين (عليهم الصلاة والسلام) ما كانوا باخباراتهم تلك يريدون ربط الناس بما سيقع، من أجل أن يستغرقوا فيه. أو ليكون ذلك عذراً أو مبرراً للوقوف على هامش الساحة في موقع المتفرج.

إن لم يصبح عبئاً يثقل كاهل العمل المخلص والجاد، ويثقل خطب العاملين كذلك.

هذا كله.. عدا عما يمارسه الكثيرون ممن لديهم هذا الفهم من دور سلبي في مجال التثبيط، وإيجاد حالة من الفشل والإحباط. وقد يتعدى ذلك إلى إيجاد الانقسامات والاختلافات التي تستهلك الطاقات، وتستنفد الهمم والعزائم، ليصبح العدو ـ من ثم ـ أقدر على توجيه الضربات الساحقة، والماحقة، لكل جهد مخلص، أساسي وبنّاء.

نعم.. إنهم (عليهم السلام) ما كانوا يريدون ربط الناس بما سيقع، وإنما بما وقع. أي أنهم يريدون للناس أن يستفيدوا مما وقع ومضى لينعش بهم الأمل، ويشحذ الهمم والعزائم ليمنحهم اليقين، ويهب لهم حالة السكون والركون إلى الحق، والارتباط العاطفي والشعوري بقائد المسيرة ورائدها، بعد الانتهاء من مرحلة الارتكاز العقائدي المستند إلى القناعات الناشئة عن وسائل الإثبات للأصول والمنطلقات الأوليّة في مسائل الإمامة على صعيد مفاهيمها الأساسية من جهة، وعلى صعيد التجسيد الحي في المثل الحي للإمامة الحاضرة، من جهة أخرى.

ولا شك في أن وجود هذا الارتباط العاطفي والشعوري، وذلك السكون والركون يصبح ضرورة ملحة، حينما يبدو أن الناس قد بدأوا يتعاملون مع قضية الإمام المهدي كمرتكز عقائدي، لا يملك من الروافد الشعورية والعاطفيّة إلا القليل القليل، الذي لا أثر له في موقع الحركة، وتسجيل الموقف.

فالمطلوب إذن، هو أن يسهم ما وقع في بعث الأمل ورفع درجة الإحساس، والشعور والارتباط بالقائد وبالقيادة إلى مستوى أعلى وأكثر حيوية وفاعلية فيه الكثير من الجدّية، والمزيد من العطاء. ويعمق في الإنسان المسلم المزيد من الشعور بالمسؤولية، والإحساس بالرقابة، ليعيش في رحاب الإمامة بكل ما فيها من معان، وكل ما تمثله من عطاء، في مجال الحركة والعمل والسلوك والموقف، وفي جميع مفردات حياته التي يعيشها.

الحل الأفضل:

وبعد هذا التوضيح الذي ذكرناه نقول:

أن هذا الحل يتلخص في إعطاء ضابطة عامة للأحاديث التي تتحدث عن المستقبل، وعن علامات الظهور للإمام الحجة (عجل الله فرجه)، تشير إلى أنها جميعاً حتى ما صح سنده منها إنما تتحدث عن أمور ليست بأجمعها حتمية الوقوع، فمن الجائز أن لا يقع بعض منها، ولكن هذا البعض لا يمكن لنا تحديده بالدقة.

والسبب في ذلك هو: أن الإمام (عليه السلام) أو النبي (صلى الله عليه وآله)، إنما يتحدث ويخبر عن تحقق المقتضي لوجود ظاهرة، أو حدث مّا وفق ما هو مخزون في علم الغيب. بحيث لو سارت الأحداث على طبيعتها لتحقق ذلك المقتضي.

ولكنه (عليه السلام) لم يخبر عن شرائط تأثير تلك المقتضيات هل سوف توجد أم لا؟ كما أنه لم يخبر عن الموانع التي قد تعرض للمقتضي، وتمنعه من التأثير.

وإذن.. فإذا تحقق شيء مما أخبر عنه (عليه السلام)، فإن ذلك يكشف عن تحقق شرائطه، وفقد موانعه، وتمامية عناصر علته، وإذا لم يتحقق، فإن ذلك يكشف عن عروض مانع، أو فقد شرط تأثير ذلك المقتضي.

فهو (عليه السلام) إذن إنما يخبر عن أمور قد تختلف في المآل والنتيجة، ولكنها متحدة، وذات طبيعة واحدة، وفي نسق واحد من حيث تحقق مقتضياتها.

وهذا بالذات هو ما تعنيه الروايات التي نصت على حتمية بعض علامات الظهور، وأوضحت أن سائر ما يُذكَر في الروايات مما عدا ذلك قد لا يقع بعض منه إما لاحتمال أن لا يوجد شرط تأثير مقتضيه، أو لوجود المانع من التأثير.

وذلك يعني: أن يصبح ضعيف السند، وصحيحه من تلك الروايات بمنزلةٍ واحدة، من حيث عدم إمكانية التنبوء بحتمية حصوله في المستقبل، فإن كل ما أخبرت عنه تلك الروايات يصبح في معرض أن لا يتحقق ولا يكون. وإن كان احتمال الحصول في الروايات الصحيحة أقوى منه في غيرها.

فلا مجال بعد لرسم خريطة للأحداث المستقبلية، ولا يصح صرف الجهد في التعرف على ما سيحدث، ومحاولات من هذا القبيل لن يكون لها الأثر المطلوب في ترغيب الناس، أو ترهيبهم، ما دام أنه لم يعد ثمة مجال للاستفادة من الأخبار صحيحها وسقيمها إلا بعد وقوع الحدث. فيأتي حينئذ دور المقارنة بين ما هو مذكور في الرواية، وبين ما وقع فعلاً ويكون الإيمان به، أو عدمه على هذا الأساس.

العلامات التي هي من المحتوم:

ولأجل تتميم البحث، فإننا نذكر فيما يلي طائفة من الروايات التي بينّت العلامات التي هي من المحتوم.

وسوف يلاحظ القارئ: إذا راجع ـ كتب الرجال ـ أن من بين هذه الروايات ما هو معتبر من حيث السند، مع عدم وجود ما يقتضي التشكيك في متنه.

وقد جاء ما اخترناه على قسمين([19]):

أحدهما:

قد قسّم العلامات إلى قسمين: محتوم وغير محتوم، مع ذكره لبعض الخصوصيات.

الثاني:

اكتفى بتعداد العلامات التي هي من المحتوم كما سيظهر من الصفحات التالية:

ألف: الطائفة الأولى من الروايات:

ونذكر من القسم الذي فَصلَ بين المحتوم وغيره وذكر بعض الخصوصيات لهما.

الرويات التالية:

أحمد بن محمد بن سعيد، عن محمد بن سالم بن عبد الرحمن الأزدي، عن عثمان بن سعيد الطويل، عن أحمد بن سليم، عن موسى بن بكر، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إن من الأمور أموراً موقوفة، وأموراً محتومة، وأن السفياني من المحتوم الذي لابد منه»([20]).

أحمد بن محمد بن سعيد، عن القاسم بن الحسن بن حازم من كتابه عن عيسى بن هشام، عن محمد بن بشر الأحول، عن عبد الله بن جبلة، عن عيسى بن أعين، عن معلى بن خنيس، قال:

«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من الأمر محتوم، ومنه ما ليس محتوم ومن المحتوم خروج السفياني في رجب»([21]).

أحمد بن محمد بن سعيد، عن علي بن الحسن، عن محمد بن خالد الأصم، عن عبد الله بن بكير، عن ثعلبة بن ميمون، عن زرارة، عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام) في قوله تعالى: «{ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ}([22]) فقال:

«إنهما أجلان: أجل محتوم، وأجل موقوف.

فقال له حمران: ما المحتوم؟

قال: الذي لله فيه مشيئة.

قال حمران: إني لأرجو أن يكون أجل السفياني من الموقوف.

فقال أبو جعفر: لا والله، إنه لمن المحتوم»([23]).

4 ـ محمد بن همام، عن محمد بن أحمد بن عبد الله الخالنجي، عن داود بن القاسم:

«كنا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا (عليه السلام)، فجرى ذكر السفياني، وما جاء في الرواية من أن أمره من المحتوم، فقلت لأبي جعفر: هل يبدو لله في المحتوم؟.

قال: نعم.

قلنا له: فنخاف أن يبدو لله في القائم.

قال: إن القائم من الميعاد، والله لا يخلف الميعاد»([24]).

المجلسي: والبداء في المحتوم:

قال المجلسي رحمه الله: يُحتمل أن يكون المراد بالبداء في المحتوم: البداء في خصوصياته، لا في أصل وجوده، كخروج السفياني قبل ذهاب بني العباس ونحو ذلك([25]).

ولكننا لا نوافق العلامة المجلسي رحمه الله على جوابه هذا، فإن سياق الرواية التي تتحدث عن حتمية نفس الحدث، وعروض البداء فيه نفسه، يأبى عن صرف البداء إلى الخصوصيات. ولا أقل من أنه خلاف الظاهر.. فلابد من البحث عن إجابة أخرى تكون أوضح، وأتم.

ونحن نجمل رأينا في هذه الرواية فيما يلي:

رأينا: البداء في المحتوم!!:

إن أساس الإشكال الذي أثار تعجب السائل، وحاول العلامة المجلسي الإجابة عليه هو:

أن البداء في المحتوم ينافي حتميته، لأن معنى البداء في شيء هو العدول عنه، فحتمي الوجود يصبح ـ بواسطة البداء ـ غير حتمي، وكذلك العكس.

وعلى هذا.. فلا يبقى ثمة فرق بين المحتوم وغيره، فلا معنى لهذا التقسيم.

ولعل الجواب الأتم والأوفى هو:

أن هناك أمور ثلاثة يمكن استفادتها من الروايات:

الأول:

ما قدمناه، من أن الإخبار يكون عن تحقّق المقتضيات للأحداث والوقائع من دون تعرض لشرائطها وموانعها. فقد تتحقق تلك، وتفقد هذه، فيوجد الحدث وقد لا فلا.

وقد قدمنا الحديث عن هذا القسم ونعزّزه هنا بالمثال التقريبي.

فنقول:

أما بالنسبة للمانع، فهو نظير بيت بُنِيَ على ساحل البحر، وكان البناء من القوة بحيث يستطيع البقاء مئة سنة.

ولكن إذا ضربته مياه البحر، أو تعّرض لعاصفة عاتية، أو لزلزال، فلسوف ينتهي عمره في أقل من نصف هذه المدة فيصحّ الإخبار عن المدة الأولى من دون تعرض لذلك المانع المعارض، أو الذي يعرض له.

وكذلك الحال لو كان للإنسان حقل زرعه قمحاً، وقد استحصد، فإنه يصح له أن يقول: إن لدي مقدار ألف كيلو من القمح، ولكنه لا يدري: أن طفلاً سيلقي فيه عود ثقاب فيحرق، أو سوف يأتي سيل فيقضي عليه.

وأما بالنسبة إلى الشرط، فهو نظير شجرة خضراء غرست في الموقع وفي المكان المناسب، ولكنّ شرْطَ نموّها وحياتها هو إيصال الماء إليها، فإذا لم يتحقق هذا الشرط، امتنعت عليها الحياة. فيخبر عن حياة الشجرة، وعن عمرها، من دون الأخذ بنظر الاعتبار عدم تحقق ذلك الشرط كما قلنا.

ومن الأمثلة التي وردت في القرآن وفي السنة، على لسان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، والأئمة الأطهار (عليهم السلام) نذكر:

أن بعض الروايات قد صرحت بأن الرجل ليصل رحمه، وقد بقي من عمره ثلاث سنين، فيصّيرها الله عز وجل ثلاثين سنة، ويقطعها وقد بقي من عمره ثلاثين سنة، فيصّيرها الله ثلاث سنين. ثم تلا: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}([26]).

ما روي من أن إذاعة الناس، وعدم كتمانهم قد أوجب تأخُّر ظهور ذلك الرجل الذي سوف يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، إلى وقت آخر([27]).

لقد استشهدت بعض الروايات على حصول البداء في وقت ظهور القائم (عجل الله فرجه) بأن موسى قد واعد قومه ثلاثين يوماً، وكان في علم الله عز وجل زيادة عشرة أيام، لم يخبر موسى قومه بها فكفروا بعد مرور الثّلاثين، وعبدوا العجلَ.

واستشهدت على ذلك أيضاً بأن يونس قد أوعد قومه بالعذاب، «وكان في علم الله أن يعفو عنهم، وكان من أمر الله ما قد علمت»([28]).

وقد عبرت الروايات عن هذا القسم تارة بـ «الموقوف» وأخرى بـ «ما ليس بمحتوم» كما سبق..

الثاني:

ما يكون الإخبار فيه عن تحقق العلة التامة، بجميع أجزائها وشرائطها، وفقد الموانع، بحيث يصبح وجود المعلول ـ الحدث ـ أمراً حتمياً، لا يغيّره سوى تدخّل الإرادة الإلهية.

وذلك.. لأن تمامية العلة، لا يلغي قدرة الله سبحانه، وحاكميته المطلقة ولا حقه في التدخل، حينما لا يصطدم ذلك التدخل بأي مانع آخر سوى ذلك، فهو لا ينافي عدله سبحانه، ولا حكمته، ولا رحمته، ولا غير ذلك من صفاته الربوبية جل وعلا..

ولا ينافي هذا: أنه قد جرت عادته تعالى، فيما نشاهده ونعيشه على عدم التدخل للحيلولة بين العلل ومعلوماتها، وعلى تسيير أمور الكون والحياة وِفْقَ طريقة معينة، وقانون عام، ونظام تام.

فمثلاً قد اعتدنا: أن يسير توالد الناس، والموت، والحياة، على وتيرة واحدة، ويتم بالأسباب المعروفة.

كما أن ثبات الأرض والجبال، وتماسكها، وثقلها، واستقرارها هو السنّة التي ألفناها وعرفناها في جميع مقاطع حياتنا.

ولكن مشيئة الله سبحانه، قد تلغي ذلك كما في قضية ولادة عيسى ـ بل هي سوف تلغي حتماً ـ هذه الحالة عند انتهاء أمد الدنيا ـ وبذلك تكون نفس مشيئته، وليس فقد الشرط، ولا وجود الموانع سبباً في وقف التوالد، وفي صيرورة الجبال كالعهن([29]) المنفوش. كما أنها لسوف تمّر مرّ السحاب، ولسوف يموت الناس بنفخ الصور. ثم تكون نفخة أخرى، فإذا هم قيام ينظرون.

نعم، إن ذلك كله سيكون، من دون أن يحدث أي خلل أو نقص في العلة التامة.

وقد سمّي هذا القسم بـ «المحتوم» وعبّر عن تدخل المشيئة الإلهية فيه بـ «البداء» كما تقدم في الرواية.

وقد صرحت الرواية الثالثة المتقدمة بهذا حيث قالت:

«فقال له حمران: ما المحتوم؟

قال: الذي لله فيه المشيئة».

أما الرواية الرابعة التي هي موضع البحث فقد أشارت إلى هذا القسم وإلى القسم الثالث الآتي بيانه وهي تفسر المراد من الرواية الثالثة.

الثالث: ما يكون الإخبار فيه عن أمور حتمية الوقوع، ولا يتدخل الله سبحانه للتغيير فيها، مع قدرته على ذلك، إذ إن ذلك يتنافى مع صفاته الربوبية.

فمثلاً: الله قادر على فعل القبيح، وعلى الظلم، ولكن يستحيل صدورها منه:

{وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}([30])، لأن ذلك يتنافى مع عدل الله سبحانه، ومع كونه لا يفعل القبيح.

وكذا الحال بالنسبة إلى كل ما يتنافى مع حكمته ورحمته.

وخلف الوعد أيضاً من هذا القبيل، فيستحيل منه تعالى، وقد صرحت الرواية السابقة بأن قيام القائم (عجل الله فرجه) من هذا القبيل، أي من الميعاد، والله سبحانه لا يخلف الميعاد.

ومما تقدم نعرف:

أن البداء في علامات الظهور إنما هو من القسم الأول.

أن البداء في العلامات التي هي من المحتوم، إنما هو من القسم الثاني.

وأما البداء في قيام القائم (عجل الله فرجه) فهو من القسم الثالث.

ب: الطائفة الثانية من الروايات:

من الروايات التي اكتفت بالإشارة إلى حتمية بعض العلامات، نذكر ما يلي:

محمد بن موسى بن المتوكل، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة الثمالي، قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول:

«إن خروج السفياني من الأمر المحتوم؟

قال: نعم، واختلاف ولد العباس من المحتوم، وقتل النفس الزكية من المحتوم، وخروج القائم من المحتوم الخ..»([31]).

عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان بن يحيى، عن عيسى بن أعين، عن المعلِّى بن خنيس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«إن أمر السفياني من المحتوم، وخروجه في رجب».

وذكره النعماني بنسد آخر فراجع([32]).

عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رض)، عن الحسين بن الحسن بن أبان عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن أبي عمير، عن عمر بن حنظلة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:

«قبل قيام القائم خمس علامات محتومات: اليماني، السفياني، والصيحة، وقتل النفس الزكية، والخسف بالبيداء»([33]).

أحمد بن إدريس، عن علي بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة الثمالي، قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

«إن أبا جعفر كان يقول: خروج السفياني من المحتوم، والنداء من المحتوم، وطلوع الشمس من المغرب من المحتوم، وأشياء كان يقولها من المحتوم. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): واختلاف بني فلان (في الإرشاد: بني العباس في الدولة) من المحتوم، وقتل النفس الزكية من المحتوم، وخروج القائم من المحتوم الخ..» ([34]).

عن ابن فضال، عن حماد بن الحسين بن المختار، عن أبي نصر، عن عامر بن واثلة، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):

«عشر قبل الساعة لابد منها: السفياني، والدجال، والدخان، والدابة، وخروج القائم، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من مقر عدن تسوق الناس إلى المحشر»([35]).

عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:

«إن السفياني يملك بعد ظهوره على الكور الخمس. حمل امرأة، ثم قال: أستغفر الله، حمل جمل وهو الأمر المحتوم، وهو من الأمر المحتوم الذي لابد منه»([36]).

ابن عيسى، عن ابن أسباط، قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك، إن ثعلبة ابن ميمونة حدثني عن علي بن المغيرة، عن زيد العمي، عن علي بن الحسين قال:

«يقوم قائمنا لموافاة الناس سنة.

قال: يقوم القائم بلا سفياني! إن أمر القائم حتم من الله، وأمر السفياني حتم من الله، ولا يكون قائم إلا بسفياني»([37]).

8 ـ محمد بن همام، عن جعفر بن محمد بن مالك الفزاري، عن الحسن بن علي بن يسار، عن الخليل بن راشد، عن البطائني، قال: رافقت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) من مكة إلى المدينة فقال لي يوماً:

«لو أن أهل السماوات والأرض خرجوا على بني العباس لسقيت الأرض دماءهم، حتى يخرج السفياني.

قلت له: يا سيدي، أمره من المحتوم.

قال: من المحتوم الخ..»([38]).

ولكن هذا الحديث محل نظر وتأمل، فإن ملك بني العباس لم يدم إلى حين خروج السفياني، كما هو ظاهر.

إلا أن يقال إنهم ستعود دولتهم في آخر الزمان، ثم يزيلها السفياني آنئذٍ.

أحمد بن محمد بن سعيد عن علي بن الحسن، عن العباس بن عامر، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة بن أعين، عن عبد الملك بن أعين، قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام)، فجرى ذكر القائم، فقلت له:

«أرجو أن يكون عاجلاً، ولا يكون سفياني.

فقال: لا والله، إنه من المحتوم، الذي لابد منه»([39]).

10ـ علي بن أحمد البندنيجي، عن عبد الله بن موسى العلوي، عن يعقوب بن يزيد، عن زياد بن مروان، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، أنه قال:

«النداء من المحتوم والسفياني من المحتوم، واليماني من المحتوم، وقتل النفس الزكية من المحتوم، وكف يطلع من السماء من المحتوم.

قال: وفزعة في شهر رمضان، توقظ النائم، وتفزع اليقظان، وتخرج الفتاة من خدرها»([40]).

11ـ وقد ذكرت بعض الروايات:

«أنه لابد من صوتين قبل خروج القائم، صوت من السماء وهو صوت جبرائيل باسم صاحب هذا الأمر، وصوت آخر من الأرض، وهو صوت إبليس اللعين الخ..»([41]).

12ـ أحمد بن محمد بن سعيد بن علي بن الحسين، عن يعقوب بن يزيد، عن زياد القندي، عن غير واحدٍ من أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام)، أنه قال:

«قلنا له: السفياني من المحتوم!.

فقال: نعم، وقتل النفس الزكية من المحتوم، والقائم من المحتوم، وخسف البيداء من المحتوم، وكف تطلع من السماء من المحتوم.

فقلنا له: وأي شيء يكون النداء.

فقال: منادٍ ينادي باسم القائم واسم أبيه»([42]).

13ـ أحمد بن محمد بن سعيد، بإسناده عن هارون بن مسلم، عن أبي خالد القماط، عن حمران بن أعين، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال:

«من المحتوم الذي لابد أن يكون قبل قيام القائم، خروج السفياني، وخسف البيداء، وقتل النفس الزكية، والمنادي من السماء»([43]).

14ـ محمد بن همام، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن عباد بن يعقوب، عن خلاد الصائغ (الصفار صح ) عن أبي عبد الله (عليه السلام)، أنه قال:

«السفياني لابد منه، ولا يخرج إلا في رجب»([44]).

15ـ محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن محمد بن علي الحلبي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:

«اختلاف بني العباس من المحتوم، وخروج القائم من المحتوم.

قلت: وكيف النداء.

قال: ينادي منادٍ من السماء أول النهار الخ..»([45]).

16ـ الفضل بن شاذان عمن رواه عن أبي حمزة الثمالي، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام):

«خروج السفياني من المحتوم.

قال: نعم والنداء من المحتوم، وطلوع الشمس من مغربها من المحتوم، واختلاف بني العباس في الدولة من المحتوم، وقتل النفس الزكية محتوم.

وخروج القائم من آل محمد (صلى الله عليه وآله) محتوم.

قلت وكيف يكون النداء الخ..»([46]).

المحتويات

الإنتظار المّر   5

تقديم:   9

الفصل الأول: نظرة في شؤون الإمامة والأمة

ركنان تقوم الإمامة عليهما:      13

 التأكيد على الركن الأول:      14

 التأكيد على الركن الثاني:      14

 النموذج الأول: علي عليه السلام وإخباراته الغيبية:    14

 علي عليه السلام في العراق:   15

 التفسير المعقول:       16

 التوضيح والربط:      20

 النموذج الثاني: الإمام الرضا عليه السلام والجفر والجامعة:    22

 النموذج الثالث: المهدية وعلامات الظهور:     23

 الاخبارات المستقبلية في دائرتين:      24

 الإخبارات صادقة رغم الموانع:        26

الإمام، وإدارة شؤون الأمة:     28

لماذا إثنا عشر إماماً فقط؟!      29

المهدية في موقعها الطليعي والطبيعي:   31

علامات الظهور في خدمة الهدف:       32

الفصل الثاني: علائم الظهور في تقييم عام

الظاهرة المألوفة:       35

الانحراف الخطير:     35

الانحراف يتضاعف:   37

الأئمة واقفون على سلبيات الأمر:       38

ما هو الحل؟!:  39

الفرق بين ما وقع وبين ما سيقع:       39

الحل الأفضل:  41

العلامات التي هي من المحتوم: 42

 ألف: الطائفة الأولى من الروايات:     43

 المجلسي: والبداء في المحتوم: 45

 رأينا: البداء في المحتوم!!:    45

 ب: الطائفة الثانية من الروايات:       50

المحتويات      57

 

توضيح الواضحات
من
أشكل المشكلات

 

 

توضيح الواضحات
من
أشكل المشكلات
السيد جعفر مرتضى العاملي
المركز الإسلامي للدراسات

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

1424هـ. ـ 2003م

المركز الإسلامي للدراسات

 

تقديم:

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.. واللعنة على أعدائهم أجمعين من الأولين والآخرين، إلى قيام يوم الدين..

وبعد..

فقد صدق من قال: إن «توضيح الواضحات من أشكل المشكلات»، فكيف أصبح هذا التوضيح سبباً في إحراج الكاتب، حين يضطر الى معاودة التأكيد على الفكرة مرة بعد أخرى.. عالماً بأن من شأن ذلك أن يبعث السأم والملل، والضيق في نفس القارئ، الذي يرى نفسه ملزماً بمتابعة الحديث إلى نهايته، لكي يتأكد من سلامة وصحة جميع المفردات التي يجري الحديث عنها وفيها..

وقد كان لنا اهتمام أكيد بتجنب الوقوع في هذا المحذور، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، هذه المرة على الأقل، فقد ظهر أن هناك من تعرَّض بالنقد لما ذكرناه في كتاب: «دراسة في علامات الظهور».. وتجاوز ذلك إلى الإتهام لنا، وإلى التجريح الممزوج بالتظاهر بالاحترام والتقدير!!

وقد كنا غافلين عن هذا الأمر، وبعد مرور فترة ليست بالقصيرة نظرنا فيما سطره هذا المعترض من إشكالات، فكان رأينا هو أن نغض الطرف، وننأى بأنفسنا عنها، على ما هو دأبنا في التعاطي مع مشابهاتها، فإننا لا نبادر إلى الرد، إلا إذا أحسسنا أن الشبهات التي أثيرت، قد تخدع القارئ، وتوقعه في الوهم أو الخطأ..

ولأجل ذلك كنا ـ في حالة أخرى مشابهة لهذه الحالة ـ قد أغمضنا النظر عن مناقشة ما اعترض به بعضهم على كتابنا: «ظلامة أم كلثوم»، وكان سبب سكوتنا هو:

1 ـ الوضوح الشديد لبطلان ما اعترض به.

2 ـ ثقتنا بوعي القارئ، وبقدرته على تحديد مواضع الخلل فيما سطره..

غير أن بعض الإخوة المؤمنين، قد كانت لهم وجهة نظر أخرى فيما يرتبط بالنقد الذي وُجِّه إلى كتاب دراسة في علامات الظهور، وفي الإتهام والتجريح الذي تعرضنا له فيه..

حيث رأوا ضرورة توضيح الفكرة لمن قد لا يكون قادراً على إدراك مواقع الخلل في كلام المعترض، وذلك من أجل تحصين القارئ الكريم من أن يقع تحت تأثير ما يزجيه الناقد من عبارات طنانة ورنانة، تزين الشبهة له، وتجعل الباطل يشبه الحق، وتنتهي بإلباس الخطأ ثوب الصواب..

ثم لفت النظر إلى مواقع التجني والتجريح غير المبرر ولا المعقول، وإلى التذاكي المفضوح، الذي يتجلى بوضوح، حين يمزج التجريح بالثناء، والإتهام بالانحراف، وبالتظاهر بالمحبة والولاء..

فآثرت أن أستجيب لطلبهم في خصوص الأمر الأول، وأغض الطرف عما عداه، معتبراً: أن هذا التجريح الذي نالني شخصياً بهذا الأسلوب الذي لا أحب توصيفه، اعتبره موجهاً إلى غيري، وأنه لا يقصدني ولا يعنيني، وأترك الحكم النهائي في هذا وذاك لأهل الدراية والإنصاف..

وأعود فأكرر: أنه لولا هذه الملاحظة لما تعرضت لهذا الأمر، ولما بذلت فيه جهداً، أو صرفت فيه وقتاً..

هذا.. وقد آثرت عدم الإشارة إلى اسم ذلك المعترض، لأتجنب ما قد يعتبره البعض نوعاً من التوهين له، أو الإساءة إلى شخصه، فإننا نربأ بأنفسنا عن الدخول في أمر كهذا.. وإنما نقصد ـ فقط ـ إلى تعريف القارئ بموقع الخلل في كلامه..

فإلى ما يلي من مطالب.. نبدؤها بذكر عين كلام هذا المعترض، ليمكن للقارئ الكريم أن يراجع، ويقارن، ويقرر..

والحمد لله، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله الطاهرين..

عيثا الجبل (عيثا الزط سابقاً)

2 جمادى الثانية 1424 هجري الموافق1 تموز 2003 ميلادي

جعفر مرتضى الحسيني العاملي

 

الفصل الأول
هذه هي أقوالهم

بداية:

إن هذا المعترض قد أفاض في بيان مقاصده، ولم يأل جهداً في ترصيف الشواهد على صحة ما جاء به..

ونحن نذكر عين كلامه في البداية، من دون أي زيادة أو نقيصة فيه، ثم نتابع الحديث معه بعد ذلك، لنشير إلى مواضع الإشكال فيما أورده، واستدل أو استشهد به، فنقول:

قال المعترض:

مع كتاب دراسة في علامات الظهور

للعلامة السيد جعفر مرتضى العاملي

تناول المؤلف في هذا الكتاب بحوثاً جديدة، على صعيد التنبيه إلى خطورة الأفكار والمفاهيم والممارسات الخاطئة والمنحرفة، المطروحة في بعض الكتابات المهدوية المعاصرة. ونحن نتفق معه في أكثر الانتقادات التي وجهها لكتاب «بيان الأئمة» وكتاب «الجزيرة الخضراء»، ولكننا لا نشاركه كل الرأي في موقفه السلبي من «خطبة البيان» ولا في أكثر آرائه الغريبة العجيبة الخاصة بعلامات الظهور، وقد سجلنا عليها ملاحظات كثيرة جداً، نكتفي بذكر أهمها في هذا الكتاب.

مصادر أخبار الغيب:

صنَّف أخبار المستقبل المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته ـ من حيث المصدر الحقيقي لها ـ إلى دائرتين:

1 ـ دائرة التوقيف: وهي الأخبار الغيبية التي يرويها رسول الله صلى الله عليه وآله عن جبرائيل عن الله تعالى، ويرويها أهل البيت عن آبائهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله.

2 ـ دائرة الخبرة: وهي الأخبار الغيبية الصادرة عن النبي صلى الله عليه وآله أو عن أهل بيته بحكم معرفتهم الدقيقة وخبرتهم الذاتية بالظروف والأحوال الخاصة بمجتمعاتهم، ثم بالآثار والنتائج المترتبة عليها في المستقبل([47])..

وما ذكره لا دليل عليه، ولم يرد بشأنه نص مأثور، بل المروي عن أهل البيت عليهم السلام على عكسه تماماً، حيث تواترت الأخبار الصريحة عنهم بأسانيد معتبرة، أن كل ما يلقونه إلى الناس من علوم ـ بما فيها من أنباء الغيب ـ إنما يروونه عن النبي صلى الله عليه وآله عن جبرئيل عن الله تعالى، فعلومهم كلها لا تخرج عن دائرة العلوم الإلهية التوقيفية.

وهذا هو شأن من يختارهم الله تعالى حملة لرسالته، ويؤيدهم بروح القدس فلا يصح أن نتصور بحقهم التحرك في إطار خبراتهم الذاتية، وهم أئمة الهدى، وخزان علم الله، وتراجمة وحيه، وحفظة سره، وورثة علوم خاتم أنبيائه.

والكلام بعينه ينطبق على علوم خاتم النبيين وسيد المرسلين، وعلى كل ما يصدر منه من مطلق الكلام حيث نزهه الله تعالى عن الكلام من خبراته الذاتية مطلقاً. فقال تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى}..([48])، وقال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}..([49]).

ولو سلمنا أن للنبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته علوماً خاصة مصدرها خبرتهم الذاتية، فإن إخباراتهم عن المستقبل ليست من هذا النوع إطلاقاً، لوجود عدد كبير من التصريحات الصادرة عنهم، النافية لعلمهم بالغيب على نحو الأصالة والاستقلال، وهو ما ينسجم تمام الانسجام مع قوله تعالى:

{وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ}([50])..

{قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ}([51])..

وقال تعالى حكاية عن خاتم رسله صلى الله عليه وآله:

{لَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ}([52])..

وقال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً، إِلا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ}([53]).

وما استشهد به العلامة العاملي من كلام لمولانا علي عليه السلام في وصفه لمستقبل الأمة في ظل السياسة الأموية الظالمة، ليس من خبرته الذاتية بالمجتمع الإسلامي، وبما سيؤول إليه في المستقبل، بل هو من دائرة علومه الإلهية المخبر عنها في قوله تعالى:

{وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا}([54]).. والمروي من طرق السنة والشيعة، إن هذه الآية نزلت في بني أمية، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال فيهم: «إن أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية»..([55]).

وقال صلى الله عليه وآله: «إذا بلغت بنو أمية أربعين رجلاً اتخذوا عباد الله خولاً، ومال الله دخلاً، وكتاب الله دغلاً»..([56])، وأعلن أبو ذر هذه الأحاديث للأمة في ثورته البيضاء على سياسة عثمان بن عفان شيخ الأمويين.

وإذا كان أمر بني أمية واضحاً في القرآن والسنة، فأمير المؤمنين أعلم من أبي ذر به، بل ومن سائر الصحابة وهو القائل: «لقد علمني رسول الله ألف باب كل باب يفتح ألف باب»..([57])، وهو القائل أيضاً: «إسألوني قبل أن تفقدوني، فوالذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مئة وتضل مئة إلا أنبأتكم بناعقها وسائقها ومناخ ركابها ومحط رحالها ومن يقتل من أهلها ومن يموت موتاً»([58])..

وإذا كان علي عليه السلام قد ورث جميع أبواب المعرفة عن خاتم المرسلين صلى الله عليه وآله سواء فيما يخص علوم الدين، أو حاضر الناس ومستقبلهم، فلماذا يلجأ في الحديث عن بني أمية، وعن أحداث المستقبل إلى خبرته الذاتية؟ ونفس الكلام يقال عن أهل بيته الذين ورثوا علم خاتم النبيين عن طريقه، وهم عدلاء الكتاب، وأمناء وحيه، وحراس حدوده، لا يفارقونه إلى يوم القيامة.

ولا يعني كلامنا هذا، أن نقلل من قيمة الخبر الذاتية عند أهل البيت عليهم السلام فهم قطعاً أخبر الناس بأحوال الناس، وأكثرهم معرفة بظروف مجتمعاتهم الحاضرة والمستقبلية، في ضوء المقدمات والنتائج، لكننا نقطع بأنهم لم يستخدموا شيئاً من خبراتهم الذاتية في تبليغ أحكام الدين، ولا في الإخبار عن مستقبل المسلمين لأنهم أئمة من الله تعالى شأنهم شأن رسول الله صلى الله عليه وآله، لا يختلفون عنه إلا في النبوة، كما نص على ذلك هو بنفسه يوم قال لعلي عليه السلام: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»([59])، فأعطى لعلي كل المنازل التي له من الله تعالى، ولم يستثن منها إلا النبوة، ولما كانت إمامة أهل البيت من الله تعالى، فليس لهم الحق أن يبلغوا الناس باسم الدين من خبراتهم الذاتية للدين، وهذا هو الفارق بينهم وبين سائر أئمة المذاهب الأخرى، ممن يعتمدون على خبراتهم الذاتية في فهم الدين وبيان أحكامه وآرائه في المجتمع والحياة.

الهدف من العلامات:

وفيما يخص الهدف من أخبار العلامات قال العلامة العاملي: «إن المعصومين عليهم الصلاة والسلام، ما كانوا بإخباراتهم تلك يريدون ربط الناس بما سيقع من أجل أن يستغرقوا فيه، أو ليكون ذلك عذراً ومبرراً للوقوف على هامش الساحة في موقع المتفرج.. نعم إنهم ما كانوا يريدون ربط الناس بما سيقع، وإنما بما وقع، أي أنهم يريدون للناس أن يستفيدوا مما وقع ومضى، لينعش بهم الأمل، ويشحذ الهمم، ويهب لهم الارتباط العاطفي والشعوري بقائد المسيرة ورائدها، فالمطلوب إذن هو أن يسهم ما وقع في بعث الأمل ورفع درجة الإحساس والشعور والارتباط بالقائد والقيادة على مستوى أعلى وأكثر حيوية وفاعلية ويعمق في الإنسان المسلم المزيد من الشعور بالمسؤولية..»([60]).

ويريد بكلامه هذا التأكيد أنه ليس هناك من فائدة تذكر للعلامات إلا بعد تحققها في الواقع، أما قبل ذلك فليس لها أي دور إيجابي في حياة الأمة، بل إنه يصرح بذلك فيقول: «ولا يصح صرف الجهد في التعرف على ما سيحدث، ومحاولات من هذه القبيل لن يكون لها الأثر المطلوب.. ما دام لم يعد ثمة مجال للاستفادة من الأخبار صحيحها وسقيمها، إلا بعد وقوع الحدث»([61]) انتهى كلامه..

ونجيب عليه بأن حصر دور العلامات بما وقع وانتهى دون الالتفات إلى آثارها الإيجابية الكثيرة المترتبة عليها قبل وقوعها تصور خاطئ ينطوي على نتائج سلبية كثيرة وآثار منحرفة خطيرة على التصور والسلوك الإسلامي، لأنه ينسف المفهوم الشرعي الواعي للانتظار، ويطيح بأهم ركائزه ومقوماته المتمثلة بالعلامات قبل تحققها.

وبالإضافة إلى ذلك فإن هذا الموقف الفكري الجديد من العلامات يتناقض مع المعنى اللغوي والاصطلاحي لها، فالعلامة ـ كما عرفها علماء اللغة ـ من العَلَم، وهو الأثر الذي يُعلم به الشيء، أو ما ينصب ويوضع ليهتدي به، كعَلَم الجيش..([62]) والمصابيح المنيرة في الليل على جوانب مدرج المطار، وإشارات طرق السيارات والسفن، ومنه قوله تعالى: {وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ}..([63]).

وللعلامة في اللغة أسماء كثيرة، فقد يعبر عنها بـ (الأشراط) كما في قوله تعالى: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا}([64]) أي علاماتها، وقد يعبر عنها بـ (الآية) كما في خطابه لبني إسرائيل: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ}..([65]) أي علامة ملك ملككم المنصب لكم من الله تعالى، أن يأتيكم التابوت تحمله الملائكة لكم وفيه سكينة من ربكم، فهم يترقبون تحقق هذه العلامة، فإذا تحققت علموا أن الله تعالى قد أنجز وعده لهم.

والمعنى الاصطلاحي للعلامة لا يختلف في شيء عن معناها اللغوي لأنها تطلق في علم الملاحم والفتن على كل حدث دل الخبر الغيبي على وقوعه في المستقبل، ويكون علامة على وقوع حدث آخر بعده.

والمتأمل في كلمات أهل البيت عليهم السلام وهم يتحدثون عن دور العلامات قبل وقوعها يتيقن بخطأ أفكار العلامة العاملي، ويتأكد أن آراءه في هذا الموضوع اجتهاد فكري مخالف للنصوص المستفيضة عن المعصومين، وإليك طائفة من أحاديثهم مما أحفظه على ذاكرتي:

فعن حذيفة بن اليمان، صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: «هذه فتن قد أظلت كجباه البقر، يهلك فيها أكثر الناس، إلا من كان يعرفها قبل ذلك»([66]).

وعن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله يقول: «هما صيحتان، صيحة في أول الليل، وصيحة في آخر الليلة الثانية. قال: فقلت: كيف ذلك؟ قال: واحدة من السماء، وواحدة من إبليس. فقلت: كيف تُعرف هذه من هذه؟ فقال: يعرفها من كان سمع بها من قبل أن تكون»([67]).

وفي رواية سئل عن الندائين: «فمن يعرف الصادق من الكاذب؟ فقال: يعرفه الذين كانوا يروون حديثنا ويقولون إنه يكون قبل أن يكون، ويعلمون أنهم هم المحقون الصادقون»([68]).

وفي رواية قالوا له: «فما يدرينا أيهما الصادق من الكاذب؟ فقال: يصدقه عليها من كان يؤمن بها قبل أن ينادي»([69]إن الله عز وجل، يقول: {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}([70]).

وفي رواية الإمام الصادق عليه السلام: «إن قدّام المهدي علامات من الله عز وجل للمؤمنين»([71]).

فهناك علامات من الله للمؤمنين تجعلهم يستعدون لظهور المهدي عليه السلام.

وفي سؤال المدائني للإمام الصادق عليه السلام عن المهدي المنتظر قال: «قلت: فهل له علامات قبل ذلك؟ فأجابه الإمام: نعم علامات شتى. قلت: ماذا؟ قال: خروج راية من المشرق وراية من المغرب»([72]).

ويريد بالراية المشرقية راية الموطئين للمهدي التي تخرج من بلاد إيران، ويريد بالراية المغربية راية السفياني التي تخرج من الشام وهي معادية لراية الموطئين، وهاتان الرايتان حتميتان على ما حققنا في أخبارهما، فكل من يدعي المهدوية من دون ظهور هاتين الرايتين قبل دعواه، فهو مزيف كذاب، وليس كل من يدعي المهدوية بعد ظهور هاتين الروايتين فهو المهدي الحق. بل لا بد من أن ترافق دعواه وتصادق عليها وتصدقها علامات أخرى كالخسف بالبيداء، والصيحة من السماء، وقتل النفس الزكية، وهكذا نلاحظ العلامات دائماً تأخذ بأيدينا وعقولنا وأبصارنا إلى ما سيقع لا إلى ما وقع..

وأخبار علامات الظهور كلها من هذا القبيل، فهي ترشدنا وتنبهنا إلى أحداث مهمة ستقع في المستقبل، وتحذرنا من التورط بفتنها وانحرافاتها ومشاكلها المترتبة على وقوعها.

وأفضل مثال يوضح دور العلامات في توجيه الأمة وتربيتها بما سيقع ـ في خط الانتظار ـ لا إلى ما وقع، هو تمثيل المعصوم للخاص منها بعصر الظهور بالعقد إذا انقطع سلكه فتتابع.

ففي رواية عن النبي صلى الله عليه وآله: «وما ذلك إلا كهيئة العقد ينقطع فيتبع بعضه بعضاً»([73]).

وفي رواية عن الباقر عليه السلام قال: «خروج اليماني والسفياني والخرساني في سنة واحدة، وفي شهر واحد، وفي يوم واحد، ونظام كنظام الخرز، يتبع بعضه بعضاً»([74]) ومعنى الحديث أن العلامة السابقة تكون دليلاً ومنبهة إلى وقوع العلامة اللاحقة.

ومن أمثلة علامات عصر الظهور المتلاحقة، قيام ثورة الموطئين للمهدي عليه السلام في إيران، فإنها تكون علامة على قرب وقوع المعركة التاريخية العظيمة بين المسلمين واليهود، في إفسادهم وعلوهم الأول بفلسطين، كما روي عن الصادق عليه السلام: «أنه قرأ هذه الآية: {فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً}..([75]) فسألوه: جعلنا فداك من هؤلاء؟ فقال ثلاث مرات: هم والله أهل قم»..([76]).

ودخول قوات الموطئين لفلسطين، تكون من العلامات القريبة لخروج السفياني من بلاد الشام، وهو معنى الحديث القائل: «يبايع السفياني أهل الشام فيقاتل أهل المشرق فيهزمهم من فلسطين»([77]), وخروج الإمام المهدي عليه السلام بمكة من علامات تحرك السفياني نحو بلاد الحجاز لإخماد الثورة المهدوية، ودخول السفياني في الأراضي الحجازية من علامات وقوع الخسف بجيشه، ووقوع حادثة الخسف لا تتم من دون النداء من السماء.. وهذا يعني أنه ليس هناك من هدف إلهي آخر لعلامات عصر الظهور أهم من إيقاظ الأمة من غفوتها وتوجيهها نحو المستقبل القريب لتترقب علاماته المتلاحقة، ولتستعد إيمانياً وسياسياً وجهادياً لاستقبال قائدها المنتظر، والسعي لنيل رضاه قبل خروجه.

ومن هذا المنطلق، يجب أن نعي أهداف أهل البيت عليهم السلام، من تأكيدهم على ضرورة الانفتاح على أخبار العلامات قبل وقوعها، فإنهم يريدوننا أن نرصد الواقع الذي تخبر عنه هذه العلامات بوعي وحذر لكي لا تختلط علينا الأوراق، وتشتبه علينا الأحداث والعلامات، فنحسب ما ليس بعلامة علامة، كالذين آمنوا بمهدوية عدد كبير من دعاة المهدوية الكذابين، نتيجة لجهلهم بعلامات الظهور، وعدم اهتمامهم بها قبل تحقق أحداثها الحقيقية والمزيفة..

إن القول بعدم وجود أي فائدة من دراسة العلامات قبل وقوعها والتأكيد على عدم جدوى التحقيق في موضوعاتها والاطلاع عليها، والاهتمام بها قبل وقوعها، نوع من الانحراف الفكري الخطير لأنه يساهم في تجهيل الأمة بكل ما يدور من حولها من مخططات عدوانية لضرب الدين باسم الدين، وتحت غطاء العلامات المقدسة التي يتستر بها بعض الكذابين، ولم ينجح دعاة المهدوية المزيفة في تضليل المسلمين على امتداد التاريخ، إلا بسبب جهل المسلمين بالعلامات الحقيقية للمهدي المنتظر عليه السلام، وعدم إطلاعهم عليها واهتمامهم بها قبل تحققها..

وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: «لترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يعرف أي من أي»([78]).

وفي رواية عن الباقر عليه السلام قال: «لا يخرج القائم حتى يخرج قبله اثنتا عشر من بني هاشم كلهم يدعو إلى نفسه»..([79]).

وفي حديث الباقر عليه السلام مع بريد عن علامات الظهور القريبة قال: «يا بريد اتق جمع الأصهب، قال: وما الأصهب؟ قال: الأبقع. قلت: وما الأبقع؟ قال: الأبرص، واتق السفياني، واتق الشريدين من ولد فلان، يأتيان مكة يقسمان بها الأموال، يتشبهان بالقائم، واتق الشذاذ من ولد آل محمد»([80]).

ونحن نسأل أخينا العاملي: كيف يمكن اتقاء جمع الأصهب والسفياني والشذاذ من آل محمد، وهم الذي يظهرون للناس تارة باسم السيد الحسني أو الخراساني، وأخرى باسم شعيب بن صالح، وثالثة باسم اليماني، وبغير ذلك من علامات الظهور الأخرى المقدسة؟

وهل يمكن النجاة من السقوط في تيار رايات الضلال في آخر الزمان، من دون معرفة مسبقة بعلاماتها وأوصافها والظروف التاريخية لظهورها، كما تحدثنا أخبار العلامات؟

وكيف يمكننا أن نعرف الرايات الهاشمية المنحرفة المتسترة ببعض علامات الظهور المقدسة، ونفرق بينها وبين راية المهدي المنتظر عليه السلام من دون أن نتعرف على جميع علاماته قبل ظهوره؟

وكيف نميز بين رايات الضلال من رايات الهدى التي تخرج قبل ظهوره، إذا لم نستوعب أوصافها ودلائلها المذكورة في أخبار العلامات قبل تحققها؟

وأخيراً كيف نعرف دعاة المهدوية المزيفين ونفرق بينهم وبين المهدي الحق، إذا لم نطلع على العلامات الدالة على ظهوره، والمميزة له عن غيره، وندرسها ونتحقق من صحيحها وسقيمها قبل وقوعها؟

كل هذه الأسئلة كان ينبغي لأخي سماحة السيد العاملي أن يطرحها على نفسه، ويتأمل فيها بفكره قبل أن يمسك قلمه ويكتب لنا هذه الأفكار الخطيرة، والتصورات الخاطئة، التي ادعى في مقدمة كتابه بأنها: «آراء علمية رصينة تتسم بالصراحة والموضوعية»([81])، ولا ندري من أين جاءتها الرصانة العلمية وهي تخالف نصوص أهل البيت عليهم السلام؟

ومن أين اكتسبت الموضوعية وهي تتنافى مع مفهوم العلامة نظرياً وعملياً؟

تصور وجود سلبيات للعلامات:

وقال العلامة العاملي: «وفي اعتقادنا أن أئمتنا صلوات الله عليهم كانوا يدركون أن هذا النوع من الأخبار التي تصدر عنهم وإن كانت له إيجابياته الكبرى، إلا أن له أيضاً سلبيات من نوع آخر، لا بد من التصدي لها ومعالجتها، والحد من تأثيرها قدر الإمكان»([82]).

ثم تطرق إلى طريقة أهل البيت عليهم السلام في معالجتهم لسلبيات هذه الأخبار، وستأتي في حديثه عن تقسيم العلامات إلى محتوم وغير محتوم..

ويقصد بالجانب السلبي من أخبار العلامات ما ذكره من «اهتمام بعض الناس بها بشكل متزايد يستبطن إهمال سائر مفردات ومجالات التعامل مع القضية المهدوية، حتى أصبحت في عالم النسيان لا تكاد تخطر لأحد منهم ولا تمر له في خاطر، رغم أنها هي الأهم والأكثر مساساً بحياتهم وبوجودهم، وعلى رأسها التعامل معه كقائد للمسيرة ومهيمن على السلوك والموقف.. وهكذا لم يعد الإمام المهدي بالنسبة إلى الكثيرين منا هو ذلك الإمام الحاضر والناظر الذي يعيش من أجل قضية، ويعمل ويضحي ويدعونا إلى العمل والجهاد والتضحية من أجلها وفي سبيلها، كما أننا لم نعد نحمل همومه كما يحمل هو همومنا ولا نشعر معه كما يشعر هو معنا، ولا نرقب حركاتنا معه كما يرقب هو حركتنا، ولا نتوقع منه، ولا نريد أن يتوقع منا أي عمل إيجابي تجاه القضية الكبرى التي يعيشها ويجاهد ويعاني في سبيلها، وهي قضيتنا قضية الإسلام والإنسان.. وطبيعي أن يترك هذا التعامل منا مع موضوع الإمام المهدي عليه السلام آثاره السلبية والخطيرة على مجمل الحياة التي نعيشها لأنه يمثل انفصالاً حقيقياً عن القيادة وعن القائد من جهة، ولأنه يضع المزيد من العقبات والمصاعب في طريق القائد نفسه»([83]).

ويمضي العلامة العاملي يسطر الأمثلة الكثيرة على السلبيات التي تعكس فكرة الاهتمام المتزايد بالعلامات على حساب القضية المهدوية.

ونؤكد للقراء بكل ثقة واطمئنان، ومن منطلق الوعي الفكري العميق لدور أخبار العلامات في الإسلام والاستيعاب الكامل لنصوصها القرآنية والنبوية، إنها لا تنطوي في ذاتها على أي لون من السلبيات ولا تدعو إلى أي شيء من الأفكار والممارسات المنحرفة التي ذكرها العلامة العاملي ووصف بها جماعة من المستغرقين في الاهتمام بها، بل وجدنا من خلال تجربتنا التربوية والفكرية في دراسة القضية المهدوية، أن التعامل الساذج مع العلامات ـ فضلاً عن الواعي ـ والاهتمام المتزايد بها تكون نتيجته على عكس ما يقول، حيث الارتباط العاطفي والإيماني المتين بالإمام المهدي عليه السلام، والتفكير الحقيقي الجاد في كيفية نيل رضاه.

أما السلبيات في الأفكار والممارسات التي سطرها في إطار الحديث عن سلبيات الانفتاح والاهتمام المتزايد بعلامات الظهور، والتي ادّعى أن الأئمة كانوا يدركونها فإنها لم تنبع من ذات العلامات، بل هي نتيجة الفهم الخاطئ لجماعات معينة من الأمة أساءت التعامل الصحيح والواعي مع جميع مفردات القضية المهدوية بما فيها قضية العلامات، وطريقة الإستفادة منها في تربية الذات ومعالجة مشاكل الحياة، أما ذات العلامات فهي تضع الأمة في عصور الانتظار على طريق الترقب الواعي للأحداث والانتظار الإيجابي المثمر المحقق لأهداف الإسلام ورضا قائده المرتقب، من خلال الالتزام بتكاليف رسالته الفردية والاجتماعية الجهادية والسياسية، وفي إطار هذا المفهوم الإيجابي للانتظار يشارك الفرد المنتظر والأمة المنتظرة جميعاً في إعداد الأرضية السياسية والجهادية المناسبة والظروف الاجتماعية والروحية الملائمة لذلك اليوم العظيم الموعود..

فمن الخطأ أن نحمل مفاهيم الإسلام ونصوصه تلك الأفكار الخاطئة والممارسات المنحرفة الصادرة عن بعض الجماعات التي أساءت فهمها وطريقة التعامل معها على مستوى النظرية والتطبيق.

فالإسلام ـ مثلاً ـ دعى إلى التقوى في عدد كبير من النصوص في القرآن والسنة، ورسم منهج الارتباط الصحيح بالله تعالى لتعميق الجانب الروحي في الحياة الفردية لكل إنسان، فلو مارست هذا المنهج التربوي جماعة من المسلمين بشكل منحرف في خط التصوف أو العرفان، فهل يعني هذا أن تلك النصوص الإلهية التي رسمت منهج الارتباط الصحيح بالله تعالى تنطوي في ذاتها على سلبيات انتهت بهؤلاء إلى هذا الانحراف، أم أن هؤلاء لم يتعاملوا مع هذه النصوص وذلك المنهج التربوي الإلهي في حدوده الشرعية المنصوص عليها في الكتاب والسنة.

نفيه لإمكانية استطلاع المستقبل في ضوء العلامات:

يرى العلامة العاملي أن أخبار العلامات على ثلاثة أنواع:

الأول: ما ليس بمحتوم وهي التي يمكن أن يعتريها التغيير والبداء.

الثاني: العلامات المحتومة وهي ما كان لله فيها المشيئة، أي قد تقتضي المصلحة الإلهية وقوع التغيير والبداء فيها.

الثالث: العلامات المحتومة التي لا يتدخل الله سبحانه وتعالى فيها مع قدرته على ذلك، إذ إن ذلك يتنافى مع صفات الربوبية.

ويعتقد العلامة العاملي أن: «جميع علامات الظهور من النوع الأول والثاني، أي يمكن أن يقع فيهما التغيير والتبديل، فيكون وقوعها غير محتم، باستثناء خروج المهدي عليه السلام فإنه من النوع الثالث»..([84]).

وقد تصور أن طرح العلامات من قبل أهل البيت عليهم السلام بهذه الطريقة سوف يقضي على معالمها قبل الوقوع، ويؤدي إلى عدم التطلع إليها والارتباط بها قبل تحققها، ما دامت ـ حتى الحتمية منها ـ عرضة للتغيير، لأن أهل البيت عليهم السلام ـ كما يدعي ـ لا يريدون ربط الناس بما سيقع، وإنما بما وقع، وهذا هو برأيه الحل الذي بادر لوضعه أهل البيت([85]) في إطار الإخبار عن العلامات بهدف تطويق سلبياتها.

ثم يخلص من هذا كله إلى النتيجة التالية فيقول: «فإن كل ما أخبرت عنه تلك الروايات يصبح في معرض أن لا يتحقق ولا يكون، فلا مجال بعد لرسم خريطة للأحداث المستقبلية، ولا يصح صرف الجهد في التعرف على ما سيحدث ومحاولات من هذا القبيل لن يكون لها الأثر المطلوب.. ما دام أنه لم يعد ثمة مجال للاستفادة من الأخبار صحيحها وسقيمها إلا بعد وقوع الحدث»([86]).

وقد تضمن كلامه هذا الكثير من المفاهيم الخاطئة المرفوضة في الإسلام، وقد قدمنا الجواب على بعضها سابقاً، فأخبار العلامات بذاتها لا تنطوي على آثار سلبية، لا على المستوى الفكري ولا على المستوى العملي، إذا أحسنا التعامل معها في الإطار الشرعي وحاولنا فهمها بوعي كامل من خلال استيعاب أهدافها الإلهية في توجيه الأمة إلى طريق الحق والهدى، في مختلف عصور الفتن وأجواء الانحرافات، وليس الهدف من تقسيم العلامات إلى حتمية وغير حتمية هو تطويق سلبياتها المتصورة، والقضاء على معالمها قبل الوقوع، لكي لا يرتبط بها الإنسان المسلم قبل تحققها، ما دامت جميعها معرضة للتغيير والبداء كما يدعي.

والواقع أن العلامات الحتمية خاصة بمجتمع عصر الظهور المتصل بيوم الظهور ولهذا لا نرى لها وجوداً بين مفردات العلامات الكثيرة التي تتحقق في عصور الانتظار الطويلة السابقة على عصر الظهور. وهي تستهدف إقامة الحجة على المجتمع البشري وإنذاره بقرب يوم الخلاص العالمي، بالإضافة إلى إيقاظ الأمة الإسلامية من سباتها العميق وغفوتها الطويلة، لإعدادها فكرياً وروحياً وتعبئتها سياسياً وجهادياً لاستقبال قائدها المرتقب لتشارك بقيادته في صنع مستقبل البشرية الزاهر في ظل رسالة العدل الإلهي، ولهذا نعتقد أن العلامات الحتمية لا يمكن أن يعتريها التغيير، ولا تكون موضعاً للبداء إطلاقاً، انسجاماً مع ما ذهب إليه أكثر فقهائنا.

ومن الجدير بالذكر، أننا لا نتفق مع العلامة العاملي ولا مع أكثر الباحثين في علامات الظهور على حصر المحتوم منها في خمس علامات، بل إن المحتوم من العلامات أكثر من خمسة عشر علامة، وقد جاء النص عليها في منطوق الروايات بأسلوبين:

الأول: التصريح من قبل المعصوم على بعض العلامات أنها من المحتوم، كقوله عليه السلام: «إن السفياني واليماني والصيحة من المحتوم».

الثاني: النص من قبل المعصوم على بعض العلامات بلفظ يستفاد منه معنى المحتوم، كما لو قال عليه السلام: من الأمر الذي لا بد منه حدوث كذا وكذا، أو قال: لا تنقضي الأيام والليالي حتى يقع كذا وكذا، أو قال: لا ترون ما تحبون حتى تميزوا وتمحصوا وتغربلوا، أو كقوله: لا بد أن يكون قبل القائم كذا وكذا.

فهذه الألفاظ وما شابهها دل الدليل العلمي المستفاد من قواعد اللغة ومن الإطلاق والتقييد في أخبار العلامات المحتومة، ومن استقراء كلمات الأئمة عليهم السلام أنها لا تستخدم إلا في الأخبار عن العلامات المحتم وقوعها.

فإذا ثبت بالدليل العلمي المعتبر أن العلامات المحتومة لا يقع فيها التغيير والبداء، كما نعتقد بذلك، فإن إمكانية رسم خارطة سياسية تحدد للأمة الإسلامية معالم حركة الظهور في ضوء العلامات المحتومة يصبح أمراً ممكناً، بل ربما يكون ضرورياً، لأنه يحقق الأهداف الإلهية من علامات الظهور، التي قلنا بأنها تنذر المجتمع البشري بقرب الظهور، وتلقي الحجة عليه قبل الظهور، بالإضافة إلى أنها توقظ الأمة الإسلامية من غفوتها وتشارك في إعدادها روحياً وجهادياً لاستقبال قائدها المنتظر، وتحصنها من السقوط في مخطط رايات الضلال وتقيها من الفتن وأجواء الانحرافات المختلفة، التي يزخر بها مجتمع عصر الظهور، وكل ذلك مما يؤكد ضرورة الاطلاع عليها قبل وقوعها، والارتباط بها فكرياً وروحياً قبل حدوثها..

والصحيح أن وضع خارطة للأحداث المستقبلية في ضوء علامات الظهور، لا يكون عملاً دقيقاً ومجدياً، ولا يمكن أن يحقق أهداف الإسلام التربوية من العلامات، إذا كان منطلقه الاعتماد على دراسة العلامات في غثها وسمينها وصحيحها وسقيمها، بل ستكون لهذا النوع من العمل الكثير من الآثار السلبية، والأضرار الاجتماعية والتربوية على حركة الانتظار الواعية في الأمة، ولا تقتصر أضرار مثل هذه التجارب الفكرية العمياء على الأمة فحسب، وإنما تتعداها فتؤثر على مكانة الدين القيم أيضاً، المعروف بدقته في تقديراته وتصوراته لأحداث المستقبل التي يستهدف من ورائها إلقاء الحجة الكاملة بأدلتها النيرة الساطعة على أعدائه، فلا بد من البحث عن منهج علمي متين، نستطيع من خلاله الوصول إلى الأخبار الصحيحة لمخطط الظهور، حينئذ يمكن أن نرسم معالمه للأمة لتهتدي في ضوئه إلى مستقبلها الموعود، متجنبة جميع الفتن والانحرافات المتوقعة في طريق الانتظار المثمر البناء.

إن إمكانية استطلاع المستقبل المجهول للإنسانية، ومحاولة التعرف على أبرز معالمه الفكرية، وخصائصه الاجتماعية، وصراعاته السياسية، ومكوناته الحضارية بدقة متناهية، أمر تفردت به رسالة الإسلام وحدها: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}([87]). وإن وضع الدين القيم والمهيمن على الأديان كلها في ساحة الجهل بأحداث المستقبل، وعدم القدرة على استطلاعها والتعرف عليها قبل تحققها، بحجة أن أهل البيت يريدون لأتباع هذا الدين الارتباط بما وقع دون الالتفات إلى ما سيقع، هو لون من التصورات الاجتهادية الخاطئة لعدم انسجامها مع قيمومة الإسلام على الأديان كلها، وعدم تطابقها مع طريقته في إلقاء الحجة على أعدائه، قبل أن ينتهي بهم الكفر والانحراف عن مبادئه إلى الطريق المسدود، فحينئذ يصبح دين (نوستردامس) في تنبؤاته عن مستقبل الحضارة البشرية في صراعاتها السياسية، ومعاركها الجوية والبحرية، هو الدين القيم المهيمن على الأديان كلها في طريق إلقاء الحجة على المجتع البشري، وهدايته إلى الموقف الحق لإنقاذه من الخطر المحدق به، وليس الإسلام الموصوف في كتاب الله تعالى بأنه دين الهداية والبشرى للمسلمين بقوله تعالى: {تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}([88]).

مهاجمة المهتمين بالعلامات:

شن العلامة العاملي هجوماً عنيفاً على المهتمين بدراسة علامات الظهور ومتابعة أحداثها على أرض الواقع، في مطلع الفصل الثاني من كتابه، وعنى بالخصوص الكتاب والمؤلفين المهتمين بدراسة العلامات مؤكداً: «أن هذا الاهتمام جاء لينذر بانحراف خطير في المجال العقائدي فضلاً عن المجال العلمي»([89]).

وقد نتفق معه في بعض الأفكار التي أثارها حول الاهتمام المتزايد بالعلامات وبمتابعة القضية المهدوية على حساب القضية الأساس، وهي قضية الإسلام فيما يواجه من تحديات من قبل أعدائه المتربصين به الدوائر، وفيما يتطلبه من التزام صحيح واستعداد فعلي من أتباعه لحمل همومه وتحقيق أهدافه في الحياة، بينما يبتعد بعض المهتمين بالقضية المهدوية عن تكاليفهم الجهادية وهمومهم السياسية، والتزاماتهم الشرعية، تحت غطاء الانتظار وترقب أحداث الظهور، والانشغال بالبحث عنها والتحقيق في موضوعاتها.

إن المتعمق في متابعة القضية المهدوية فكرياً وسياسياً سيكتشف الأصابع المشبوهة لأعداء الأمة التي تقف وراء عدد كبير من المؤلفات والحركات المهدوية، وخاصة التي ظهرت على الساحة بعد الثورة الإسلامية الخمينية، وبالأخص التي صدرت باللغة الفارسية..

وفي هذا الطريق تعرفنا على أصحاب الأقلام المريضة والمشبوهة التي تبث جراثيم الفكر الديني التخديري والتحريفي باسم القضية المهدوية، وتحت شعار البحث والتحقيق في علاماتها، لتثبيط المؤمنين عن التحرك لنصرة الإسلام، وصدهم عن مواجهة الانحرافات المستشرية في الأمة، بحجة أن العمل الجهادي والسياسي لنصرة الرسالة وهداية الأمة لا جدوى منه، ولا يقدر أن يقوم به إلا صاحب الزمان.

لقد استغل هذا اللون من الفكر الإسلامي الغيبي أصحاب النفوس المريضة، والدوافع المشبوهة، والأطماع الدنيوية الرخيصة، الذين يبحثون عن مواقع لهم هنا وهناك، لترويج أفكارهم المضللة ودعواتهم المنحرفة، وتحقيق أطماعهم الرخيصة، وكل هؤلاء يلتقون على مائدة واحدة لمحاربة الإسلام الثوري الأصولي المتحرك في الأمة، الذي يهدد مصالح الكفر ويقوض سياسته العدوانية في عالمنا الإسلامي..

ومما يؤسف له أن هؤلاء جميعاً، يشكلون أرضية خصبة داخل مجتمعاتنا الإسلامية يتحرك على مساحتها أعداء الإسلام والحاقدون على الأمة من الطابور الخامس بكل حرية وأمان، كل هذا ندركه بعمق فكري وسياسي، أكثر مما يفكر به العلامة العاملي، بحكم تجربتنا الطويلة الأمد، ومعاناتنا الشاقة في متابعة الفكر المهدوي في حركته الثقافية والسياسية في عالمنا الإسلامي، لكننا نختلف بالعمق مع أخينا العاملي في معالجة الموقف وفي طريقة التعامل مع الانحرافات التي ذكرها وحملها لعلامات الظهور.

إننا نعتقد أن هذا اللون من الفكر الديني الغيبي أصبح كالسلاح القاتل، إن وقع بيد عدوك قضى عليك وقتلك، وإن وقع بيدك انتصرت عليه وقتلته، وإن وقع بيد الاثنين فالمنتصر من يحسن استخدامه بذكاء ومهارة وقدرة فائقة..

إن العلاج المقترح من قبل العلامة العاملي لمواجهة الانحراف الناتج من الاهتمام المتزايد بالقضية المهدوية، وبمتابعة علاماتها بالخصوص، يتلخص في التأكيد على خطورة الانفتاح على علامات الظهور بحجة أن أهل البيت يريدون منا أن نستفيد مما وقع من دون أن نلتفت وننشغل في البحث عما سيقع، وقد أوضحنا سابقاً خطأ هذا العلاج وبينا بأنه اجتهاد شخصي مخالف للنصوص الكثيرة المروية عن أهل البيت عليهم السلام، الداعية إلى ضرورة معرفة العلامات قبل وقوعها، وقبل التورط بفتنها على أرض الواقع.

ولا شك أن هذا العلاج يدعو إلى تجهيل الأمة بعلامات الظهور، وتجهيلها بكل ما يحيط بها من أحداث العلامات السلبية والإيجابية التي تتحقق على أرض الواقع، فيكون أكثر خطراً وأشد انحرافاً من الفكر التخديري المتستر بالقضية المهدوية، لأن الفكر التخديري يستخدم مفاهيماً خاطئة باسم القضية المهدوية، وهي غالباً لا تنطلي إلا على البسطاء والسذج من الأمة، على العكس تماماً من أصحاب رايات الضلال المنتحلين لصفات بعض الشخصيات المقدسة المذكورة في علامات الظهور، كاليماني، وشعيب بن صالح، والخراساني، وغيرهم، فالذين يتأثرون بهؤلاء ويتورطون في الانسياق وراءهم أكثرهم من المؤمنين الواعين، لكن جهلهم بالعلامات الحقيقية الخاصة بالشخصيات المقدسة التي تظهر قبل المهدي عليه السلام هو الذي يوقعهم في هذا الانحراف الخطير والضلال الكبير..

والعلاج الصحيح للوقوف بوجه الفكر المهدوي المستخدم بطريقة انحرافية من قبل بعض الكتاب السطحيين والمشبوهين هو أن نطرح للأمة الفكر المهدوي الأصيل، الذي يدعوها للعودة إلى دينها وقيمها وأصالتها من جديد، لتتعامل مع الله بروح صادقة، ومع دينه بالتزام صحيح من خلال حمل همومه وتطبيق مبادئه وتكاليفه في حياتها الفردية والاجتماعية، استعداداً لاستقبال قائدها المنتظر ومن أجل نيل رضاه..

إن القائد المنتظر الذي يتطلع ليوم النصر الإلهي العالمي، كما يتطلع المسلمون إليه، لا يرضى من المؤمنين أن يشوهوا صورة الإسلام، ذلك الدين القيم، فيتمسكوا بتكاليفه العبادية ويتخلوا عن تكاليفه السياسية والجهادية والاجتماعية، فيطرحونه للأمة وللعالم ديناً هزيلاً، لا شأن له بعلاج مشاكل المسلمين، ولا يتدخل في حمايتهم من أعدائهم الكافرين.

إن الأمة بحاجة إلى أقلام إسلامية واعية مقتدرة، لها القابلية العلمية على تحريك الأمة بالفكر المهدوي المعطاء، حيث لا يوجد في آخر الزمان، الذي يتطلع فيه العالم كله لذلك الأمل الكبير ـ أقوى من الفكر المهدوي وأكثر قدرة، لتوحيد الأمة على اختلاف مذاهبها ضد أعدائها، وتوعيتها والعودة بها من جديد إلى أصالتها ورسالتها، ووضعها في الموضع الذي اختاره الله تعالى لها لتكون خير أمة أخرجت للناس.

إن المفاهيم السياسية والثورية والحركية التي طرحتها ثقافة علامات الظهور تحت عناوين مختلفة، كعنوان ثورة الموطئين للمهدي، وحركة الأبدال المجاهدة في الشام، وفصائل العصائب الانتقامية المقاتلة في العراق، ونجائب مصر المرعبة لأعداء الإسلام، كل هذه العلامات من الفكر المهدوي الحركي الذي يأخذ بأيدي الأمة في خط الانتظار الواعي والصحيح، وجميع هذه العلامات تلتقي تحت راية الفرقة الناجية، وتحت عنوان: «لا تزال طائفة من أمتي تقاتل على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم ببيت المقدس، فيصلي خلف أميرهم المهدي».

فالبحث عن هذه العلامات وأمثالها بطريقة واعية، والانفتاح على ثقافتها قبل تحققها، ورصد الساحة ومراقبتها لترقب حدوثها على أرض الواقع، هو في الواقع بحث عن فصائل الفرقة الناجية في عصر الظهور، ورايات الحق والهدى، وبحث عن كتائب المهدي المنتظر عليه السلام قبل ظهوره بهدف الالتحاق بها، وتجنب التورط برايات الضلال المتشبهة بها.

فالدعوى إلى الجهل بالعلامات من خلال عدم الاهتمام بها بحجة أنه لا يصح صرف الجهد في التعرف إلى ما سيحدث لأن أهل البيت يريدون منا أن نلتفت إلى ما وقع لا إلى ما سيقع، هي بنظري دعوى منحرفة وخطيرة ننزه العلامة العاملي منها، لأنها تلتقي مع أهداف الفكر المهدوي التحريفي والتخديري لمحاربة التحرك الإسلامي لهداية الأمة ونصرة الإسلام من خلال طرح المفاهيم المنحرفة للانتظار.

إن مهاجمة الكتاب والمؤلفين المعنيين بدراسة العلامات، والمهتمين بالبحث والتحقيق بشأنها، عمل ليس صحيحاً ولا سليماً على عمومه، إذا ما التفتنا إلى أهمية دراسة العلامات، وضرورة التعرف عليها قبل تحققها، وقبل أن تتورط الأمة بفتنها على أرض الواقع، وقبل أن يستغلها المشاغبون ويتقمصون دور وصفات بعض الشخصيات المقدسة المبشر بها في أخبار العلامات، فيجروا الأمة إلى متاهات الضياع والضلال.

وكان ينبغي لأخينا العاملي أن يفرق بين الكتابات المهدوية المشبوهة والخطيرة الآثار على التصور والسلوك الإسلامي وبين الكتابات المهدوية العلمية والهادفة والملتزمة بأهداف الإسلام في طرحه لهذا النوع من الفكر الديني الغيبي، بهدف تربية الأمة في خط الانتظار الصحيح، المتحرك في ميادين الحياة الجهادية والسياسية، لحماية أهداف الإسلام وحمل هموم المسملين، تمهيداً ليوم النصر الإلهي العالمي الموعود..

[وقال هذا المعترض في موضع آخر:]

تقسيم العلامات من حيث أهميتها:

ونقسم العلامات من حيث أهميتها إلى ثلاثة علامات:

العلامات الموعودة:

وهي التي لا تبديل فيها، ولا تغيير، ولا تأخير في وقوعها، لأنها من الوعد الحق {إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ}([90])، وأبرز العلامات الموعودة اثنتان:

الأولى: قيام دولة الموطئين للمهدي، وقد دل على أنها من الوعد الإلهي قوله تعالى: {فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً}([91]).

ولما قرأ الإمام الصادق عليه السلام هذه الآية بمحضر من بعض أصحابه، سألوه: جعلنا فداك من هؤلاء؟ فقال ثلاث مرات: «هم والله أهل قم»([92])، وفسرها في مكان آخر لبعض أصحابه وقال: «[هم] قوم يبعثهم الله قبل قيام القائم عليه السلام لا يدعون لآل محمد واتراً إلا أخذوه»([93]).

والأخبار المصرحة بخروج قوم من المشرق يوطئون للمهدي سلطانه قبل ظهوره، ويتوجهون نحو بيت المقدس لتحريره من اليهود المغتصبين كثيرة جداً، من طرق أهل السنة ذكرنا أكثرها في الكتاب الثاني من هذه الدراسات المهدوية.

الثانية: قيام الدولة الإسلامية العالمية بقيادة الإمام المهدي المنتظر عليه السلام، وقد دل على أنها من الوعد الإلهي قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا}([94]).

والروايات متضافرة عن أهل البيت في أنها نزلت في المهدي وأصحابه، وبعض الروايات صرحت بأن الذين يبدلهم الله من بعد خوفهم أمناً هم أهل البيت وشيعتهم المضطهدون من الحكام الظالمين، بسبب رفضهم للظلم والجور على امتداد التاريخ الإسلامي منذ وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله حتى ظهور ولده المهدي عليه السلام.

العلامات المحتومة:

وهي التي تقع في السنين المتصلة بيوم الظهور مباشرة كخروج السفياني والخسف بجيشه، وقتل النفس الزكية، وانبعاث صيحة من السماء، وخروج العباسي من العراق، واليماني من اليمن.

وهناك من يرى وقوع البداء في العلامات المحتومة، استناداً لما جاء في رواية داود بن أبي القاسم قال: «كنا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا عليه السلام فجرى ذكر السفياني، وما جاء في الرواية من أن أمره من المحتوم، فقلت لأبي جعفر عليه السلام: هل يبدو لله في المحتوم؟ قال: نعم. قلنا له: فنخاف أن يبدو لله في القائم؟ قال: القائم من الميعاد»([95]).

وهذه الرواية ضعيفة السند فلا يعول عليها، ولا يوجد نص معتبر يؤيد مضمونها، ونحن نعتقد أن المحتوم لا يقع فيه لله بداء، وقد استخدم القرآن معنى المحتوم بمعنى الموعود في قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا}([96])، وذهب جمع من الفقهاء إلى أن المحتوم ليس لله تعالى فيه بداء..([97]).

وقد لاحظنا بالاستقراء التام لجميع العلامات الحتمية أن كل واحدة منها وردت بشأنها نصوص قرآنية واضحة صريحة مفسرة من أهل البيت بها..([98])، ولا تقبل الانطباق على حوادث غيرها، فإذا قلنا بوقوع البداء فيها أجزنا القول بوقوع النسخ في القرآن بعد عصر النبوة، وهو غير متصور..

ومن الجدير بالانتباه أن العلامات الحتمية تعتبر من أهم علامات الظهور على الإطلاق لاعتبارات عديدة..

منها: أنها كلها تقع في عصر الظهور، أي تحدث قريبة جداً من تاريخ الظهور المقدس، وأكثرها تتحقق في سنة الظهور كالسفياني، والصيحة، والخسف، واليماني، وقتل النفس الزكية، وظهور العباسي..

ومنها: أن نجاح المخطط الإلهي لليوم الموعود يتوقف على وقوع العلامات الحتمية في الأمة، وعند عدم تحققها ينسف مفهوم الانتظار المتقوم بها، كما ينسف مفهوم الغربلة وفرز الجماعات الخبيثة من الطيبة تمهيداً للظهور، لأن أحداث هذه العلامات هي التي تصنع الأجواء السياسية والاجتماعية التي تجسد مفهوم الغربلة إلى واقع فعلي في حياة الأمة.

ومنها: أن هناك ترابط موضوعي بينها بحيث تكون العلامة الأولى منها علة لوقوع الثانية التي بعدها، والثانية أيضاً تكون علة لتحقق الثالثة، وهكذا البقية، فلولا دولة الخراساني التي تهدد أمن إسرائيل وتشكل خطراً على مصالح الاستكبار العالمي لم تتحقق طرحة السفياني التي تمثل آخر مشروع سياسي للغرب ضد تحرك أصحاب الرايات السود وأنصارهم في العالم نحو تحرير فلسطين، ولو لم تقتل النفس الزكية لم يقع النداء، ولولا النداء لم يقع الخسف بالبيداء، وهكذا الكلام في بقية علامات عصر الظهور الحتمية.

العلامات الموقوفة:

وهي التي لم يثبت أنها من الموعود ولا المحتوم، وهي قابلة للتغيير والتبديل، ومعرضة للبداء.

الفصل الثاني
تجريح.. واتهام..

نموذج من التجريح والإتهام:

إنه لا بأس بملاحظة طريقة هذا المعترض في توجيه الإتهامات، وما يمارسه من تجريح وإهانات.. حيث يخلط الذم بالمدح، والإحترام بالقدح، بألفاظ تشير بالمودة والأدب، وبأسلوب يختلس من قارئه الدهشة والعجب..

فهو يصف العاملي: بـ «العلامة» تارة..

ويصفه بـ «أخي» وبـ «أخينا» تارة أخرى..

ثم يصفه بـ «سماحة السيد» ثالثة..

ثم يقول:

«.. ولكننا لا نشاركه كل الرأي في موقفه السلبي، من خطبة البيان، ولا في أكثر آرائه الغريبة العجيبة، الخاصة بعلامات الظهور..».

وبدورنا أيضاً لا ندري كيف يقبل ببعض آرائنا العجيبة الغريبة دون بعض.. فإن كونها عجيبة وغريبة أمر مشترك بين ما يشاركنا فيه، وغيره.. على حد تعبيره..

ويقول:

«إن حصر دور العلامات بما وقع وانتهى، دون الإلتفات إلى آثارها الإيجابية، الكثيرة المترتبة عليها قبل وقوعها، تصور خاطئ، ينطوي على نتائج سلبية كثيرة، وآثار منحرفة خطيرة على التصور والسلوك الإسلامي، لأنه ينسف المفهوم الشرعي الواعي للإنتظار، ويطيح بأهم ركائزه الخ..».

ويقول:

«والمتأمل في كلمات أهل البيت عليهم السلام، وهم يتحدثون عن دور العلامات قبل وقوعها، يتيقن بخطأ افكار العلامة العاملي، ويتأكد: أن آراءه في هذا الموضوع اجتهاد فكري، مخالف للنصوص المستفيضة عن المعصومين».

ويقول:

«..إن القول بعدم وجود أي فائدة من دراسة العلامات قبل وقوعها، والتأكيد على عدم جدوى التحقيق في موضوعاتها، والاطلاع عليها، والاهتمام بها قبل وقوعها، نوع من الإنحراف الفكري الخطير، الذي يساهم في تجهيل الأمة بكل ما يدور من حولها من مخططات عدوانية لضرب الدين، وتحت غطاء العلامات المقدسة التي يتستر بها بعض الكذابين».

ويقول:

«كل هذه الأسئلة كان ينبغي لأخي سماحة السيد العاملي أن يطرحها على نفسه، ويتأمل فيها بفكره، قبل أن يمسك قلمه، ويكتب لنا هذه الأفكار الخطيرة، والتصورات الخاطئة، التي ادعى في مقدمة كتابه بأنها (آراء علمية رصينة، تتسم بالصراحة، والموضوعية)..

ولا ندري! من أين جاءتها الرصانة العلمية، وهي تخالف نصوص أهل البيت عليهم السلام، ومن أين اكتسبت الموضوعية، وهي تتنافى مع مفهوم العلامة نظرياً وعلمياً..».

ويقول:

«وقد تضمن كلامه هذا الكثير من المفاهيم الخاطئة المرفوضة في الإسلام»..

وقال:

«إن وضع الدين القيم، والمهيمن على الأديان كلها في ساحة الجهل بأحداث المستقبل، وعدم القدرة على استطلاعها، والتعرف عليها قبل تحققها بحجة: أن أهل البيت يريدون لأتباع هذا الدين الإرتباط بما وقع، دون الإلتفات إلى ما سيقع.. هو لون من التصورات الاجتهادية الخاطئة، لعدم انسجامها مع قيمومة الإسلام على الأديان كلها الخ..».

وقال:

«وقد أوضحنا سابقاً خطأ هذا العلاج، وبيَّنا بأنه اجتهاد شخصي مخالف للنصوص الكثيرة»..

إلى أن قال:

«ولا شك أن هذا العلاج يدعو إلى تجهيل الأمة بعلامات الظهور، وتجهيلها بكل ما يحيط بها من أحداث العلامات: السلبية والإيجابية، التي تتحقق على أرض الواقع، فيكون أكثر خطراً، وأشد انحرافاً من الفكر التخديري المتستر بالقضية المهدوية الخ..».

وآخر كلمة نذكرها له، هي قوله:

«فالدعوة إلى الجهل بالعلامات، من خلال عدم الاهتمام بها، بحجة أنه لا يصح صرف الجهد في التعرف على ما سيحدث، لأن أهل البيت يريدون منا أن نلتفت إلى ما وقع، لا إلى ما سيقع.. هي بنظري دعوى منحرفة، وخطيرة، ننزه العلامة العاملي منها، لأنها تلتقي مع الفكر المهدوي التحريفي والتخديري، لمحاربة التحرك الإسلامي لهداية الأمة، ونصرة الإسلام، من خلال طرح المفاهيم المنحرفة للإنتظار..».

هذا.. وثمة العديد من الموارد الأخرى، التي صرفنا النظر عنها، حفظاً منا لوقت القارئ، وضناً منا بجهده..

ونحن نكل الأمر إليه في التخطئة وفي التصويب على حد سواء..

نموذج من الحديث عن نفسه:

وعلى عكس ذلك تماماً جاء حديثه عن نفسه، ولا حاجة إلى تتبع ذلك، في الموارد المختلفة، بل يكفي أن نذكر بعض ما قاله عن نفسه في نفس النص الذي نقلناه عنه آنفاً، فلاحظ قوله:

«ونؤكد للقراء بكل ثقة واطمئنان، ومن منطلق الوعي الفكري العميق لدور أخبار العلامات في الإسلام، والاستيعاب الكامل لنصوصها القرآنية، والنبوية..».

إلى أن قال:

«بل وجدنا من خلال تجربتنا التربوية والفكرية، في دراسة القضية المهدوية، الخ..».

ويقول:

«كل هذا ندركه بعمق فكري وسياسي، أكثر مما يفكر به العلامة العاملي، بحكم تجربتنا الطويلة الأمد، ومعاناتنا الشاقة في متابعة الفكر المهدوي، في حركته الثقافية والسياسية في عالمنا الإسلامي.. الخ..».

ولا نريد تتبع ما يدخل في هذا السياق.. فإن الحر تكفيه الإشارة..

شكر، وتهنئة:

وبعدما تقدم، فإنه لا يسعنا إلا أن نقول لهذا المعترض: إننا نشكره جزيل الشكر على ما أسبغه علينا من صفات، وما أتحفنا به من إهانات..

كما أننا نهنؤه من أعماق القلب على ما اصطفاه لنفسه من ألقاب، وما حباها به من أوسمة..

ونسأل الله سبحانه أن يكون ما وراء الأكمة أسلم، وأن لا يكون ما تخفي صدورهم أدهى وأعظم..

الفصل الثالث
الإعتراضات.. في حقيقتها، وفي قيمتها

بداية:

إننا نسوق هنا كلماته التي اعتبرها بمثابة اعتراضات صالحة، وفي صحة ما قلناه قادحة، وبشكر من دبجها، وسطرها مادحة، وبالثناء عليه صادحة، فنقول، ونتوكل على خير مأمول ومسؤول:

علوم الأئمة توقيفية:

لقد زعم هذا المعترض، أننا نقول:

إن لدى الأئمة علوماً خاصة منشؤها خبراتهم الذاتية صلوات الله عليهم، فاعترض علينا بما مفاده:

أولاً: إنه لا دليل على ذلك، ولا يوجد نص مأثور به..

ثانياً: إن المروي عن أهل البيت هو العكس، أي أن كل ما يلقونه على الناس من علوم فهو مأخوذ عن النبي صلى الله عليه وآله، عن جبرئيل عليه السلام، عن الله عز وجل، وقد قال الله عن نبيه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَ وَحْيٌ يُوحَى}([99]).

ثالثاً: لو سلمنا: أن للنبي صلى الله عليه وآله، وأهل البيت عليهم السلام، علوماً خاصة، مصدرها إخباراتهم الذاتية، فإن إخباراتهم عن المستقبل ليست من هذا النوع إطلاقاً.

أما وصف أمير المؤمنين عليه السلام لمستقبل الأمة في ظل السياسة الأموية، فمصدره ما أخبر به الله ورسوله عن حكم بني أمية..

ونقول:

إن جميع ما ذكره لا يصح، وذلك لما يلي:

أ ـ إننا لم ندَّع أن علوم الأئمة عليهم السلام تنشأ من خبرتهم الذاتية، بل قلنا ونقول: إن ما يخبرون به عن الأشخاص الذين يعرفون حالهم، وأهدافهم، وتفكيرهم، وسلوكهم، وطموحاتهم، وما يسعون إليه، لا يحتاج إلى توقيف، ولا إلى أخذ من جبرئيل عليه السلام..

وهذا نظير ما لو سألك إنسان عن حال شخص يريد التعامل معه، أو تزويجه ابنته، أو يريد جعل أمواله أمانة عنده.. أو نحو ذلك.. وكنت تعرف أن ذلك الرجل فاجر فاسق، متحلل، رذل الأخلاق، يستحل الكذب، والخيانة، ويرتكب أعظم الموبقات..

فإذا قلت له: إنه سيخون أمانتك، وسوف يفسد مالك، وسوف يظلم ابنتك، فما هو الضير في ذلك؟!!

وهل يكون قولك هذا من قبيل علم الغيب، الذي لا بد من الرجوع فيه إلى الله ورسوله؟!

وكذا لو قال لك الطبيب: إذا أكلت الحنظل مثلاً، فسوف تمرض، أو إذا إذا شربت هذا السم، فسوف تموت حتماً، فهل يكون هذا من الإخبارات الغيبية، التي لا يجوز الإقدام عليها إلا بتوقيف من الله تعالى؟!

ولو أن النبي أو الإمام أخبر بذلك من دون إعلام جبرئيل له، هل يكون قد نطق عن الهوى، وسقط عن مقام النبوة، أو الإمامة؟!

ب ـ إننا حين ذكرنا موضوع الإخبار عن حالات الأشخاص، وقلنا: إن المعرفة بحالهم تسوغ الإخبار بها، ولو لم يكن هناك توقيف ورواية، وأخذ عن جبرئيل وعن الله، فإن ذلك لا يعني أننا نقول: إن جميع ما يلقيه الأئمة على الناس من علوم، ومن معارف غيبية، لا يحتاج إلى توقيف، ورواية، ونقل..

فلماذا ينسب ذلك إلينا؟!

ولماذا التهويل علينا، وعلى الناس بهذه الطريقة؟!

ج ـ إن هناك فرقاً بين الإخبار عن الغائب، وبين الإخبار عن أمر غيبي. وقد سلّم هذا المعترض بأن بعض الأمور يعرفها الإمام من خلال رؤيته لها، ومعرفته بها، كما يعرفها أي عاقل، ولكنه عاد فقال: إن إخباراته عليه السلام عن المستقبل ليست من ذلك حتماً وجزماً؟!

ولم يفرق بين ما هو غائب، وما هو غبي..

فإن هذا النوع من الإخبار، لا يعد من الإخبارات الغيبية أصلاً، بل هو إخبار عن الشهود والحضور، كما أشرنا إليه، ولذلك لم يمنع الشارع الناس من الإخبار بمثل هذه الأمور، ولم يعده تعدياً، ولا كذباً.. ولو راجعنا كلمات خيار وكبار أصحاب الأئمة عليهم السلام لوجدنا مئات الشواهد التي أخبروا فيها بمثل ذلك..

فقد قال الأشتر في صفين، حين أرادوه على ترك الحرب: «ما أنتم برائين بعدها عزاً أبداً»([100]) فإن الأشتر يخبر عن أمر هو من الوضوح له بحيث كأنه يراه رأي العين، بسبب رؤيته لأسبابه، وشواهده ودلائله..

وقال عمار بن ياسر لعبيد الله بن عمر، قبل مقتله:

«اشهد على علمي فيك: أنك أصبحت لا تطلب بشيء من فعلك وجه الله»..([101]).

وقال عمار أيضاً في صفين:

«أما إنهم سيضربوننا بأسيافهم، حتى يرتاب المبطلون منكم، فيقولون لو لم يكونوا على حق ما ظهروا علينا»..([102]).

ولعمار كلام آخر يدخل في هذا السياق، قد قاله في صفين أيضاً، فراجعه..([103]).

وقال عبد الله بن بديل بمحضر أمير المؤمنين:

«وكيف يبايع معاوية علياً، وقد قتل أخاه وخاله وجده؟!، والله، ما أظن أن يفعل دون أن تقصد فيهم المُرَّان، وتقطع على هامهم السيوف، وتنثني حواجبهم بعمد الحديد، فتكون أمور جمة بين الفريقين»([104]).

وأمثال هذه الكلمات لا يكاد يحصر، فراجع أقوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله بمحضره وأقوال أصحاب الأئمة عليهم السلام بمحضرهم أيضاً، فإن التأمل فيها لا يدع مجالاً للشك في ذلك، فلماذا لا يعترضون على أصحابهم، ويقولون لهم هذا كذب، وإخبار عن الغيب وافتئات لا يصح صدوره من مؤمن.

د ـ وأما قوله: بأنه لا دليل على ما قلناه، فنقول فيه: إن الدليل هو، معلومية ذلك بالوجدان والبداهة.. ولو كانت هذه الإخبارات تتضمن أية شبهة لكنا رأينا النبي صلى الله عليه وآله والأئمة صلوات الله وسلامه عليهم يردعون اصحابهم وشيعتهم عن ممارستها..

ومن الدليل على ذلك أيضاً، قوله عليه السلام، حين رفع المصاحف:

«ولكن معاوية، وابن أبي معيط، وابن أبي سرح، وابن مسلمة، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إني أَعْرَف بهم منكم، صحِبتهم صغاراً، ورجالاً، فكانوا شر صغار، وشر رجال، الخ»([105]).

ونعود ونكرر القول: إن ذلك لا يعد من الأمور الغيبية، إذ ليس كل إخبار عن غائب يكون من الإخبارات الغيبية، التي لا يجوز التصدي لها من دون توقيف، فإن الأمور القريبة من الحس، كالإخبار عن الكرم، وعن العدالة، وعن الشجاعة، ونحو ذلك، لا تحتاج إلى ذلك.. هكذا الإخبار عن وجود الله سبحانه، بالاستدلال عليه بآثاره، من الخلق، والرزق، والشفاء، وغير ذلك..

الأئمة لا يعلمون الغيب ذاتياً:

وقال المعترض: «لو سلمنا أن للنبي صلى الله عليه وآله، وأهل بيته عليهم السلام، علوماً خاصة، مصدرها خبرتهم الذاتية: فإن إخباراتهم عن المستقبل ليست من هذا النوع إطلاقاً، لوجود عدد كبير من التصريحات الصادرة عنهم، النافية لعلمهم بالغيب على نحو الأصالة والاستقلال. وهو ما ينسجم تمام الإنسجام مع قوله تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَ هُوَ..}..»([106]).

ونقول:

1 ـ قد عرفنا أن هذا لا يدخل في دائرة الإخبارات الغيبية التي تحتاج إلى توقيف، بل هو من قبيل الإخبار عن الأمور الغائبة عن الحس، ولكنها تعرف بآثارها، كالإخبار عن العدالة، وعن الشجاعة..

وكالإخبار عن تنكيل الجبارين بمناوئيهم لو ظفروا بهم، وعن أنهم سوف يقتلونهم بلا ريب، وغير ذلك..

2 ـ إننا لم ندع أن جميع ما يخبر به الأئمة عليهم السلام من أمور غائبة، هو نتيجة خبرتهم الذاتية، بل قلنا: إن ذلك قد يتفق لهم، كما يتفق لجميع البشر.. فلا معنى للاستشهاد بالآيات، ولا معنى للاستدلال بما دل على عدم علمهم بالغيب بالأصالة والاستقلال.

إعتراضان.. واستدلال:

ثم إن هذا الشخص ذكر أمرين:

أحدهما: أن ما أخبر به الإمام علي عليه السلام، عن بني أمية ليس من خبرته الذاتية بالمجتمع الإسلامي.. بل هو من دائرة علومه الإلهية.. المخبر عنها في القرآن الذي قال: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَ طُغْيَاناً كَبِيراً}([107]).. فقد روي بطرق السنة والشيعة أن هذه الآية نزلت في بني أمية..

وعنه صلى الله عليه وآله، أنه قال فيهم:

«إن أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية»([108]).

وقال صلى الله عليه وآله:

«إذا بلغت بنو أمية أربعين رجلاً اتخذوا عباد الله خولاً، ومال الله دخلاً، وكتاب الله دغلاً»([109]).

وقد أعلن أبو ذر هذه الأحاديث في ثورته على عثمان. وأمير المؤمنين أعلم من أبي ذر بهذا الأمر الواضح في الكتاب والسنة..

الثاني: إن الإمام علياً عليه السلام هو القائل:

«لقد علمني رسول الله صلى الله عليه وآله ألف باب، كل باب يفتح ألف باب»([110]).

وهو القائل: «اسألوني قبل أن تفقدوني. فوالذي نفسي بيده، لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مئة، وتضل مئة، إلا أنبأتكم بناعقها، وقائدها، وسائقها، ومناخ ركابها، ومحط رحالها، ومن يقتل من أهلها، ومن يموت موتاً»([111]).

فإذا كان عليه السلام قد ورث جميع أبواب المعرفة عن النبي صلى الله عليه وآله، سواء فيما يخص علوم الدين، أو حاضر الناس، ومستقبلهم، فلماذا يلجأ في حديثه عن بني أمية، وعن أحداث المستقبل إلى خبرته الذاتية؟!

ونقول:

إن في كلامه هذا، خللاً من عدة جهات، نذكر منها:

1 ـ أن الآية القرآنية، والأحاديث التي استشهد بها لم تشر إلى أية مفردة مما ورد في النص الذي أوردناه عن الإمام علي عليه السلام، أنه قاله عن بني أمية، وعما يجري للناس معهم، فقارن بين ما ورد في الآية، وفي الخبرين الذين استشهد بهما هذا المعترض، وبين عبارته عليه السلام التي استشهدنا بها.. وهي التالية:

«.. وأيم الله، لتجدن بني أمية لكم أرباب سوء بعدي، كالناب الضروس، تعذم بفيها، وتخبط بيدها، وتزبن برجلها، وتمنع درها. لا يزالون بكم حتى لا يتركوا منكم إلا نافعاً لهم، أو غير ضائر بهم. ولا يزال بلاؤهم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا كانتصار العبد من ربه، والصاحب من مستصحبه، ترد فتنتهم شوهاء مخشية، وقطعاً جاهلية، ليس فيها منار هدى، ولا علم يرى»([112]).

فإن كونهم الشجرة الملعونة في القرآن لا يستلزم صدور خصوص هذه الأفعال بعينها منهم، إذ قد تكون لعنتهم لأجل كفرهم، أو لأجل أعمال أخرى أوجبت لعنتهم..

كما أن تبديل رجل من بني أمية لسنّته صلى الله عليه وآله.. لا يقتضي أن يكون جميع بني أمية على شاكلة هذا المبدِّل للسنة..

وتبديل السنة لا يعني صدور خصوص الأفعال التي ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام، من ذلك المبدل لها ومنهم، فلعله يبدل السنة، ويتصرف تصرفات من نوع آخر، تكون هي الموجبة لخزيه، وعذابه، ولعنته..

2 ـ إن علم الإمام علي عليه السلام، بأمر بني أمية من الكتاب والسنة لا يقتضي أن يكون جميع ما يتحدث به عنهم منحصراً بما علمه من الكتاب والسنة، ولذلك نجده عليه السلام قد أخبر عن معاوية، وابن مسلمة، وابن أبي معيط، وابن أبي سرح ـ أخبر عنهم ـ مصرحاً بأنه يستند في ذلك إلى معرفته بهم، فإنه قد صحبهم صغاراً ورجالاً، فكانوا شر صغار، وشر رجال..

ويكون حاله عليه السلام في هذا الأمر، حال من أطلعه أبوه على أمور كثيرة ترتبط بفلان من الناس، ثم عاشره بنفسه، واطلع على أكثر مما أخبره به أبوه، فإنه يصح له أن يخبر عنه بما أخبره به أبوه، وبما اطلع عليه بنفسه. ولا منافاة بين الأمرين..

وأما القول بأن من الجائز أن يكون عليه السلام، قد أجرى كلامه وفق ما يفهمه الناس، على سبيل التفؤل، إذ لا يعتقد الناس كلهم: أنه مطَّلع على الغيب.

أما هذا القول فهو مجرد احتمال لا يدفع ما قلناه، مع أن المطلوب هو دفعه ونفيه بصورة قاطعة، فإذا كان يكفي ذلك في قبول الناس لكلامه عليه السلام وإيمانهم بصحته، لم يعد بالإمكان القول بانحصار معارفه المستقبلية بالتعليم.

3 ـ إن قول هذا المعترض: «سواء فيما يخص علوم الدين أو حاضر الناس ومستقبلهم» يشير إلى أنه يعرف: أن الحديث عن حاضر الناس، وعن مستقبلهم، ليس مما يخص علوم الدين..

والأمر كذلك بالفعل، فإن الإخبار عن حال رجل تعرفه، وعن توقعاتك لتصرفاته، ليس أمراً دينياً، فإذا لم يكن كذلك، فما الذي يمنع من أن يخبر النبي صلى الله عليه وآله والإمام عليه السلام عنه، استناداً إلى معرفته به التي حصل عليها من خلال معاشرته له، أو استناداً لما أخبره به الذين عاشوا معه وعاشروه؟!

4 ـ إن حديث: «علمني رسول الله صلى الله عليه وآله ألف باب من العلم» إنما يختص بالعلوم التي تحتاج إلى تعليم ودلالة، وأما ما يمكن أن يعلم بواسطة التعليم، وما يمكن العلم به بواسطة التحصيل المباشر، كمعرفة الإنسان بالأشخاص الذين يعاشرهم، فليس بالضرورة أن يكون في جملة ما علمه الله إياه.. فلعله حصل المعرفة به بجهده، ثم أخبر عما حصل عليه..

5 ـ وأما حديث: «اسألوني قبل أن تفقدوني..».. فبرغم أنه لم يذكر: أن ما يخبرهم به قد تعلمه، أو لم يتعلمه.. فإنه ليس فيه ما يدل على أنه يخبرهم بخصوص ما عرفه عن طريق التعليم، بحيث لا يخبرهم أيضاً بما اطلع عليه بنفسه..

6 ـ ولو سلمنا اختصاص هذا النص بما تعلمه من ربه، فإنه إنما يكون في خصوص ما يحتاج إلى تعليم إلهي، أما ما لا يحتاج إلى ذلك ـ كما فيما نحن فيه ـ فهو خارج عنه، وغير مشمول له، وهو لا يريد أن يجعله دليل إمامته، إذ هو لا يصلح لذلك..

إستدراك، واستدلال:

ثم إن ذلك المعترض، قد استدرك على كلامه، واستدل على مطلوبه، فقال:

«ولا يعني كلامنا هذا أن نقلل من قيمة الخبرة الذاتية عند أهل البيت، فهم قطعاً أخبر الناس بأحوال الناس، وأكثرهم معرفة بظروف مجتمعاتهم الحاضرة والمستقبلية في ضوء المقدمات والنتائج..

لكننا نقطع بأنهم لم يستخدموا شيئاً من خبراتهم الذاتية في تبليغ أحكام الدين، ولا في الإخبار عن مستقبل المسلمين، لأنهم أئمة من الله تعالى، شأنهم شأن رسول الله صلى الله عليه وآله..

ولما كانت إمامة أهل البيت من الله تعالى، فليس لهم الحق أن يبلغوا الناس باسم الدين من خبراتهم الذاتية للدين..».

ونقول:

إن هناك العديد من موارد الخلل في هذا الكلام، نكتفي منها بملاحظة قوله:

1 ـ «لأن إمامة الأئمة من الله تعالى، فليس لهم الحق أن يبلغوا الناس باسم الدين من خبراتهم الذاتية..».

وقد قلنا:

ألف ـ إن الإخبار عن أحوال الأشخاص، وتوقع تصرفات معينة منهم، استناداً إلى تلك المعرفة ليس تبليغاً لأحكام الدين استناداً إلى الخبرات الذاتية، ولا هو تبليغ باسم الدين كذلك..

ب ـ إن للأئمة عليهم السلام الحق في تشريع الأحكام، وكذلك كان هذا الحق ثابتاً لرسول الله صلى الله عليه وآله.. وقد ثبت ذلك بالروايات الكثيرة المتواترة والصحيحة.. فراجع كتابنا: «الولاية التشريعية»، فنفي هذا الأمر عنه، لا ينسجم مع هذه الحقيقة..

ج ـ إنه يقول: لأن إمامة الأئمة من الله، فليس لهم الحق بأن يبلغوا الناس باسم الدين من خبراتهم الذاتية.

والسؤال هو: هل نفهم من كلامه هذا: أنه لو كانت إمامتهم من غير الله، فسيكون لهم الحق بأن يبلغوا الناس باسم الدين من خبراتهم الذاتية؟!!

الفصل الرابع
هل المعيار ما وقع.. أم ما سيقع؟!

الهدف من العلامات:

ويقول هذا المعترض: إن حصر العلامات بما وقع، دون الالتفات إلى آثارها الإيجابية الكثيرة المترتبة عليها قبل وقوعها، ينسف المفهوم الواعي للانتظار، ويطيح بأهم ركائزه ومقوماته، المتمثلة بالعلامات قبل وقوعها..

ونقول:

أولاً: إن المفهوم الواعي للانتظار لا يرتكز إلى العلامات، بل هو يرتكز إلى الاعتقاد بالإمامة، وإدراك ووعي ما لها من مهمات، وإدراك ما يجب أن تكون عليه العلاقة بالإمام.. وإدراك مفهوم الغيبة، والحاجة إلى الإمام، وإلى ظهوره..

وأما العلامات فليست من ركائز الانتظار، فضلاً عن أن تكون من أهم ركائزه..

ثانياً: إننا لا ننتظر العلامات، بل نحن ننتظر الإمام، فإذا كان وقوع ما جاءت به الأخبار من شأنه أن يذكر الناس بالإمام، ويجعلهم ينتظرونه، فذلك كاف في المطلوب..

ثالثاً: إن الإخبارات الغيبية ليست جميعها علامات للإمام.. فإن ما روي عن أهل البيت عليهم السلام على أقسام:

الأول: ما أخبر الأئمة عليهم السلام أنه سيقع من دون تحديد، وربط بشيء، كإخبارهم عن اختلاف ملك بني العباس وكإخبار الإمام الصادق عن ملك المنصور للأمر، دون عبدالله بن الحسن، أو أنه ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم.. أو سيكون ستون كذاباً أو ثلاثون.. وعن أمور كثيرة من هذا القبيل، فهذا القسم لا ربط له بصاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، ولا بمفهوم الانتظار، ولا فائدة من وضع جدول زمني لوقوعه، أو عدم وقوعه، بل يكفي العلم بإخبار الأئمة عليهم السلام به.. ثم الالتفات إليه بعد وقوعه، ليزيد يقين الناس بهم، وبإمامتهم، من خلال امتلاكهم لعلم الإمامة..

الثاني: ما ذكر في الروايات أنه من المحتوم، من دون تحديده بكونه في آخر الزمان، أو عند ظهور الإمام، أو قرب ظهوره، أو نحو ذلك.

فهذا القسم أيضاً لا ربط له بصاحب الزمان، ولا بمفهوم الانتظار، ولا بغير ذلك.. حسبما أوضحناه في القسم الأول.. وبعضه يكون من أشراط الساعة، مثل طلوع الشمس من مغربها.. وبعضه يمكن أن يرجع إلى القسم الثالث الآتي..

الثالث: ما ذكر أنه من علاماته صلوات الله وسلامه عليه، وأنه من المحتوم.. وهي خمس أو ست، أو سبع علامات..

وهذا القسم أيضاً يكفي العلم به، ولا يحتاج إلى برمجة، وإلى وضع خريطة زمانية ومكانية له، ولا مجال للتنبؤ به، لأنه إنما يحصل في أجواء ظهور الإمام عليه السلام، من أجل الدلالة عليه دلالة قاطعة، لتقوم الحجة بذلك على البشر جميعاً، بحيث لا يبقى عذر لمعتذر.. ومن هذا القبيل الصيحة من السماء، والخسف بالبيداء، وظهور السفياني، وقتل النفس الزكية..

الرابع: تلك الأحداث التي لم يصرح بكونها من المحتوم، بل ذكرت، وحددت أوقاتها، بأشهر تسبق ظهوره عليه السلام.. ومن هذا القبيل خروج الخراساني، واليماني.. وهذا القسم يلحق بالقسم السابق.

الخامس: ما ذكر أنه يحصل قرب ظهور الإمام عليه السلام، من دون تعيين، وذلك مثل انتقال الحوزة إلى بلدة يقال لها: «قُم»، فتقوم مقام الحجة.. إلى أن قال: «وذلك عند قرب ظهور قائمنا»..

وهي روايات قليلة جداً أيضاً، لا مجال لبرمجتها، ولا يمكن التنبؤ بالسابق واللاحق منها..

علماً بأن هذا القرب لم يحدد زمانه وحجمه، فقد يمتد إلى عشرات السنين، وقد يكون في حدود سنوات يسيرة..

السادس: تلك الأخبار التي تقول: إنه سيحدث في آخر الزمان كذا، وكذا، وهي أيضاً قليلة، يصعب معرفة المتقدم من المتأخر منها.. مع أن بعضها ربما يكون مرتبطاً بارهاصات يوم القيامة، لا بصاحب الأمر عجّل الله تعالى فرجه الشريف..

هذا كله بالنسبة لما روي عن أهل البيت عليهم السلام، وبأسانيد تتكون من رجال الإمامية رضوان الله تعالى عليهم..

أما ما روي في كتب أهل السنة، وبأسانيدهم، فذلك لا يعنينا أمره، ولا يصح خلطه بما روي من طرق أهل البيت وشيعتهم..

لكن المشكلة الحقيقية، والمخيفة هي: أن الذين يشتغلون بأخبار الملاحم والعلامات، لم يفرقوا بين هذا وذاك، بل هم قد خلطوا ما روي عن أهل البيت عليهم السلام، بما روي عن أبي هريرة واضرابه، وبما تسرب إلى المسلمين عن طريق علماء أهل الكتاب، والقصاصين وبما رواه الغلاة، وسائر أهل الأهواء..

رابعاً: إن ما قلناه هو: إن حكم الأئمة عليهم السلام بوقوع البداء في الإخبارات الغيبية من شأنه أن يحصر الاستفادة بالأخبار التي يقع مضمونها فعلاً، حسبما أوضحناه..

وكلامه هذا لا يصلح جواباً على ذلك..

الفكر الجديد، ومعنى العلامة لغة واصطلاحاً:

وقال هذا المعترض: «إن هذا الموقف الفكري الجديد من العلامات يتناقض مع المعنى اللغوي والاصطلاحي لها.. لأنها في اللغة هي ما ينصب ويوضع ليهتدى به، كعلم الجيش، ويعبر عن العلامة بالأشراط، وبالآية..

وفي الاصطلاح تطلق على كل حدث دل الخبر الغيبي على وقوعه في المستقبل، ويكون علامة على وقوع حدث آخر بعده..

والمتأمل في كلمات أهل البيت يجد أنها تأخذ بالأبصار، والعقول، إلى ما سيقع، لا إلى ما وقع»..

ثم ساق بعض الأخبار التي رأى أنها مشيرة أو دالة على ذلك، مثل خبر حذيفة بن اليمان، وخبر الصيحة، وغيرهما مما سيأتي.. وقال:

«إن أخبار علامات الظهور كلها من هذا القبيل ترشد إلى ما سيقع، وتحذر من التورط في فتنته، وانحرافاته، ومشاكله»..

ونقول:

أولاً: إن كلامنا إنما هو في جميع الإخبارات عما يحدث في المستقبل إلا ما كان من المحتوم، حسبما اوضحناه، وقد قلنا:

إن من هذه الإخبارات ما لا يراد منه الإشارة إلى خروج صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف. بل يراد منه مجرد حفظ إيمان الناس، وتحصينهم من الوقوع تحت تأثير الشبهات، أو من الانبهار بالقوة، أو بمنجزات العلوم المادية، أو غير ذلك مما تظهر معه الحاجة إلى تثبيت يقين الناس في مواقع الشعور بالفشل والاحباط، مع عدم توفر أي من وسائل الهداية والحفظ لهم، لأكثر من سبب..

فيكون ظهور صدق ما أخبر به الأئمة عليهم السلام دليلاً وجدانياً على انهم يأخذون علومهم عن الله الخالق، البارئ، العليم، الحكيم.. ويكون ذلك علامة على حقيقة إمامة الأئمة الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.. فليس هذا النوع من العلامات دليلاً على وقوع حدث آخر بعده..كما ذكر هذا المعترض..

ثانياً: قد استشهد المعترض بحديث حذيفة بن اليمان، عنه صلى الله عليه وآله: «هذه فتن قد أظلت كجباه البقر، يهلك فيها أكثر الناس، إلا من كان يعرفها قبل ذلك»..([113]).

واستدل أيضاً برواية تذكر سؤال هشام بن سالم، للإمام الصادق عليه السلام، عن الصيحتين، والتفريق بينهما، فقال عليه السلام: «يعرفها من كان سمع بها قبل أن تكون»..

وفي نص آخر: «من كان يؤمن بها قبل أن ينادى».

وفي نص ثالث: «يعرفه الذين كانوا يروون حديثنا، ويقولون: إنه يكون قبل أن يكون الخ..»..

ونقول:

أ ـ إننا لم ننكر لزوم المعرفة بالعلامات، والإيمان بها قبل وقوعها، ولكننا نقول: إنه يكفي في ذلك مجرد الاطلاع عليها ولا حاجة إلى ترصيفها وجدولتها، وترتيب أحداثها، ورسم خارطة للأحداث في الأمكنة والأزمنة، في المواقع المختلفة، ثم تقديم ذلك للناس على أساس أنه أمر واقع، ولابد منه، وعلى الناس أن يرصدوه ويترقبوه..

وإنما نرفض هذا الأمر، من حيث أن الجزم بذلك كله، متوقف على حسم الأمر في قضية البداء، والجزم بأنه لا يمكن أن يحصل بداء في أية واحدة منها..

وبذلك يتضح: أن ما يمكن رسم جدولة وخارطة له هو خصوص ما كان من المحتوم دون سواه، ونحن لم نتعرض لهذا المورد. بل قلنا: إن المحتوم من العلامات يختص بما كان في نفس أيام الظهور، فمن أحب الجدولة والترتيب لخصوص هذه العلامات الخمسة أو السبعة، أو حتى ما هو أزيد، فما عليه إلا أن يبادر إلى ذلك وإن كان ذلك قليل الفائدة والجدوى وإلا لبادر الأئمة عليهم السلام إليه.. أما ما عدا المحتوم فلا مجال للخروج بنتائج حاسمة فيه للسبب الذي ذكرناه.. وهو أن البداء في واحدة يوجب الخلل في الهيكلية كلها، ويسقطها عن صلاحية الاعتماد..

والرواية التي ذكرها، بل جميع الروايات التي استدل بها هذا المعترض، في هذا المورد، مما صرح بلزوم الاطلاع علىالعلامات، لا ينافي ما ذكرناه، بل هو ينسجم معه كل الانسجام، لأن رواية هشام بن سالم، عن الإمام الصادق عليه السلام، وكذلك رواية السؤال عن النداءين إنما تختصان بالصيحة والنداء من السماء، وهذا إنما يكون في العلامات المحتومة التي تحدث عند ظهوره عليه السلام.

وقد صرحنا بذلك، في نفس تلك الدراسة التي يحاول هذا الشخص الاعتراض عليها، حيث قلنا تحت عنوان: علامات الظهور في خدمة الهدف..

«..إن مما يساعد على حفظ الهدف الكبير، وتحقيق النتائج المتوخاة، وله دوره في الحفاظ على الروح، والحيوية الفاعلة، هو إبلاغ الناس بعلامات الظهور، حيث لا بد أن ترهق المشكلات، والمتاعب، والمصاعب، روح كثير من العاملين، وتمنى بالإحباط عزائمهم، وبالخور هممهم، وتصاب بالأذى مشاعرهم، وتذبل شيئاً فشيئاً زهرة أملهم..

فرؤية بعض تلك العلامات يتحقق على صفحة الواقع ستشحذ العزائم، وتستنهض الهمم، وتثير المشاعر، وتكون بمثابة ماء الحياة الذي يعيد لتلك الزهرة الذابلة نموها الخ..».

فنحن نقول إذن: إن إبلاغ تلك الأخبار إلى الناس ضروري، غير أنه لا بد من بيان المحتوم لهم من غير المحتوم، وأن لا ترسم لهم خارطة أحداث يرون أنفسهم في موقع الاستسلام لها، لأن ما عدا المحتوم يكون كله في معرض البداء الذي يخضع لأسبابه، ومنها إرادة الناس، وجهدهم وجهادهم..

حل التناقض الموهوم:

وقد يقال: إذا كان البداء يكون في المحتوم أيضاً، لم يبق فرق بين المحتوم وبين غيره، فلماذا تخص الكلام في الموقوف؟

وكيف صح التقسيم إلى محتوم وموقوف؟!

ونجيب بأن المحتوم على قسمين:

الأول: ما لا بد منه، مثل ظهور الإمام عليه السلام، الذي هو من الميعاد، والله لا يخلف الميعاد، كما ورد في الرواية..

وهذا لا يصور فيه البداء، لأن ذلك ينافي مقام الربوبية والألوهية..

الثاني: المحتوم الذي لا تخرجه حتميته عن دائرة القدرة الإلهية. فالمراد بكون هذا القسم من المحتوم هو أنه جارٍ وفق السنة الإلهية التي لا تلغي تأثير العلة عادةً أبداً، إلا إذا عارض ذلك ما هو أعظم وأهم، كما كان الحال بالنسبة لحفظ إبراهيم عليه السلام من إحراق النار له مع أن السنة الإلهية تقضي بأن تحرق النار كل ما يدخل فيه، إذا كان قابلاً لذلك..

ولكن هذه الحتمية تكون على نحوين أيضاً:

أحدهما: ما تكون حتميته باكتمال أسبابه من حيث سنخ علاميته ودلالته فقط، فيخبر عن اكتمال العلة لسنخ العلامة فقط.. ولا يخبر عن علة ما هو متشخص في ضمن هذا الفرد بخصوصه، بحيث تكون مشخصات الفرد أيضاً.. داخلة في دائرة الخبر الوارد.

الثاني: ما تكون حتميته باكتمال علة السنخ، والفرد الذي يتجلى ويتحقق فيه أيضاً؛ فتكون الحتمية تامة لهما معاً، من دون أن يخرجه ذلك عن دائرة المشيئة والقدرة الإلهية.. إذ إن الله قادر على إلغاء تأثير العلة التامة، ولا يتنافى ذلك مع ألوهيته أو ربوبيته تعالى..

فليس هذا من قبيل خلف الوعد والظلم الذي يتنافى مع مقام الألوهية أو ربوبيته.. ولذلك قال تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِّلْعَبِيدِ}([114]) و{إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ}([115]).

بقية شواهده الروائية:

هذا كله بالنسبة لرواية أهل السنة حول الفتن التي أقبلت كجباه البقر، وما ورد عن كيفية معرفة الصادق من الكاذب في الصيحتين من السماء..

وبقيت شواهد أخرى أشار إليها هذا المعترض، قال: إنها تدل على لزوم معرفة العلامات قبل حصولها.

ولكننا حين لاحظناها لم نجد لها أية دلالة أو ارتباط بالموضوع الذي نحن بصدده..

فقد استشهد برواية عن الإمام الصادق عليه السلام تقول: «إن قدام المهدي علامات من الله عز وجل للمؤمنين»([116])..

قال: «فهناك علامات من الله للمؤمنين، تجعلهم يستعدون لظهور المهدي»..

واستشهد أيضاً بسؤال المدائني للإمام الصادق عليه السلام عن المهدي، قال:

«قلت: فهل له علامات قبل ذلك؟

قال عليه السلام: نعم، علامات شتى..

قلت: ماذا؟

قال: خروج راية من المشرق، وراية من المغرب..»..([117]).

ثم ذكر: أن المراد بالراية المغربية راية السفياني، وبالراية المشرقية راية الموطئين.. وأن كل من يدَّعي المهدية قبل ظهورهما فهو كاذب، وليس كل من ادعاها بعد ظهورهما يكون صادقاً، بل لا بد من أن تصدق دعواه علامات أخرى، كالخسف بالبيداء، والصيحة من السماء، وقتل النفس الزكية..

ثم قال معقباً: «وهكذا نلاحظ العلامات دائماً تأخذ بأيدينا، وعقولنا، وأبصارنا، إلى ما سيقع، لا إلى ما وقع.. وأخبار علامات الظهور كلها من هذا القبيل، فهي ترشدنا وتنبهنا إلى أحداث مهمة ستقع في المستقبل، وتحذرنا من التورط بفتنتها، وانحرافاتها، ومشاكلها المترتبة على وقوعها..

وأفضل مثال يوضح دور العلامات في توجيه الأمة، وتربيتها بما سيقع ـ في خط الإنتظار ـ لا إلى ما وقع.. هو تمثيل المعصوم للخاص منها بعصر الظهور، بالعِقد إذا انقطع سلكه، فتتابع، ففي رواية عن النبي صلى الله عليه وآله: «وما ذلك إلا كهيئة العقد ينقطع، فيتبع بعضه بعضاً»..

وفي رواية عن الإمام الباقر عليه السلام: «خروج السفياني، واليماني، والخراساني، في سنة واحدة، وفي شهر واحد، وفي يوم واحد، ونظام كنظام الخرز، يتبع بعضه بعضاً»..

ومعنى الحديث: أن العلامة السابقة تكون دليلاً ومنبهة إلى وقوع العلامة اللاحقة...

ونقول:

إنه لا محيص لنا من العودة إلى تكرار، ما نبهنا عليه أكثر من مرة، رغم أنه قد أصبح على درجة كبيرة من الوضوح، فنقول:

1 ـ قوله: إن ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام من أن قدام الإمام المهدي علامات للمؤمنين، إنما سيق لأجل استعداد المؤمنين لظهور الإمام عليه السلام.

لا يصح..

فأولاً: إنه ليس بالضرورة أن تكون العلامات المذكورة قد سيقت ليستعد المؤمنون لظهوره عليه السلام، بل هي قد تكون لأجل تعريف الناس بشخصه عليه السلام، ليميزوه عن المدّعين المزيفين للمهدية..

ثانياً: إن كلامنا ليس عن العلامات المتصلة بالظهور، والتي هي لتعريف الناس بالإمام عليه السلام، بل كلامنا هو في الإخبارات الغيبية المطلقة التي يريد هؤلاء استخراج جدول لها، ورسم خريطة زمانية ومكانية لأحداثها، وتقديمها للناس على أنها حقائق لابد من وقوعها، مع أنها ليست من المحتوم، ولا يراد بها تحديد شخص الإمام، وتمييزه عن غيره ممن يدعون المهدية زوراً..

وثالثاً: إن كلمة «قدام المهدي» تشير إلى ما ذكرناه أيضاً، إذ إن ما يحصل قبل الظهور بألف سنة، أو بمئات السنين، ليس هو المقصود بهذا الحديث.. بل المقصود، ما يكون قريباً من ظهوره عليه السلام بحيث يصح القول بأنه قدامه، وقد صرح المعترض نفسه بأن هذه العلامات: «تجعلهم يستعدون لظهور المهدي عليه السلام»..

فهل يقال لما يحصل قبل ذلك بمئات السنين: أنه يجعل الناس يستعدون لظهور المهدي؟!

2 ـ بالنسبة لرواية سؤال المدائني للإمام الصادق عليه السلام عن العلامات، حيث ذكر له عليه السلام أنها علامات شتى، منها خروج راية من المشرق، وراية من المغرب..

نقول:

إن الاستدلال بها أيضاً لا يصح، وذلك لنفس ما ذكرناه آنفاً، فلا حاجة إلى الإعادة.. ولكنا مع ذلك نذكر بما يلي:

أ ـ إن المعترض قال: إن المراد بالراية المشرقية راية تخرج من بلاد إيران، مع أن المشرق أعم من إيران ومن العراق، وأفغانستان، وسواها من البلاد التي تقع في الشرق الإسلامي..

ب ـ يلاحظ أنه بعد ذكره لراية السفياني، والراية التي تقابلها، يقول: إن من يدعي الخروج بعدهما.. فالصادق هو من ترافق دعواه علامات تدل عليه، وهي الصيحة، والخسف، وقتل النفس الزكية.. ويلاحظ أنه لم يذكر إلا العلامات التي صرحت الروايات بأنها من المحتوم..

وصرحت أيضاً: بأنها علامة للدلالة على شخص الإمام، حتى تقوم الحجة بذلك على الناس، ولا يبقى عذر لمعتذر..

وقد قلنا مراراً: إن هذا ليس هو محط نظرنا..

ج ـ ولو فرضنا صحة ما ادعاه من أن العلامة المحتومة تدل على ما سيقع، وهي العلامة المتصلة بزمان ظهوره عليه السلام، فهذا لا يعني دلالة غيرها من الإخبارات الغيبية على ذلك، فإن هذا من قبيل تسرية حكم لموضوع وإثباته لموضوع آخر..

د ـ إنه لا معنى لقوله أيضاً: «وأخبار الظهور كلها من هذا القبيل».. إذ إنه لم يقدم أي دليل يدل على صدقه وصدق ما قاله في مورد الخصوص، فكيف بهذا التعميم الجازم لكل العلامات؟!

3 ـ إن أفضل مثال عنده يوضح دور العلامات في توجيه الأمة وتربيتها بما سيقع ـ في خط الإنتظار ـ هو تمثيل المعصوم للخاص منها بعصر الظهور بالعقد إذا انقطع نظامه..

ونقول:

أولاً: إن الغريب في الأمر هو أن جميع المفردات التي ذكرها واستشهد واستدل بها، لا تخرج عن دائرة ما هو خاص بعصر الظهور.. وقد تابعنا كلامه، وقد قلنا: إن العلامات المحتومة لم تكن محط كلامنا، وإنما كلامنا هو في الإخبارات الغيبية مطلقاً، أي سواءاً أكانت من العلامات أم من غيرها.

وقد قلنا: إنها لا تصلح لرسم خريطة للأحداث زماناً ومكاناً..

وقلنا أيضاً: إن المحتوم هو مجموعة علامات، لابد أن تحصل متقارنة، أو بالتتابع، فإذا بدأت استمرت، لتكون خير دليل على تعيين الإمام للناس، وقطع أي عذر لهم في أمره، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيي عن بينة..

ثانياً: إن التمثيل بنظام الخرز أو العقد لا يراد به الترتيب طولياً، بل المراد به بيان أن وقت الظهور قد أزف، وأن العلامات سوف يتلو بعضها بعضاً، فالتوالي قد لا يكون له أي دور جوهري، بحيث يكون للمتقدم خصوصية أوجبت تقدمه..

كما أن ذلك لا يمنع من تقارن بعض العلامات.

تكرار وإعادة:

ثم تحدث ذلك المعترض عن ثورة الموطئين للمهدي في إيران، وأنهم يحتلون فلسطين، وزعم أن السفياني هو الذي يخرجهم منها، مستنداً إلى رواية ذكرها نعيم بن حماد في كتاب: «الفتن» صفحة 71 و79..

ثم يتابع المعترض حديثه عن توجه السفياني إلى الحجاز، لإخماد الثورة المهدية، فيخسف به في البيداء..

ثم يقدم نصائحه بلزوم الانفتاح على أخبار العلامات قبل وقوعها، لكي لا تختلط علينا الأوراق، فنحسب ما ليس بعلامة علامة، كالذين آمنوا بمهدية عدد من الكذابين بسبب جهلهم بعلامات الظهور..

ونقول:

ألف: إن كتاب الفتن لابن حماد ليس من مصادر الشيعة، بل هو من مصادر أهل السنة، فلماذا يدخله في رسم هيكلية الأحداث من دون ضرورة تقتضي بذلك؟!

ب: إن كل شواهده ومرتكزات استدلاله هي العلامات التي هي من المحتوم، والدالة على شخص الإمام لتحديده..

ونحن إنما رفضنا السعي لرسم خارطة للأحداث، استناداً إلى غيرها من علامات وإخبارات غيبية، هي في معرض البداء.. ولم يكن حديثنا عن العلامات التي هي من المحتوم، ولا عن العلامات المشيرة إلى شخص الإمام عليه السلام..

ج: ليس هناك ما يدل بصورة تسمح بإطلاق دعوى أن الموطئين في إيران يحتلون فلسطين. ولا مجال للإستناد إلى ذوقيات، وتطبيقات اقتراحية، وإذا ما استند أحد إلى ذلك، فلا مبرر للقبول منه.

الأصهب.. والسفياني:

ثم إنه أورد رواية عن الإمام الصادق عليه السلام تقول: «لترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة، لا يعرف أي من أي»..([118]).

وعن الإمام الباقر عليه السلام: «لا يخرج القائم حتى يخرج قبله اثنتا عشرة من بني هاشم، كلهم يدعو إلى نفسه»..([119]).

وفي حديث عن الإمام الباقر عليه السلام، أنه قال لبريد: «اتق جمع الأصهب..

قلت: وما الأصهب؟

قال: الأبقع.

قلت: وما الأبقع؟

قال: الأبرص. واتق السفياني. واتق الشريدين من ولد فلان، يأتيان مكة، يقسمان بها الأموال، يتشبهان بالقائم، واتق الشاذ من ولد آل محمد»..([120]).

ثم قال المعترض: «كيف يمكن اتقاء جمع الأصهب، والسفياني، والشذاذ من آل محمد، وهم الذين يظهرون للناس تارة باسم السيد الحسني، أو الخراساني، وأخرى باسم شعيب بن صالح، وثالثة باسم اليماني، وبغير ذلك من علامات الظهور الأخرى المقدسة؟

وهل يمكن النجاة من السقوط في تيار رايات الضلال في آخر الزمان، من دون معرفة مسبقة بعلاماتها، وأوصافها، والظروف التاريخية لظهورها، كما تحدثنا أخبار العلامات؟!..

وكيف يمكننا أن نعرف الرايات الهاشمية المتسترة ببعض علامات الظهور المقدسة، ونفرق بينها وبين راية المهدي المنتظر، من دون أن نتعرف على جميع علاماته؟..

وكيف نميز رايات الضلال من رايات الهدى التي تخرج قبل ظهوره، إذا لم نستوعب أوصافها ودلائلها المذكورة في أخبار العلامات قبل تحققها..

وأخيراً، كيف نعرف دعاة المهدية المزيفين، ونفرق بينهم وبين المهدي الحق، إذا لم نطلع على العلامات الدالة على ظهوره، والمميزة له عن غيره، وندرسها، ونتحقق من صحيحها، وسقيمها، قبل وقوعها؟!».

ونقول:

إننا قد أجبنا على جميع هذه الأسئلة فيما سبق، ولكننا نعود فنذكر بما يلي:

أولاً: إن هذه الأسئلة ترجع في حقيقتها إلى سؤال واحد، قد صيغ بصياغات، ووضع في قوالب مختلفة الألفاظ، متوافقة في المآل.. كما يظهر للمتأمل، وقد كان يكفي سؤال واحد منها.. فلماذا هذا التكثير للأسئلة يا ترى؟!..

ثانياً: بالنسبة للروايتين اللتين نقلهما عن الإمام الصادق عليه السلام، حول الرايات المشتبهة، والرواية عن الإمام الباقر عليه السلام، حول الأبقع، والأصهب، والشريدين، فإنه لا بد من التأكد من صحة سندهما..

ثالثاً: إن اتقاء جمع الأصهب والسفياني لا يتوقف على رسم خارطة أحداث، فضلاً عن ادعاء حتمية حصولها، بل يكفي العلم بوجود روايات تحذر من الدخول معهما..

رابعاً: إنه يكفي في اتقاء جمع الأصهب أن يعطينا الإمام عليه السلام قاعدة عامة عن الرايات التي تدعي الإمامة بالإستقلال، وتدعو إلى نفسها، كأن يقول: «كل راية ترفع قبل قيام القائم، فصاحبها طاغوت»، أو نحو ذلك..

أو يكفي القول: إذا لم تسمعوا الصيحة من السماء، والخسف بالسفياني بالبيداء، فاعلموا أن كل من يدعي الإمامة، فهو كاذب.

خامساً: لماذا لم يبين الإمام عليه السلام مواصفات ما يطلقون عليه اسم «الموطئين للمهدي» بدقة، فإنه إذا عرَّف الناس عليها، وقال للناس: «هذه هي راية الحق، وكل ما عداها فهو من رايات الضلال..» كفاه ذلك..

سادساً: من الذي قال: إن الأصهب، والأبقع، والشريدين، والشذاذ من آل محمد، داخلون في جملة علامات الظهور المقدسة ـ على حد تعبيره ـ؟! فإن الروايات لا تدل على ذلك، بل تدل على أنه سوف يظهر أناس في طول الزمان، تكون لهم هذه الصفات.. فربما يظهرون بعد مئة سنة، وربما بعد مئتين، أو بعد ألف سنة.. من يدري؟!..

سابعاً: من الذي قال: إن هؤلاء الشذاذ سوف يظهرون باسم السيد الحسني تارة، والخراساني أخرى، وباسم شعيب بن صالح ثالثة، واليماني رابعة؟!..

ألا يعد ذلك من قبيل الاستحسانات والذوقيات التي لا تفيد في إثبات الحقيقة، أو هل دل على ذلك آية، أو رواية؟!

ثامناً: إنه قد وصف علامات الظهور بأنها مقدسة، فهل يزعم أن السفياني مقدس، وأن الشذاذ، والشريدين مقدسون، وأن.. وأن!!

تاسعاً: إن النجاة من السقوط في تيارات الضلال والاغترار بالرايات المزيفة، وتحديد راية الإمام المهدي، لا يتوقف على المعرفة بتفاصيل هذه الأحداث، وأوصافها، والظروف التاريخية لظهورها.. فإنه يمكن الالتزام بالعلامات المحتومة، وانتظارها، وينتهي الأمر..

عاشراً: إننا لم نمنع من التعرف على العلامات، وقراءة أخبارها، بل قلنا: إن تقديمها للناس على أساس أنها حتمية الوقوع، خطأ فاضح، وإساءة كبيرة، وتكذيب لقانون البداء الحاكم..

فإن هذا القانون جار، وهو يفرض نفسه، استناداً إلى أدلته القاطعة في الآيات والروايات. حتى لو لم يرد التصريح بوقوع البداء في الإخبارات الغيبية، فكيف مع وجود تصريح بأن هذه الأخبار مما يكون في معرض البداء..

فمن يدعي خروج مورد عن دائرة هذا القانون، فإن عليه أن يثبت ذلك بأدلة قاطعة، وبراهين ساطعة..

حادي عشر: أما السؤال عن كيفية التفريق بين الرايات الهاشمية المنحرفة، والمتسترة ببعض علامات الظهور (المقدسة: على حد تعبيره) وبين راية الإمام المهدي، فعدا عن أنه يتم بالالتزام بالعلامات المحتومة.. وبغير ذلك مما تقدم ولا يحتاج إلى ذلك الحشو الزائد، مما رواه أبو هريرة وأضرابه، وما رووه عن كعب الأحبار، وابن سلام، ووهب بن منبه، وغيرهم من مسلمة أهل الكتاب..

نعم، إنه عدا عن ذلك. فإن ما ذكره من تستر تلك الرايات ببعض علامات الظهور، لا يصح، ولا دليل عليه.. والموجود هو مجرد إخبارات عامة، عن أحداث آتية لم يثبت أنها من العلامات، إلا ما صرحت الروايات بعلاميته. وإنما صرح الأئمة بحدوثها، من أجل مصالح أخرى، منها حفظ إيمان الناس في مواضع الخطر، كما أوضحناه أكثر من مرة..

ثاني عشر: إن هذا المعترض يصر على لزوم التعرف على جميع علاماته عجل الله تعالى فرجه قبل ظهوره عليه السلام، ليمكن التفريق بين رايته عليه السلام، وراية غيره..

وقد قلنا: إنه لو كان هذا هو المقصود، فلا حاجة إلى جميع هذه الإخبارات الغيبية الكثيرة جداً، وقد كان يكفي اليسير منها لتحقيق هذا الغرض، وهي خصوص العلامات المحتومة، مع إعطاء قاعدة عامة تشمل جميع الحركات الأخرى كما أوضحناه مع العلم بأن غير المحتوم ليس من العلامات غالباً، وإن كانت بعض رواياته قد صرحت بأنه سوف يحدث في آخر الزمان، أو قرب ظهور قائمهم عليهم السلام، فإن ذلك ليس لأجل أنه علامة عليه عجل الله فرجه، بل لأجل تحديد وقت الحدث من جهة، وليسهم ذلك في الربط على القلوب، حتى لا ينساق الناس وراء الشبهات، ويضعفوا أمام مد الكفر والطغيان. من جهة أخرى..

ثالث عشر: إن هذا المعترض قد عاد واعترف بعين ما قلناه، حيث صرح بأن علينا أن ندرس العلامات المميزة له عن غيره، وندرس صحيحها من سقيمها..

ولكن اعترافه هذا، لا يكفي لحل الإشكال الوارد عليه، لأن ذلك لا يحتاج إلى البحث في جميع الإخبارات الغيبية، ولا إلى ادعاء حتميتها جميعها!!

ولا يتوقف على رسم خارطة من جميع تلك الإخبارات، وتقديمها للناس وكأنها وحي منزل، بحجة أن الناس يحتاجونها للتمييز بين الإمام الحق، والمدعي المزيف لمقام الإمامة..

الفصل الخامس
الإهتمام بالعلامات

سلبيات العلامات:

إن المعترض قد أوضح مقصودنا بقولنا: إن أخبار العلامات في ذاتها تنطوي على سلبيات، فقال:

«ويقصد بالجانب السلبي من أخبار العلامات، ما ذكره من اهتمام بعض الناس بها بشكل متزايد، يستبطن إهمال سائر مفردات، ومجالات التعامل مع القضية المهدوية، حتى أصبحت في عالم النسيان الخ..».

ولكنه عاد فنقض كلامه هذا، حين ادعى أننا نقول: إن ذات العلامات لها سلبياتها، فهو يقول:

«ونؤكد للقراء بكل ثقة واطمينان، ومن منطلق الوعي الفكري العميق لدور أخبار العلامات في الإسلام، والاستيعاب الكامل لنصوصها القرآنية والنبوية، أنها لا تنطوي (في ذاتها) على أي لون من السلبيات، ولا تدعو إلى أي شيء من الأفكار والممارسات المنحرفة، التي ذكرها العلامة العاملي، ووصف بها جماعة من المستغرقين في الاهتمام بها..».

ويقول أيضاً:

«أما السلبيات في الأفكار والممارسات التي سطرها في إطار الحديث عن سلبيات الانفتاح، والاهتمام المتزايد بعلامات الظهور، والتي ادعى أن الأئمة كانوا يدركونها، فإنها لم تنبع من ذات العلامات، بل هي نتيجة الفهم الخاطئ لجماعات من الأمة أساءت التعامل الصحيح، الخ..».

وأكد ذلك حين قال: «فمن الخطأ أن نحمل مفاهيم الإسلام ونصوصه، تلك الأفكار الخاطئة، والممارسات المنحرفة، الصادرة عن بعض الجماعات».

ونقول:

أولاً: لماذا أقحم كلمة «في ذاتها» أكثر من مرة في داخل كلامنا، مع أن هذه الكلمة لم ترد في كلامنا أصلاً، ومع أنه هو نفسه قد فسر مرادنا بما لا يتوافق مع إقحام هذه الكلمة، ولا يتوافق مع قوله: «لماذا نحمل مفاهيم الإسلام ونصوصه تلك الأفكار الخاطئة الخ..»؟!

فإننا لم نقل: إن أخبار العلامات تدعو إلى ذلك، ولا قلنا: إنها «في ذاتها» لها سلبيات..

ولم نقل: إن السلبيات تنبع من ذات العلامات، وقد اعترف هو نفسه بذلك، حين فسر كلامنا بما لا يتوافق مع هذه الكلمة..

ثانياً: إن الغريب في الأمر هو: أنه قد عاد ليعترف بما قلناه، وقال: إن جماعات من المهتمين بالعلامات قد أساؤوا التعامل الصحيح والواعي مع جميع مفردات القضية المهدوية، بما فيها قضية العلامات، وطريقة الاستفادة منها الخ.. وقد أطنب في بيان هذا الأمر، في أكثر من موقع ومقام، فراجع كلامه بطوله..

ثالثاً: إنه قد اعترض على كلامنا بقوله: «بل وجدنا من خلال تجربتنا التربوية والفكرية في دراسة القضية المهدوية: أن التعامل الساذج مع العلامات، فضلاً عن الواعي، والاهتمام المتزايد بها، تكون نتيجته على عكس ما يقول، حيث الارتباط العاطفي، الخ..».

نعم، لقد اعترض علينا بذلك، مع أنه هو الذي بيَّن للقارئ الكريم: أن مقصودنا هو التحرز عن التعامل السيء، والمغرض، والذي ينشأ عنه إهمال القضية الأساس.. وأما التعامل الساذج فلم يرد في كلامنا، كما لم نشر إلى التعامل الواعي بشيء أصلاً..

رابعاً: إن ما ذكرناه يرجع إلى أمرين:

أحدهما: أن هناك من يسيء الاستفادة من الإخبارات الغيبية، من قِبَل أصحاب الطموحات والأهواء، حيث إن ذلك سوف يستهويهم، فيبادرون إلى الوضع والاختلاق، لبعض الغيبيات، بهدف التأثير بها على الناس..

الثاني: إن هناك من انصرف عن أمر الإمام والإمامة، ليستغرق في الانشغال بالعلامات، وبالإخبارات الغيبية..

فلماذا خص الحديث عن الجانب الثاني، وأهمل الجانب الأول..

خامساً: إن حديثنا إنما هو عن الاستغراق في الإخبارات الغيبية وعن الإستغراق في العلامات، وعن سوء استفادة أهل الأهواء من ذلك، من حيث مبادرتهم إلى الوضع والاختلاق، وليس كلامنا في لزوم صرف النظر نهائياً عن العلامات، إلى حد عدم التعرض لمعرفتها، فإن ذلك لم نقله، ولم يخطر لنا على بال..

الاهتمام المتزايد بالعلامات:

ثم إن هذا المعترض لم يزل يتهمنا بأننا نقول: إن الاهتمام المتزايد بعلامات الظهور تنشأ عنه سلبيات..

مع أن ما قلناه هو: إن رسم خارطة للأحداث اعتماداً على الأخبار الغيبية، التي لا تدخل في دائرة ما هو محتوم من العلامات، غير ممكن، وإذا أمكن فإنه سوف لا يكون دقيقاً، مع حاكمية قانون البداء على جميع الإخبارات الغيبية..

فليس حديثنا عن علامات الظهور المحتومة، فإن الاهتمام بالعلامات المحتومة، والتعرف عليها، واستحضارها، هو في غاية الأهمية بلا شك، لأن دورها هام جداً في التعريف، والدلالة عليه عجل الله تعالى فرجه..

كما أننا إنما نتحدث عن درجة من الاهتمام بالعلامات، تصل إلى حد تجعل القضية الأساس، وهي قضية الإمام المهدي نفسه، قضية هامشية، وربما تقذف بها إلى عالم النسيان، ولم نتحدث عن أصل التعرف على مضامين أخبار العلامات..

مدى الدقة في عرض رأينا:

وقد قال هذا المعترض، حين وصل إلى الحديث عن المحتوم، وغير المحتوم، ما يلي:

«وقد تصور: أن طرح العلامات من قبل أهل البيت عليهم السلام، بهذه الطريقة سوف يقضي على معالمها قبل الوقوع. ويؤدي إلى عدم التطلع إليها، والارتباط بها قبل تحققها، ما دامت ـ حتى الحتمية منها ـ عرضة للتغيير، لأن أهل البيت ـ كما يدعي ـ لا يريدون ربط الناس بما سيقع، وإنما بما وقع. وهذا هو برأيه الحل الذي بادر لوضعه أهل البيت في إطار الإخبار عن العلامات، بهدف تطويق سلبياتها».

ثم يخلص من هذا كله إلى النتيجة التالية، فيقول: «فإن كل ما أخبرت به الروايات يصبح في معرض أن لا يتحقق ويكون، فلا مجال بعد لرسم خريطة للأحداث المستقبلية، ولا يصح صرف الجهد في التعرف على ما سيحدث الخ..».

ونقول:

إن لنا العديد من الملاحظات على طريقة عرضه لكلامنا، إذ:

1 ـ صحيح أننا قد قلنا: إنه لا يصح صرف الجهد في التعرف على ما سيحدث، ولكننا قد أوضحنا بما لا مزيد عليه: أن مرادنا من هذا التعبير هو الجهد الذي يصرف للتعرف على ما سيحدث بهدف تقديمها للناس على سبيل القطع والجزم بوقوع الحدث في المستقبل، فإن البداء يمنع من ذلك..

ولم نقل: إنه لا فائدة، أو لا يصح صرف الجهد في التعرف على أخبار العلامات، وعلى أخبار الأحداث المستقبلية، وفرق بين الإطلاع على الخبر، وبين التعرف على ما سيحدث جزماً وقطعاً استناداً إلى مضمون ذلك الخبر..

2 ـ إن حديثنا لم يكن عن العلامات المحتومة قطعاً، بل كان عن الإخبارات الغيبية عن المستقبل الشامل لما ليس من العلامات، ولما كان من العلامات غير المحتومة..

فلا معنى لأن ينسب إلينا: أن كلامنا هو عن أخبار العلامات بهدف تطويق سلبياتها..

3 ـ إننا لم نقل أبداً: إن طرح العلامات بهذه الطريقة يقضي على معالمها قبل وقوعها، فلماذا ينسب إلينا ما لم نقله؟!

4 ـ إننا لم نقل أيضاً: إن ذلك يؤدي إلى عدم التطلع إلى العلامات، وإلى عدم الارتباط بها قبل تحققها.. فلماذا ينسب إلينا ما لم نرده، ولم نقله؟!

ألا يعد ذلك من أساليب التشنيع والتحريض بما لم يكن، بلا مبرر ظاهر؟!..

5 ـ ثم إنه عاد ليتحدث عن أن السلبيات ذاتية للعلامات، مع أن كلامنا ظاهر في أننا نقصد السلبيات العارضة، بسبب سوء تعامل الناس معها. وهذا ما حاول أن يقرره هو بطريقة توحي للقارئ الكريم: أنه هو صاحب هذه الفكرة، ويصور له: أننا نتكلم في اتجاه آخر، وبأننا نقصد السلبيات الناشئة عن ذات العلامات.. فلماذا هذا الأسلوب في التعامل مع القضايا يا ترى؟!..

لماذا التقسيم إلى المحتوم، وغير المحتوم؟!:

وقال: «ليس الهدف من تقسيم العلامات حتمية وغير حتمية، هو تطويق سلبياتها المتصورة، والقضاء على معالمها قبل الوقوع. لكي لا يرتبط بها الإنسان المسلم قبل تحققها، ما دامت جميعها معرضة للتغيير والبداء، كما يدعي.

والواقع: أن العلامات الحتمية خاصة بمجتمع عصر الظهور المتصل بيوم الظهور، ولهذا لا ترى لها وجوداً بين مفردات العلامات الكثيرة، التي تتحقق في عصور الانتظار الطويلة السابقة على عصر الظهور..

وهي تستهدف إقامة الحجة على المجتمع البشري، وإنذاره بقرب يوم الخلاص العالمي، بالإضافة إلى إيقاظ الأمة الإسلامية من سباتها العميق، وغفوتها الطويلة، لإعدادها فكرياً وروحياً، وتعبئتها سياسياً وجهادياً لاستقبال قائدها المرتقب، لتشارك بقيادته في صنع مستقبل البشرية الزاهر، في ظل رسالة العدل الإلهي..

ولذا نعتقد: أن العلامات الحتمية لا يمكن أن يعتريها التغيير، ولا تكون موضعاً للبداء إطلاقاً. انسجاماً مع ما ذهب إليه أكثر فقهائنا»..

ونقول:

1 ـ حبذا لو أتحفنا بآلية تميز لنا عصر الظهور المتصل بيوم الظهور، عن عصور الانتظار الطويلة.. فهل عصر الظهور يبدأ من حين بدأ ظهور العلامات المحتومة؟! أم أنه يبدأ قبل ذلك؟!

وهل هو عصر طويل الأمد، أم قصيره؟!

وإذا كان قصيراً، فإلى أي حد؟ وإذا كان طويلاً، فإلى أي مدى؟!..

2 ـ قد ذكرت في جملة العلامات المحتومة علامة تقول: إن اختلاف بني العباس من المحتوم، ومن المعلوم أن أمر بني العباس قد انتهى قبل مئات السنين، فهل بدأ عصر الظهور من ذلك الوقت؟! أم أنه قد أخطأ حين قال: «إنه لا يرى وجوداً للعلامات المحتومة في عصور الانتظار»؟!

وأما دعوى: أنه ستعود دولة بني العباس في آخر الزمان. وأن هناك عباسي يخرج من العراق فلابد من اثبات صحة مثل هذه الأخبار، والإلتزام بعدم التسويق لما ورد في روايات العامة، وعدم الإرتكاز إليه أو الإعتماد عليه..

مع تسجيل ملاحظة هي: أن ثمة فرقاً بين ظهور عباسي، وبين اختلاف بني العباس.

3 ـ إن هذا المعترض لم يلتفت إلى الفرق بين البداء في المحتوم والبداء في الموقوف فإن البداء في الموقوف، جار على مقتضى السنن.. وهو متوقع الحصول، ما دام أن الخبر نفسه لا يتضمن سوى إخبار المعصومين عن وجود المقتضي، أما الشرائط والموانع فهي مسكوت عنها.. فيكفي في حصول البداء فيه أن لا يوجد الشرط، أو يوجد المانع..

وأما البداء في المحتوم، فهو وإن كان ممكناً، ولكنه يبقى احتمالاً بعيداً جداً، لأنه يأتي على خلاف السنة التي أجراها الله في الأشياء، لأن الأخبار في هذا القسم، إنما هو عن تمامية العلة، فهو لا يحصل إلا في صورة تبلور مصلحة عظمى، تفرض نقض تلك السنة، بتدخل إلهي مباشر، تماماً كما جرى في قضية ولادة النبي عيسى عليه السلام، من غير أب، وكما في جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم عليه وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام.

فإن هناك مصلحة عظمى، اقتضت التدخل الإلهي لنقض سنة التوالد البشري في عيسى ونقض السنة الجارية في أن تكون النار محرقة، بجعلها برداً وسلاماً على إبراهيم فبلحاظ حتمية جريان السنة، وعدم تأثير المخلوقات في نقضها صح التعبير عنه بأنه محتوم.

وبلحاظ عدم مصونيتها عن التدخل الإلهي مباشرة، إن اقتضى التدبير الأعظم ذلك، كما في قضية عيسى وإبراهيم..

جاء الخبر ليقول: إن المحتوم أيضاً يكون في معرض البداء.

فلماذا ساق هذا المعترض الكلام بنحو يوهم: أن كلا القسمين على طريقة واحدة، ونهج واحد.. وكأنه لا فرق بينهما؟!

4 ـ والأهم من ذلك: أنه حكم بعدم حصول البداء في المحتوم، استناداً إلى تلك الاستحسانات التي أشار إليها، مع وجود نص صريح على خلاف قوله هذا.. فهل تصلح الإستحسانات بديلاً عن النص، ومسوغاً لعدم الإلتفات إليه، حتى لو كان ضعيفاً سنداً؟!

مع أن ضعف سنده غير ظاهر، كما سنرى.. ومع أنه موافق للقانون العام الحاكم على جميع الإخبارات الغيبية، إلا ما كان البداء فيه موجباً لنقض صفات الربوبية أو منافياً لمقام ألوهيته تعالى..

5 ـ على أننا قد ذكرنا في السابق: أنه قد كان بإمكانه أن يقول: ـ كما قال العلامة المجلسي ـ إن البداء في المحتوم إنما يكون في خصوصياته.. أو في زمانه..

أو أن يقول: إن البداء لا يكون في سنخ العلامة، فتبقى العلامة سماوية مثلاً، ولكن شخصها هو الذي يتبدل ويكون فيه البداء..

6 ـ واللافت هنا: أنه قد نسب القول بعدم البداء في المحتوم إلى أكثر فقهائنا، مع أن المناسب هو أن يعتمد على رأي علماء الكلام، الذين هم أهل الاختصاص في قضايا العقيدة، لا على آراء الفقهاء!!..

كما أنه قد نسب ذلك إلى المفيد، والصدوق، والطوسي، من المتقدمين، وإلى النائيني، والخوئي من المتأخرين.. فأين هي آراء أكثر الفقهاء يا ترى؟!

وأين هي تصريحاتهم؟!

وهل يتعرض الفقهاء لأمثال هذه المسائل في بحوثهم الفقهية؟!..

حصر المحتوم في خمس علامات:

وقال هذا المعترض: إنه لا يوافقنا في حصرنا للمحتوم بخمس علامات، بل هو أكثر من خمس عشرة علامة..

ولا ندري من أين جاء بهذا الرأي لنا.. فإننا لم نصرح بهذا الانحصار بالخمس في كتابنا الذي يحاول تناول نصوصه بإثارة الشبهات حولها.

بل نحن قد ذكرنا فيه ست عشرة رواية صرحت بحتمية ما يقرب من خمس عشرة علامة هي:

1 ـ اختلاف بني العباس.

2 ـ السفياني.

3 ـ الصيحة (أو النداء باسم المهدي). والظاهر: أن هناك صيحتان. إحداهما هي هذه، والأخرى تكون من اشراط الساعة.

4 ـ اليماني.

5 ـ الدجال.

6 ـ نزول النبي عيسى عليه السلام.

7 ـ فزعة في شهر رمضان.

8 ـ خروج نار في عدن.

9 ـ ظهور كف في السماء.

10 ـ الدخان.

11 ـ الخسف بالمشرق.

12 ـ خسف بالجزيرة.

13 ـ خسف بالبيداء (مكان قرب المدينة).

14 ـ ظهور الشمس من المغرب.

15 ـ قتل النفس الزكية.

فمن أين جاء بهذا الرأي، ونسبه لنا، ثم ظهر له: أنه لا يوافقنا عليه؟!

ولكننا نقول له الآن:

إن الروايات في العلامات المحتومة.. على ثلاثة أقسام:

الأول: ما صرحت بأنه من علاماته عجل الله تعالى فرجه..

الثاني: ما قالت الرواية: إنه من المحتوم، من دون تصريح بأنه علامة له عليه السلام، أو من دون ذكر أي ربط لها به عجل الله تعالى فرجه..

الثالث: ما يكون بعد ظهوره عليه السلام، ولا ارتباط له به، بل هو من علامات قيام الساعة، مثل النار التي تخرج من عدن، تسوق النار إلى المحشر ومثل طلوع الشمس من مغربها.

يمكن رسم خارطة!!

وقال هذا المعترض: إنه إذا كان البداء لا يقع في العلامات المحتومة، فيمكن رسم خارطة سياسية، تحدد للأمة معالم حركة الظهور في ضوئها..

ونقول:

أولاً: إنه يظهر من كلامه: أن المانع من رسم الخارطة للأحداث هو البداء في العلامات المحتومة.. مع أن البداء فيها لا يمنع من ذلك، إذا كان المقصود هو التأكيد على ما هو مقتضى السنن الإلهية، التي لا يزيلها إلا التدخل الإلهي المباشر..

ثانياً: إنه يدَّعي إمكانية رسم خارطة سياسية للأمة بالاعتماد على ما هو محتوم من العلامات..

مع أنه يقول: إن من هذه العلامات إختلاف بني العباس..

ومن المعلوم: أن هذا أمر قد مضى، وانقضى.

وحتى لو احتملنا: أن تعود لنبي العباس دولة في آخر الزمان وقوينا هذا الإحتمال لبعض مرويات أهل السنة، ولم نقل: إنه إنما يخرج عباسي واحد فلا معنى لتطبيق عبارة اختلاف بني العباس، عليه فإن ذلك يبقى في دائرة الظن والاحتمال الذي لا يسمح برسم خارطة سياسية قابلة للاعتماد خصوصاً، إذا كان يريد أن يستفيد ذلك من روايات أهل السنة، مع ما فيها من خبط وتخليط واعتماد على مسلمة أهل الكتاب وغير ذلك.

ثالثاً: إن من العلامات المحتومة ما هو صنع إلهي ابتدائي ومباشر، ليس للبشر فيه حيلة، مثل الصيحة، والدخان، والخسف، وظهور كف في القمر، وطلوع الشمس من المغرب (لو سلم أنها علامة)، والفزعة في شهر رمضان، ونزول النبي عيسى عليه السلام، بالإضافة إلى خروج نار في عدن تسوق الناس إلى المحشر.. (لو سلم أن هذا من العلامات أيضاً).

ولا يفيد كثيراً معرفة المتقدم والمتأخر منها في تعريف الناس بالإمام عليه السلام، بل المفيد هو نفس حصول العلامة..

وتبقى أمور يسيرة جداً، قد لا تصل إلى عدد أصابع اليد الواحدة، لن يكون الجهل بما تقدم وتأخر منها بالذي يضر بأمر الإعداد والاستعداد، ولا بأمر التعريف بشخص صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه الشريف..

ولن يكون أيضاً تحديد وتمييز المتقدم من المتأخر، في العلامات المحتومة، بالذي يصلح أن يقال: إنه رسم خارطة سياسية، تحدد للأمة معالم حركة الظهور.. وليس هو بالإنجاز الهائل والعظيم، الذي يستحق كل هذا الجهد، ولا ترك الأمور على طبيعتها، يعدّ تضييعا لأمر خطير، يستحق كل هذا العجيج والضجيج.

رابعاً: قد ذكرنا، وذكَّرنا: بأن موضع كلامنا ليس هو العلامات المحتومة.. وإنما العلامات الموقوفة، منضمة إلى سائر الأخبار الغيبية، وأخبار الملاحم..

فما باله ينقل الكلام إلى ما كان من المحتوم.. ويثيره بطريقة توحي للقارئ، بأن هذا هو موضع الكلام، ومحل النقض والإبرام؟!

الإشكال مشترك الورود:

والغريب في الأمر: أن هذا المعترض يشن حملة شعواء على من يعتمد على العلامات في غثها وسمينها، وصحيحها، وسقيمها..

مع أن هذا هو نفس السبيل الذي سلكه هو في كتاباته عن موضوع المهدية والعلامات، والإخبارات الغيبية، فاعتمد بصورة ظاهرة وواسعة على ما هو ضعيف سنداً، أو ما ليس له سند أصلاً، وعلى روايات أهل السنة بصورة ظاهرة وقوية.. فكيف جرَّت باؤه، وعجزت باء غيره ممن ساروا في نفس طريقه عن أن تجرّ؟!..

وعلينا أن نلفت نظر القارئ الكريم إلى أننا رغم عدم غفلتنا عن هذا الأمر في دراستنا تلك، وقد صرحنا بأنه هو محط نظرنا، وما حذرنا منه بقوة وبإصرار..

ولكنه يشن هذه الحملة، ويسوق الكلام بطريقة قد توحي للقارئ بأن ما قلناه لا يلتقي مع هذا الأمر، بل هو يخالفه ويناقضه.. فيا سبحان الله!!..

 

الفصل السادس
الإسلام.. والمستقبل..

استكناه المستقبل بدقة متناهية:

ويقول هذا المعترض:

«إن إمكانية استطلاع المستقبل المجهول للإنسانية، ومحاولة التعرف على أبرز معالمه الفكرية، وخصائصه الاجتماعية، وصراعاته السياسية، ومكوناته الحضارية، بدقة متناهية، أمر تفردت به رسالة الإسلام وحدها»..

ونقول:

أولاً: إن كان يقصد بإمكانية استطلاع المستقبل، هو أنه لو أراد أهل البيت عليهم السلام أن يخبروا ـ بحسب ما أعطاهم الله تعالى ـ عن كل شيء يجري في المستقبل لأمكنهم ذلك، فهو كلام صحيح، لا غبار عليه..

وأما لو أراد أن يقول: إن ما بين أيدينا من كلامهم عليهم السلام يمكِّننا من معرفة كل ذلك الذي ذكره، بدقة متناهية، فذلك غير ممكن أصلاً..

لا سيما مع ضعف أكثر الروايات.

ومع كون غالبها منقولاً عن غير أهل البيت.

ومع إمكانية وقوع البداء فيها..

ومع التصريح بعدد يسير جداً من المحتوم منها، حسبما تقدم..

ولكن قد تتيسر معرفة أمور محدودة جداً في بعض حقول التاريخ، ولكن ذلك لا يتناسب مع هذه الدعوى العريضة، التي يطلقها هذا المعترض!!..

ثانياً: إنه إذا كان كلامه خاصاً بالعلامات المحتومة، فإن ما كان اجتماعياً، وسياسياً منها، محدود ببضع علامات، لا تصل إلى عدد أصابع اليد الواحدة كما صرح به هو نفسه قبل صفحة واحدة فقط، فكيف يمكن إطلاق هذه الدعوى الكبيرة، والشاملة للدهور والعصور؟!

وكيف وهو يخص المحتوم بخصوص عصر الظهور، ولا يعممه لعصور الانتظار الطويلة؟!..

ثالثاً: إن اليهودية والمسيحية تدعي أيضاً: أن لديها ما يسمح لها بترسيم أحداث المستقبل، والتنبؤ بما يكون فيه، وفي التوراة المتداولة، من ذلك الشيء الكثير من هذه الإخبارات، فضلاً عما عداها من كتب اليهود، وللمسيحيين ايضاً دعاوى عريضة في هذا المجال، خصوصاً مع اعتمادهم في ذلك على ما عند اليهود أيضاً..

بل إن ما جاء به نوستردامس، إنما هو في سياق التأكيد على امتلاك المسيحية لمثل هذه المعارف. وقد اعترف المعترض نفسه بذلك..

الجهل بالمستقبل ينافي قيمومية الإسلام:

ثم هو يتابع استدلاله على لزوم المعرفة بكل أحداث المستقبل فيقول:

«إن وضع الدين القيم، والمهيمن على الأديان كلها في ساحة الجهل بأحداث المستقبل، وعدم القدرة على استطلاعها، والتعرف عليها قبل تحققها، بحجة أن أهل البيت يريدون لأتباع هذا الدين الارتباط بما وقع، دون الالتفات إلى ما سيقع، هو لون من التصورات الاجتهادية الخاطئة، لعدم انسجامها مع قيمومة الإسلام على الأديان كلها، وعدم تطابقها مع طريقته في إلقاء الحجة على أعدائه، قبل أن ينتهي بهم الكفر والانحراف عن مبادئه إلى الطريق المسدود، فحينئذ يصبح دين نوستردامس في تنبؤاته عن مستقبل الحضارة البشرية، في صراعاتها السياسية ومعاركها الجوية والبحرية، هو الدين القيم، المهيمن على الأديان كلها، في طريق إلقاء الحجة على المجتمع البشري الخ..»..

ونقول:

أولاً: إن من الواضح: أنه ليس من مهمات الدين إخبار الناس بأحداث المستقبل، بل مهمته هي تربيتهم، وتعليمهم، وهدايتهم، ودلالتهم على ما فيه نجاتهم، وسعادتهم في الدارين..

وأما أحداث المستقبل، فقد فرضت الحاجة والمستجدات العملية، التعرض لها ولولا ذلك لأمكن الإستغناء عنها..

ثانياً: إننا لم نضع الدين في دائرة الجهل بأحداث المستقبل، بل قلنا: إنه لا مجال للاستفادة من الأخبار في رسم خارطة يقينية لأحداث المستقبل، وليس في هذا أي إشارة إلى الجهل، أو العلم بالمستقبل..

ثالثاً: إن قيمومة هذا الدين وهيمنته على الأديان كلها، إنما هو بالحجة القاهرة، والمعجزة الظاهرة.. وقد يحتاج إلى الإخبارات الصادقة، ـ ولو لمرات يسيرة ومحدودة ـ تثبت أنه على اطلاع على الغيب.. وقد لا يحتاج إلى ذلك أصلاً..

ولو صح كلام هذا المعترض لكان علينا أن نطلب من الإسلام باستمرار أن يحدد لنا معالم الأحداث في كل عصر، وبدون ذلك فإننا نكون معذورين إذا لم نؤمن به..

رابعاً: إن ما جاء به نوستردامس يبقى مجرد تكهنات، لا توجب أية هيمنة أو قيمومة، ولا تثبت بها حجة إلا بعد وقوع الأحداث المدّعاة..

فمع كونها في دائرة المكذوبات، فلا خوف منها..

لكننا نخاف من هؤلاء المدَّعين للقطع واليقين بوقوع العلامات الموقوفة، والإخبارات الغيبية التي هي في معرض البداء، نخاف منهم أن يتسببوا بأن يفقد الناس ثقتهم بهذا الدين، وأن يوجب ذلك ردتهم عنه..

وأن يقدموا بعملهم هذا للنصارى ولليهود مفردات تعينهم على تشبثهم بأديانهم، وعلى تشكيك الناس بالإسلام، حينما يقدمون لهم هذه الإخبارات على أساس أنها مما لا بد من وقوعه، ثم تظهر الوقائع: خلاف ذلك، لأنها تعرضت للبداء.. فلم تقع.. فيحتجون على ضعفاء الإيمان بأن دينكم مجرد خرافات وأكاذيب، ويقولون لهم: إن علماءكم يكذبون عليكم..

ويؤكد هذه الخشية، ويزيد من هذا البلبال: أننا نرى أكثر هؤلاء المهتمين بالعلامات كحاطب ليل، لا يفرقون بين الصحيح والسقيم، والمريض من السليم..

فيأخذون بما رواه العامة، ولعل الكثير منه مأخوذ من مسلمة أهل الكتاب، أو من توراتهم، ويعرضونه على أنه من المسلمات، فكيف إذا عطفوا عليه ما رواه الخوارج، وغيرهم من الفرق!!

ونحن وإن كنا لا نمانع من الأخذ من كتب السنة، ما نحتاج إليه في إحقاق الحق، وإبطال الباطل، ولكن لا حاجة إلى الأخذ منهم أموراً لم يتعرض لها أئمتنا عليهم السلام، إذ لا شك في أنها ستكون موضع ريب وشك كبير، ولسنا بحاجة إلى خلط حقنا بباطل الآخرين، وصحيحنا بسقيمهم، خصوصاً بعد أن أخبرنا الأئمة عليهم السلام أن ما لا يخرج من بيتهم فهو زخرف وباطل، وقالوا لنا ليشرِّق الناس وليغرِّبوا، فوالله لن يجدوا علماً صحيحاً إلا عندهم صلوات الله وسلامه عليهم..

خامساً: قال هذا المعترض: إن الأمر ينتهي بأهل الكفر والانحراف إلى الطريق المسدود، إذا لم تقدم لهم إخبارات غيبية..

ونقول: لا ندري ما هو المبرر لإطلاق هذا الكلام!!

أليس في القرآن، وفي الأدلة العقلية، وفي معجزات رسول الله، وفي غير ذلك أدلة ظاهرة، تدل على فساد قولهم، وتظهر انحرافهم، وخطأهم وأليس في ذلك ما يكفي لإقامة الحجة عليهم؟!

وهل جميع من آمن بالإسلام ودخل في هذا الدين وترك الشرك والكفر اعتمد في ذلك على الإخبارات الغيبية؟!

ولماذا وكيف يتوقف الأمر على الإخبارات الغيبية؟..

سادساً: لو سلمنا أن الأمر قد توقف على ذلك، ألا يكفي في حل المشكل: أن يتحقق في بعض العصور بعض ما جاءت الأخبار به، في مورد، أو في موارد يسيرة، لإثبات صحة دين الإسلام لهم، وفساد ما عداه؟!..

أم أنه لا بد من الإخبارات الغيبية في كل عصر وكل مصر كان فيه كافر أو مشرك؟!

وهل الواقع الخارجي متطابق مع هذه النظرية؟!

وهل الكافرون الآن معذورون في كفرهم لعدم وجود إخبارات غيبية تتحقق أمامهم؟!

ثم إنه هو نفسه قد ادعى:

أن كلامه إنما هو في المحتوم، فما هو وجه الحاجة إلى الأخذ من الموقوف، ومن غيره مما يكون فيه البداء، من أخبار الغيب، إلى حد رسم خارطة دقيقة للأحداث السياسية، والظواهر الاجتماعية؟!

خطورة معالجة السلبيات:

وقد نسب إلينا هذا المعترض: أننا عالجنا الانحراف الناتج عن الاهتمام المتزايد بالقضية المهدوية، وبمتابعة علاماتها بالخصوص، بأسلوب التأكيد على خطورة الانفتاح على علامات الظهور، بحجة أن أهل البيت يريدون منا أن نستفيد مما وقع..

ثم اعتبره علاجاً خاطئاً، مخالفاً للنصوص الكثيرة عنهم عليهم السلام، حول ضرورة معرفة العلامات قبل وقوعها..

وقال: «ولا شك أن هذا العلاج يدعو إلى تجهيل الأمة بعلامات الظهور وتجهيلها بكل ما يحيط بها، من أحداث العلامات السلبية والإيجابية، التي تتحقق على أرض الواقع، فيكون أكثر خطراً، وأشد انحرافاً من الفكر التخديري المتستر بالقضية المهدوية، لأن الفكر التخديري يستخدم مفاهيم خاطئة باسم القضية المهدوية، وهي غالباً لا تنطلي إلا على البسطاء والسذج من الأمة، على العكس تماماً من أصحاب رايات الضلال المنتحلين لصفات بعض الشخصيات المقدسة المذكورة في علامات الظهور، كاليماني، وشعيب بن صالح، والخراساني، وغيرهم..

فالذين يتأثرون بهؤلاء، ويتورطون في الانسياق وراءهم، أكثرهم من المؤمنين الواعين، لكن جهلهم بالعلامات الحقيقية الخاصة بالشخصيات المقدسة، التي تظهر قبل المهدي عليه السلام، هو الذي يوقعهم في هذا الانحراف الخطير، والضلال الكبير»..

ثم ذكر أن العلاج الصحيح هو الثقافة المهدوية الصحيحة، والأصيلة..

ثم عاد ليؤكد على ضرورة دراسة العلامات، والتعرف عليها قبل تحققها، وقبل أن تتورط الأمة بفتنها..

ونقول:

إننا نلاحظ ما يلي:

1 ـ إننا لا نريد أن نعطي لأنفسنا الحق بأن نقول: «ههنا بيت القصيد». ولا نريد أن نتهم هذا المعترض بأنه يريد أن يبرئ نفسه من الاتهام الذي اعترف هو بصحته في بعض جوانبه، وهو أن كثيرين من المنشغلين بقضية الأخبار الغيبية قد أساؤا فهمها، أو التعاطي معها، أو أنهم كانت لهم نوايا غير سليمة تجاهها..

2 ـ إننا لم نقل: إن الانحراف ناتج عن الاهتمام المتزايد بالقضية المهدوية، ومتابعة علاماتها بالخصوص..

بل قلنا: إن الاستغراق في أخبار الغيب، وأخبار العلامات غير الحتمية أيضاً على حساب القضية الأساس ـ لمجرد استخراج خريطة أحداث سياسية، وعسكرية، وغيرها.. لتقديمها للناس على أنها أحداث قطعية، ولابد من وقوعها، أمر غير ممكن، وغير صحيح؛ لأن أهل البيت عليهم السلام يريدون منا أن نستفيد منها بعد وقوعها، لتثبيت اليقين بحقانية هذا الدين، أو تعريفنا بالإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، أو غير ذلك..

وبعبارة أخرى: إننا رغم تصريحنا بأنه لا يصح إهمال القضية الأساس، من أجل هدف كهذا ولكننا نجد هذا المعترض ينسب إلينا عكس ما قلناه تماماً.. فما هو السبب في ذلك يا ترى؟!!.

ومن جهة أخرى: إننا لم نقل: إن متابعة العلامات هو المرفوض، بل قلنا: استخراج جدول وخريطة للأحداث يكون قطعياً، أمر غير ممكن، بسبب البداء في الموقوف..

فلماذا ينسب إلينا ما لم نقله..

علماً بأن هذا لا يتنافى مع تأكيدنا على لزوم معرفة العلامات، وعلىضرورة الاهتمام بأخبار الغيبيات، ودراستها من مختلف الجوانب فان هذا أمر هام ومطلوب، باستثناء الجانب الذي ذكرناه..

3 ـ إننا إذا كنا لم نقل: إنه لا حاجة إلى معرفة العلامات قبل وقوعها، ولم ندع إلى تجهيل الأمة بها، فلا يصح أن يقول لنا هذا المعترض: إن الأئمة قرروا أن معرفتها لازمة وضرورية..

إذ إننا نقول بنفس قولهم عليهم السلام، وهو أن معرفتها لازمة، ونقول: إنه لا يمكن رسم الأحداث بطريقة توحي بلابدية حدوثها، وقد صرحنا أيضاً بأن حديثنا لا يشمل العلامات المحتومة..

4 ـ قوله: إن الذين يتورطون في الانسياق وراء المتسترين بالشخصيات المقدسة، كاليماني، و.. هم المؤمنون الواعون.. لا يصح.. فإن المؤمن الواعي يطَّلع على العلامات المحتومة، وينتظر ويراقب حدوثها.. والساذج البسيط هو الذي يتورط في الانسياق وراء المزيفين..

5 ـ قد قلنا: إن التعرف على العلامات والأخبار الغيبية شيء، والجزم بحدوثها شيء آخر، ونحن ننكر هذا الثاني دون الأول..

كما أن التعرف على العلامات شيء, ورسم خريطة زمانية ومكانية للأحداث شيء آخر.. وهذا هو ما ننكره على هؤلاء.. كما قلنا..

الأبدال في الشام، والنجباء في مصر:

وقد أشار في سياق اعتراضاته على ما قلناه إلى ما اعتبره من ثقافة علامات الظهور، وما ورد فيها من ذكر لحركة الأبدال المجاهدة في الشام، والنجباء في مصر و.. و..

ونقول:

1 ـ إن أمثال هذه الأحاديث أيضاً إنما هي من المجعولات الواردة في كتب أهل السنة، وقد أشرنا في كتابنا: «مختصر مفيد ج6 ص69/72» إلى أن حديث الأبدال لم يرو عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، بأسانيد شيعية معروفة.. ولم أجد إلا حديثاً في غيبة الشيخ الطوسي، مروي وهو عن مجهول، في مجهول، في مجهول..

وأما ما روي في الاختصاص، وفي دلائل الإمامة، فهما بأسانيد سنية لا شيعية..

2 ـ يضاف إلى ذلك ما روي في كتاب الاحتجاج، من أن الأبدال هم الأئمة عليهم السلام دون سواهم..

ولعل لبني أمية يداً في وضع أمثال هذه الأحاديث.. ولعل.. ولعل..

رفض البداء في المحتوم:

ثم عاد هذا المعترض ليؤكد على رفضه للبداء في المحتوم، ويستدل بما يلي:

1 ـ إن رواية داود بن أبي القاسم التي صرحت بالبداء بالمحتوم، «ضعيفة السند»، فلا يعول عليها..

2 ـ لا يوجد نص معتبر يؤيد مضمون تلك الرواية..

3 ـ إن جمعاً من الفقهاء يقولون: إن المحتوم ليس فيه بداء، وذكر منهم الشيخ المفيد، والصدوق، والطوسي، والنائيني، والخوئي..

4 ـ إنه استقرأ جميع العلامات المحتومة، فوجد: أن كل واحدة منها وردت بشأنها نصوص قرآنية، مفسرة من أهل البيت عليهم السلام بها، فإذا قلنا بالبداء فيها نكون قد أجزنا القول بوقوع النسخ في القرآن بعد عصر النبوة..

5 ـ ثم ذكر أن العلامات الحتمية هي من أهم علامات الظهور، وذكر وجوهاً لهذه الأهمية.

منها: أنها كلها تقع في عصر الظهور، أي قريبة جداً من تاريخه، وأكثرها تتحقق في نفس السنة..

ومنها: أن نجاح المخطط الإلهي لليوم الموعود يتوقف على وقوع العلامات الحتمية، إذ بدون ذلك ينسف مفهوم الانتظار المتقوم بها الخ..

ومنها: أن هناك ترابطاً موضوعياً بينها، بحيث تكون العلامة الأولى علة لوقوع الثانية التي بعدها، والثانية علة للثالثة، وهكذا..

فلولا دولة الخراساني التي تهدد أمن إسرائيل، وتشكل خطراً على مصالح الاستكبار العالمي، لم تتحقق طرحة (كذا) السفياني، التي تمثل آخر مشروع سياسي للغرب، ضد تحرك أصحاب الرايات السود وأنصارهم في العالم نحو تحرير فلسطين..

ولو لم تقتل النفس الزكية، لم يقع النداء، ولولا النداء لم يقع الخسف بالبيداء، وهكذا الكلام في بقية العلامات..

ونقول:

أولاً: بالنسبة لرواية داود بن القاسم، نقول: إن منشأ حكمه بضعف سندها هو أنه لم يستطع أن يعرف بعض رجال السند، إذ هي من رواية:

محمد بن همام، عن محمد بن أحمد بن عبد الله الخالنجي، عن داود بن القاسم.

والخالنجي لم يرد في كتب الرجال.. والظاهر هو أن ثمة تصحيفاً، أو خطأ في كتابة الكلمة، وما أكثر ما يقع ذلك في الأسانيد وغيرها.. ونرجح أن يكون المراد هو: محمد بن أحمد بن عبد الله بن مهران، بن خانبه الكرخي. فأخطأ الكاتب، بسبب ضعفه في الكتابة، أوبسبب طمس بعض حروف الكلمة. فصارت عنده الخالنجي..

وبذلك يكون السند صحيحاً، لوثاقة جميع رجاله..

وننبّه القارئ إلى أن الصحيح هو: داود بن القاسم، بحذف كلمة (أبي)، كما يعلم بالمراجعة..

ثانياً: لنفترض أن سند الرواية ضعيف، بل لنفترض: أن هذه الرواية غير موجودة من الأساس، فإن قانون البداء ثابت في عقيدة الشيعة، ومنكره مكذب لما ثبت في القرآن والحديث..

ومورد البداء وأساسه، هو الأخبار الغيبية، التي هي محل كلامنا..

وأي استثناء من هذا القانون يحتاج إلى دليل قاطع..

والتعميم للمحتوم ولغيره، وفقاً للبيان الذي ذكرناه لا ينافي حتميته، لأن المراد بالحتمية هو أن يكون المورد من جملة المفردات الثابتة بحسب السنة الإلهية الجارية.. فإن نفس جريان السنة بوقوع ما هو تام العلة لا يتغير عما هو عليه إلا بتدخل إلهي، مباشر يكفي في وصفه بالمحتوم، حتى لو كان خاضعاً لقانون البداء، حسب البيان الذي قدمناه..

وبذلك يتضح: أن قوله: لا يوجد نص معتبر يؤيد مضمون هذه الرواية، غير دقيق..

ثالثاً: إن ذهاب جمع من الفقهاء ـ على حد تعبيره ـ وهم الخمسة الذين ذكرهم، إلى القول بعدم البداء في المحتوم، قد يكون سببه ـ لو صحت النسبة إليهم ـ هو عدم التنبه لوجود الرواية، أو لشبهة حصلت لهم، بسبب التعبير بكلمة المحتوم، وحيث تخيلوا المنافاة بين الحتمية، وبين البداء..

ومع ذلك فهم معذورون فيما قالوه.. لكن لا يعذر من بُيِّنت له الحيثيات والدلائل، وأزيحت له الشبهة، في إصراره على المخالفة، وطرح الرواية، وطرح قانون البداء بلا مبرر ظاهر..

رابعاً: لنفترض: أن الرواية ضعيفة سنداً، فإنه لا يحق للمعترض طرحها، والحكم ببطلان مضمونها، استناداً إلى استحسانات وذوقيات.. فإن هذا هو ما ورد النهي عنه، في رواية أبي عبيدة الحذاء، عن الإمام أبي جعفر عليه السلام حيث قال له صلوات الله وسلامه عليه:

«والله، إن أحب أصحابي إلي: أورعهم، وأفقههم، وأكتمهم لحديثنا. وإن أسوأهم عندي حالاً، وأمقتهم، للذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا، ويروى عنا، فلم يقبله، اشمأز منه، وجحده، وكفَّر من دان به، وهو لا يدري، لعل الحديث من عندنا خرج، وإلينا أسند، فيكون بذلك خارجاً عن ولايتنا»([121]).

خامساً: إذا كان هذا المعترض يلتزم بقانون الرد والقبول، استناداً إلى قانون تصحيح، وتضعيف الروايات، فما عليه إلا أن يتخلى عن كل مشاريعه، وأن يختزل جميع مؤلفاته في قضايا المهدية والعلامات في وريقات معدودة، قد لا تصل إلى عدد أصابع اليدين.. إلا بشق الأنفس..

وذلك لأن معظم ما جاء به فيها مبني على روايات ضعيفة، كما أن شطراً عظيماً منها مأخوذ من كتب أهل السنة، الذين لا مبرر للأخذ منهم في أمور يكثر الكذب والوضع فيها.. مع عدم وجود مبرر للتعدي عما اقتصر عليه أهل البيت عليهم السلام، ومع عدم وجود قضية احتجاجية، يفرض البحث الاستناد فيها إلى اعترافاتهم ورواياتهم، بهدف إلزامهم بها..

بل إنه حتى وهو يعترض على ما قلناه، فإن معظم ما استند إليه هو روايات أهل السنة، وروايات ضعيفة أخرى. ولم يستند إلى صحيح الروايات إلا في أقل القليل، لعله لا يصل إلى عدد أصابع اليد الواحدة..

سادساً: إن قوله: إن المحتوم من العلامات يزيد على خمس عشرة علامة، هو الآخر لا مجال للأخذ به، إذا كان المعيار هو صحة السند، إذ لا مجال لتصحيح رواياته في بعض تلك العلامات..

سابعاً: قد ادعى أن جميع العلامات المحتومة، لها ما يؤيدها من الآيات، المفسرة بروايات عن الأئمة عليهم السلام..

ونحن نطالبه بتزويدنا بشواهد على ما ادعاه في جميع العلامات المحتومة، وبتحديد تلك الآيات، وإيراد رواياتها.

لننظر في مصادرها: هل هي سنية، أم شيعية؟!

وفي أسانيدها: أصحيحة هي، أم ضعيفة؟!

وفي دلالتها: أهي ظاهرة فيما يدَّعيه، أم غير ظاهرة؟!..

ثامناً: لنفترض: أن الرواية قد دلت على أن الآية تشير أيضاً إلى العلامات المحتومة.. فإن ذلك لا يلزم منه النسخ في القرآن!! بعد عصر النبوة!!.. وذلك لما يلي:

أ ـ إنه لو فرض أنه قد ثبت بصورة قاطعة: أن الآية ناظرة إلى خصوص هذه العلامة أو تلك، فلا بد من أن يثبت أيضاً: أن دلالتها على ذلك بنحو النص، أو الظهور في شخص تلك العلامة..

وهذا ما لم يظهر لنا إلا بعد إيراده للشواهد التي يتحدث عنها، ولنفترض: أنها نص في ذلك أو ظاهرة فيه فإنه قد يكون الإمام بصدد بيان انطباق الآية على المورد، وليس بصدد تحديد مضمون الآية، وحصره في العلامة..

ب ـ ولو سلمنا: أنه عليه السلام بصدد تحديد مضمون الآية فعلاً، فإننا نقول: إن إشارة الآية إلى تحقق العلة التامة للعلامة التي هي من المحتوم، والخاضعة لقانون البداء لا يلزم منه النسخ، فإن تمام ما أخبر القرآن به، هو علة تامة خاضعة للبداء، فلو تغير شيء من ذلك، بأن أصبحت غير خاضعة للبداء، فإن ذلك لا يكون هو مورد الآية، بل يكون أمراً آخر مخالفاً لمفادها..

وهذا معناه: أن حصول البداء مؤكد لمضمون الآية الشريفة، وليس ناسخاً لها.

تاسعاً: ما ذكره من أن مفهوم الانتظار متقوم بالعلامات.. غير صحيح، بل هو متقوِّم بالاعتقاد بالإمامة، والاعتقاد بالإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف وبصدق إخبارات النبي صلى الله عليه وآله، والأئمة الطاهرين عن غيبته، وهذا الاعتقاد مستند إلى الأدلة القاطعة من العقل والنقل..

أما العلامات المحتومة، فمهمتها هي الدلالة عليه، كما أن دور الإخبارات الغيبية مما عدا المحتوم هو حفظ يقين الناس بدينهم، حسبما أسلفناه..

عاشراً: ما ذكره من وجود ترابط بين العلامات وأن بعضها متوقف على البعض الآخر، يبقى مجرد تخرص، ورجم بالغيب، إلا ما دل الدليل النقلي على أنه إنما يقع بعد وقوع شيء منها بعينه قبله..

حادي عشر: بالنسبة لما ألمح إليه هذا المعترض، من أن الخراساني هو الذي يهدد إسرائيل، ومصالح الاستكبار العالمي.

وأن السفياني هو آخر مشروع للغرب.

وأن أصحاب الرايات السود يتحركون نحو تحرير فلسطين..

هو الآخر مما يستند إلى استحسانات وذوقيات، وإن وجدت إشارة ظنية ولو من بعيد إلى شيء من ذلك فإنما هي روايات من الموقوف، إما ضعيفة السند، وإما من مرويات أهل السنة التي لا تصلح للإعتماد.. فراجع تجد صحة ما ذكرناه..

والحمد لله، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين..

كلمة أخيرة:

وبعد..

فإنه برغم أن هذا المعترض قد ألجأنا إلى تكرار العديد من توضيحاتنا، من حيث إنه لم يزل يكرر دعاواه، مرة بعد أخرى، فإن هذه التوضيحات لم تخل من بعض الفوائد، والعوائد، التي اقتضت هذه المناسبة بيانها، والتذكير بها..

ولكن ما نود التأكيد عليه هو:

أننا رغم شعورنا بالضيق في البداية، لما اعتبرناه هدراً للطاقة، وللوقت، وللجهد، ولكن راودنا شعور آخر بأنه لا ضير في إعادة التأكيد على عدد من الحقائق، تحصيناً للناس عن الاستسلام لحسن الظن، وعن الوقوع في براثن الغفلة، فرب ضارة نافعة وعسى أن تكرهوا شيئاً، وهو خير لكم.

والله هو العالم، الحكيم، البصير، وهو الموفق للخير وللهدى، والمسدد للصلاح، وللفلاح، وهو ولي المؤمنين الصالحين.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..

جعفر مرتضى الحسيني العاملي

عيثا الجبل (عيثا الزط سابقاً)

27 جمادى الثانية 1424 هجري الموافق 26 آب 2003 ميلادي

 

 

الفهارس

1 ـ المصادر والمراجع

2 ـ الفهرس التفصيلي

1 ـ المصادر والمراجع
ـ أ ـ

1 ـ الإرشاد، للشيخ المفيد، ط سنة 1382 هـ المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، العراق.

2 ـ إعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي، ط سنة 1390 هـ، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، العراق.

3 ـ إكمال الدين للشيخ الصدوق، طسنة 1395 هـ. ق. دار الكتب الإسلامية، طهران ايران.

4 ـ إلزام الناصب، للحائري اليزدي، ط المكتبة المرتضوية، طهران، إيران.

5 ـ الإمامة والسياسة، لابن قتيبة الدينوري، ط سنة 1388 هـ. ق مصر.

ـ ب ـ

6 ـ بحار الأنوار، للعلامة المجلسي، طبعة حجرية قديمة، وط بيروت مؤسسة الوفاء، لبنان.

7 ـ بشارة الإسلام، للحيدري.

ـ ت ـ

8 ـ تاريخ الأمم والملوك، لابن جرير الطبري، ط دار المعارف، مصر، وط الإستقامة.

9 ـ تذكرة الخواص، لسبط ابن الجوزي، ط المكتبة الحيدرية سنة 1383هـ، النجف الأشرف، العراق.

10 ـ التفسير الكبير، للرازي، منشورات دار الكتب العلمية، طهران، إيران. وطبعة أخرى.

ـ ث ـ

11 ـ الثقات، لابن حبان البستي، ط سنة 1397 هـ. ق الهند.

ـ ح ـ

12 ـ الحياة السياسية للإمام الحسن عليه السلام، ط سنة 1414 هـ. ق دار السيرة، وطبعة جماعة المدرسين، قم، ايران.

13 ـ الحياة السياسية للإمام الرضا عليه السلام، ط سنة 1403 هـ. ق جماعة المدرسين، قم، إيران. وط دار الأضواء، بيروت، لبنان.

14 ـ حياة الحيوان، للدميري، ط دار القاموس الحديث، وط أخرى.

ـ د ـ

15 ـ دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام، لجعفر مرتضى العاملي، الطبعة الثالثة سنة 1414هـ. ق. وطبعات أخرى.

16 ـ دراسة في علامات الظهور، لجعفر مرتضى العاملي، الطبعة الأولى وطبعات أخرى، منشورات منتدى جبل عامل الإسلامي، قم إيران.

17 ـ دلائل الصدق، للمظفر، ط سنة 1395 هـ. ق. قم إيران.

ـ ر ـ

18 ـ ربيع الأبرار، للزمخشري، للزمخشري، مطبعة العاني، بغداد، العراق.

19 ـ روضة الكافي، للكليني، المطبعة الإسلامية، سنة 1388 هـ. ق، وط سنة 1377 هـ. ق المطبعة الحيدرية، طهران، إيران.

ـ ش ـ

20 ـ شجرة طوبى، لمحمد مهدي الحائري.

21 ـ شرح نهج البلاغة، للمعتزلي الحنفي، ط سنة 1385 هـ، مصر.

ـ ص ـ

22 ـ صحيح البخاري، ط سنة 1309 هـ. ق. مصر.

23 ـ صحيح مسلم، ط محمد علي صبيح وأولاده، مصر.

24 ـ صفين، للمنقري، ط سنة 1382 هـ. ق.

ـ ع ـ

25 ـ العبر وديـوان المبتدأ والخبر، لابن خلـدون، ط سنة 1391 هـ. ق مؤسسة الأعلمي، بيروت، لبنان.

26 ـ عقد الدرر، طبع القاهرة.

27 ـ علي عليه السلام والخوارج، لجعفر مرتضى العاملي، منشورات المركز الإسلامي للدراسات، ط سنة 1423 هـ. ق بيروت، لبنان.

ـ غ ـ

28 ـ الغارات، للثقفي، مطبعة الحيدري، إيران.

29 ـ الغدير، للأميني، ط سنة 1397 هـ. ق. دار الكتاب العربي، بيروت.

30 ـ الغيبة، للشيخ الطوسي، ط سنة 1385 هـ، مطبعة النعمان، النجف الأشرف، العراق.

31 ـ الغيبة، للنعماني، مكتبة الصدوق، طهران، إيران.

ـ ف ـ

32 ـ الفتوح، لابن أعثم، ط سنة 1395 هـ. ق الهند.

33 ـ الفصول المهمة، لابن الصباغ المالكي

34 ـ فلاح السائل، لابن طاووس.

ـ ق ـ

35 ـ قرب الإسناد، للحميري، ط سنة 1413 هـ. ق، مؤسسة آل البيت ^ بيروت، لبنان.

ـ ك ـ

36 ـ الكافي، للكليني، المطبعة الإسلامية، ط سنة 1388 هـ، ومطبعة الحيدري، ط سنة 1377 هـ، طهران، إيران.

37 ـ الكامل في التاريخ، لابن الأثير، ط دار صادر سنة 1385 هـ. ق. بيروت، لبنان.

38 ـ كتاب الفتن، لابن حماد، طبع دار الفكر، بيروت، لبنان.

39 ـ كشف الغمة، للإربلي، المطبعة العلمية، سنة 1381 هـ. ق، قم، إيران.

40 ـ كمال الدين، للصدوق.

41 ـ كنز العمال، للمتقي الهندي، ط سنة 1381 هـ، الهند.

ـ م ـ

42 ـ مآثر الأنافة، للقلقشندي، ط سنة 1964 م، الكويت.

43 ـ المجالس السنية، لمحسن الأمين.

44 ـ مسند الإمام الرضا، للعطاردي.

45 ـ مصادر نهج البلاغة، لعبد الزهراء الخطيب، ط سنة 1395 هـ. ق مؤسسة الأعلمي، بيروت، لبنان.

46 ـ معادن الحكمة، للفيض الكاشاني، ط سنة 1407 هـ. ق جماعة المدرسين، قم، إيران.

47 ـ المعيار والموازنة، لابن الإسكافي، ط سنة 1403هـ. ق بيروت، لبنان.

48 ـ مفردات القرآن، للراغب الأصفهاني، ط سنة1381 هـ ق، مطبوعات مصطفى البابي الحلبي، مصر.

49 ـ مناقب آل أبي طالب، لابن شهرآشوب، المطبعة العلمية، قم، إيران.

50 ـ منتخب الأثر، للشيخ لطف الله الصافي.

51 ـ ميزان الحكمة، للري شهري، نشر مكتب الإعلام الإسلامي، سنة 1404 هـ. ق، إيران.

ـ ن ـ

52 ـ نهج البلاغة (جمع الشريف الرضي) بشرح محمد عبده، طبعة الإستقامة.

53 ـ نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، ط سنة1387 هـ. ق بيروت، لبنان.

54 ـ نور الأبصار، للشبلنجي، المطبعة اليوسفية، نشر مكتبة الجمهورية، مصر.

ـ ي ـ

55 ـ ينابيع المودة، للقندوزي الحنفي، ط سنة 1301 هـ. ق إسلامبول، تركيا.

2 ـ الفهرس التفصيلي

تقديم:   5

الفصل الأول: هذه هي أقوالهم

بداية:   11

مع كتاب دراسة في علامات الظهور

للعلامة السيد جعفر مرتضى العاملي

مصادر أخبار الغيب:   12

الهدف من العلامات:    15

تصور وجود سلبيات للعلامات: 23

نفيه لإمكانية استطلاع المستقبل في ضوء العلامات:     26

مهاجمة المهتمين بالعلامات:     30

تقسيم العلامات من حيث أهميتها:       35

العلامات الموعودة:     35

العلامات المحتومة:     37

العلامات الموقوفة:      38

 

الفصل الثاني: تجريح.. واتهام..

نموذج من التجريح والإتهام:    41

نموذج من الحديث عن نفسه:   44

شكر، وتهنئة:   45

الفصل الثالث: الإعتراضات.. في حقيقتها، وفي قيمتها

بداية:   49

علوم الأئمة توقيفية:    49

الأئمة لا يعلمون الغيب ذاتياً:   53

إعتراضان.. واستدلال: 54

إستدراك، واستدلال:    58

الفصل الرابع: هل المعيار ما وقع.. أم ما سيقع؟!

الهدف من العلامات:    63

الفكر الجديد، ومعنى العلامة لغة واصطلاحاً:    66

حل التناقض الموهوم:  69

بقية شواهده الروائية:   70

تكرار وإعادة:  75

الأصهب.. والسفياني:  76

الفصل الخامس: الإهتمام بالعلامات

سلبيات العلامات:       85

الاهتمام المتزايد بالعلامات:     87

مدى الدقة في عرض رأينا:     88

لماذا التقسيم إلى المحتوم، وغير المحتوم؟!:     90

حصر المحتوم في خمس علامات:      93

يمكن رسم خارطة!!    94

الإشكال مشترك الورود:        96

الفصل السادس: الإسلام.. والمستقبل..

استكناه المستقبل بدقة متناهية:  99

الجهل بالمستقبل ينافي قيمومية الإسلام: 100

خطورة معالجة السلبيات:       104

الأبدال في الشام، والنجباء في مصر:   106

رفض البداء في المحتوم:       107

كلمة أخيرة:    115

الفهارس        125

 

 

 



([1]) راجع على سبيل المثال: كتاب الغدير ج1 ص159 و213 ودلائل الصدق، وكتابنا الحياة السياسية للإمام الحسن عليه السلام ص90 فما بعدها.

([2]) ذكرنا نبذة عن هذا الأمر في كتاب علي × والخوارج.

([3]) الآيتين 26 و27 من سورة الجن.

([4]) نهج البلاغة، بشرح محمد عبده ج1 ص153. وراجع: ما قاله أبو أيوب الأنصاري لأهل العراق في كتاب: الإمامة والسياسة ج1 ص152/153.

([5]) راجع: كتاب علي × والخوارج.

([6]) راجع: كتاب علي × والخوارج.

([7]) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج4 ص66 والكامل في التاريخ ج3 ص348 وتذكرة الخواص ص105 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 قسم2 ص181.

([8]) الحيوان ج6 ص455. والفقعة: الرخ من الكمأة. والقصيص: شجرة تنبت في أصلها الكمأة. والورل: دابة على خلقة الضب إلا أنه أعظم منه. وقال القزويني: إنه العظيم من الوزغ، وسام أبرص، طويل الذنب، سريع السير، خفيف الحركة. 

([9]) صفين للمنقري ص491 والمعيار والموازنة ص164 وشرح النهج للمعتزلي ج2 ص219. 

([10]) نهج البلاغة ج2 ص130/131 بشرح عبدة، ونقله عن مصادر نهج البلاغة ج2 ص450/451 عن الزمخشري في ربيع الأبرار، باب التفاضل والتفاوت. وراجع: الفتوح لابن أعثم ج4 ص102.

([11]) المعيار والموازنة ص183/184.

([12]) الفتوح لابن أعثم ج4 ص66/67.

([13]) البحار ج49 ص153 والمناقب لابن شهر آشوب ج4 ص365 وكشف الغمة ج3 ص127 ونور الأبصار ص157 ومآثر الأنافة ج2 ص189 و الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 245 ومعادن الحكمة ج2 ص189 ومسند الإمام الرضا ج1 ص106 والمجالس السنية ج5 ص585.

([14]) راجع كتابنا: الحياة السياسية للإمام الرضا عليه السلام ص82 و83 ودراسات وبحوث في التاريخ والإسلام ج1 ص47 / 56.

([15]) راجع كتابنا: الحياة السياسية للإمام الرضا عليه السلام ص82 و83 ودراسات وبحوث في التاريخ والإسلام ج1 ص47 / 56.

([16]) نهج البلاغة ج1 ص183 و184 والبحار ط قديم ج8 ص558 والغارات ج1 ص10 فما بعدها.

([17]) البحار ج32 ص532، شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص216 وصفين للمنقري ص489، وينابيع المودة ج2 ص13، وراجع نظائر ذلك في شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص332 والثقات ج2 ص 351 والبحار ج32 ص 546.

([18]) كما كان الحال في صدر الإسلام، حينما كانوا يحكمون الناس باسم الإسلام، وبعنوان الخلافة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

([19]) اعتمادنا في العلامات المذكورة على مصادر محدودة ولم نحاول الاستقصاء لها في سائر المصادر مع أنها من الكثيرة بمكان. 

([20]) الغيبة للنعماني ص301 وراجع ص282.

([21]) الغيبة للنعماني ص300.

([22]) الآية 2 من سورة الأنعام.

([23]) الغيبة للنعماني ص301.

([24]) الغيبة للنعماني ص303 والبحار ج52 ص250/251.

([25]) البحار ج52 ص251.

([26]) ميزان الحكمة ج4 ص80 والروايات الدالة على ذلك كثيرة فراجع الكتاب المذكور.

([27]) راجع: الغيبة للشيخ الطوسي ص263 و265 والغيبة للنعماني ص288 و292 و293 والكافي ج1 ص300 وبشارة الإسلام ص283و285 عنهما وعن الكافي وإلزام الناصب ص78.

([28]) راجع في هذا وفي الذي سبقه: الغيبة للنعماني ص292 و294 وبشارة الإسلام ص286 و284 عنه وعن الكافي وراجع الكافي ج1 ص301.

([29]) العهن: هو الصوف.

([30]) الآية 49 من سورة الكهف.

([31]) إكمال الدين ـ ج2 ـ ص652 والغيبة للشيخ الطوسي ـ ص282 والبحار ـ ج52 ـ ص206 وراجع منتخب الأثر ـ ص457.

([32]) إكمال الدين ج2 ص652 و650 والبحار ج52 ص204 والغيبة للنعماني ص300 ومنتخب الأثر ص457.

([33]) إكمال الدين ج2 ص650 والبحار ج52 ص204 وإلزام الناصب ص181 عنه.

([34]) الغيبة للشيخ الطوسي ـ ص266 وراجع: إلزام الناصب ـ ص184 عن الإرشاد. وعبارته هكذا: «واختلاف بني العباس في الدولة من المحتوم الخ..».

([35]) الغيبة للشيخ الطوسي ص267 والبحار ج52 ص209.

([36]) الغيبة للشيخ الطوسي ص273 والبحار ج52 ص215.

([37]) البحار ج52 ص182 عن قرب الإسناد.

([38]) الغيبة للنعماني ص301 وإلزام الناصب ص180.

([39]) الغيبة للنعماني ص252.

([40]) الغيبة للنعماني ص264 ومنتخب الأثر ص455.

([41]) الغيبة للنعماني ص203.

([42]) البحار ج52 ص305 ومنتخب الأثر ص458 عن الكافي.

([43]) الإرشاد للمفيد ص358 وأعلام الورى ص455 ومنتخب الأثر ص457.

([44]) الغيبة للنعماني ص203.

([45]) البحار ج52 ص305 ومنتخب الأثر ص458 عن الكافي.

([46]) الإرشاد للمفيد ص358 وأعلام الورى ص455 ومنتخب الأثر ص457.

([47]) دراسة في علامات الظهور، ص37، الطبعة الأولى.

([48]) الآيتين 3 و 4 من سورة النجم.

([49]) الآيات من 44 إلى 46 من سورة الحاقة.

([50]) الآية 59 من سورة الأنعام.

([51]) الآية 65 من سورة النمل.

([52]) الآية 188 من سورة الأعراف.

([53]) الآيتين 26 و 27 من سورة الجن.

([54]) الآية 60 من سورة الإسراء.

([55]) كنز العمال ج11، ص167، ح62/31.

([56]) كنز العمال ج11، ص167، ح58/31.

([57]) التفسير الكبير للرازي، رواه في تفسير قوله تعالى {إن الله اصطفى آدم ونوح}..